ويبقى حيّاً…

من المهمّ أن تفكّر قبل أن تعمل، كما من المهم كذلك أن تعمل بما تفكِّر، فكثيرون هم الذين تسرح خيالاتهم إلى أقاصي المشرق والمغرب، فيشيِّدون القصور، ويقيمون المشاريع، ويعمّرون البلدان التي ما إن ينتهوا منها حتى تراها قد تهاوت على عروشها، فبالنسبة لهم هي لا ولن تتعدى صفتها كأفكار لم تشأ -بإرادة أصحابها- أن تتجاوز عالم الخيال.

بقلم: يحيى السيد عمر

وآخرون.. وُلدوا ليكونوا مختلفين ليس عن أصحاب الخيالات أولئك فحسب، بل حتى عن أصحاب الأفكار المنفَّذة أمثالهم؛ فالعبرة ليست بعبقرية الفكرة المنفَّذة بقدر ما تنطوي على إيمانٍ عميق بها، وبالقدرةٍ على تجسيدها واقعاً قريباً جداً مما قد خُيِّل لها؛ تلك هي سمة أصحاب التغيير الذين يأبى التاريخ إلا أن يحملهم بين صفحاته نبراساً تستهدي به الأجيال المتعاقبة الواحدة تلو الأخرى.

القوة على القوة، والثروة على الثروة، والإنجاز باسم الجميع.. هي تماماً الفكرة التي رفَض أن يعلّقها حلماً في عالمٍ ليس بعالمه، فحملها إلى عالم واقعه مؤمناً بها ومسخِّراً جهده ليراها كما أرادها أن تكون، ليكون بذلك موجَّه القوّة وحامي الثروة، ومفجِّر الإنجاز.. إنه صاحب الاتحاد، وصاحب البصمة الأولى، صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله-.

قد يكون الاعتراف بالفضل كافياً لمن يصدر عنه، ولكنّه ليس كذلك لمن يعود إليه ولاسيما لمن كان همّه الإنجاز بعيداً عن أي انتظارٍ لمشاعر العرفان والامتنان أو طلبٍ للظهور في الصورة كمن يفعل ليشار له بالبنان. ولطالما كانت الفرصة “فرصتنا”، والأمل “أملنا”، فإن الهدف بالنسبة له أبعد بكثير من أن يكون شخصياً، و”ضمير الجماعة” الكائن في كل كلماته وعباراته يأتي ليؤكد على مسؤولية الجميع في رسالةٍ كان هو صاحب العنوان فيها.

لقد أيقن الشيخ زايد -رحمه الله- أن خطواته لن ينقطع أثرها، ليس اعتقاداً بالخلود، بل ثقةً بمن رسم لهم أول الطريق ليستكملوه ويكونوا في الصورة من بعده. واليوم.. وبعد أربعين عاماً مضت على ما تصوّره بعضنا بمثابة الحلم حينها، تقف الدولة الاتحادية متجاوزةً كل الإحباطات وضعف الأمل، مبرهنةً في الوقت نفسه على حكمة وعبقرية قائدٍ لن يتكرر بسهولة، وكاشفةً عن التزام ومسؤولية شعبٍ كان كل فرد فيه بمثابة “الشبل من ذاك الأسد”.

حتماً لن أستطيع من خلال هذه السطور القليلة أن أختصر 40 عاماً من الإنجازات والنهضة الشاملة، ولكنني أكتب هنا محاولاً استخلاص الرسائل والعِبَر من قصة نجاحٍ شارك بها الجميع، وشهدها العالم بأسره. ففي حين يُنتظَر من بعض الأشخاص المبادرة وحمل لواء القائد، لا يُطلب من آخرين إلا أن يكونوا السَّنَد والمنفِّذ لأفكارٍ تبحث عمن يلتزم بها ويطبّقها، ذلك ليس انتقاصاً من شأنهم بل لأنهم كذلك أكثر إنجازاً وتأثيراً، فبالنهاية “كلٌّ ميسَّر لما خُلِقَ له”.

من ناحيةٍ أخرى، كان تجسيد الاتحاد نجاحاً تعلَّقت مسؤولية الحفاظ عليه والارتقاء به بعاتق من تسلّم زمام الأمور لاحقاً؛ فالنجاح ليس الوصول إلى القمة فحسب، بل هو القدرة على المحافظة عليها أولاً، ومن ثَمَّ الصعود منها نحو القمم الأخرى التي لن تنتهي إلا بانقضاء العمر.

أخيراً هي تجربة ناجحة بكل المقاييس، ونجاحها ذاك يستدعي بالضرورة تصديرها إلى الآخرين، وحثّهم على استيعابها بالطريقة التي تعكس إيجابياتها، وتستثني جوانبها السلبية. وسواء طُبِّقت على حجم النطاق نفسه أو على نطاقٍ أوسع منه، يبقى نجاحها مرتبطاً بمدى إيمان المبادِر بها بنجاح الجميع لا الفرد، وبمدى قدرة الآخرين على حملها بالقدر نفسه من الهمّة والمسؤولية..

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط التالي:

تحميل