و(أطلس عسّالٍ)…

في تلك الزاوية.. حيث للبرد حكايات الأساطير الأزلية.. وحيث لدخان السجائر وبخار القهوة صدى آخر.. يجلس رجل بالكاد يظهر وجهه من وراء الدخان، ومن تحت قبعته الرمادية.. كل شيء فيه رمادي.. قبعته، معطفه الشتوي، مصنّف أوراقه، ونظرة عينيه إلى اللا شيء..

بقلم: آس غاله

كان هائماً في عالم آخر، وفي بعد آخر، دخله منذ أن وطئت قدماه هذا المقهى، وكأنّ في تلك الزاوية المخفية باباً مشرّعاً على فضاء خارج حدود الزمان والمكان.. وطئه بالصدفة ذات ليلة كهذه، سرق بعضاً من صوت فيروز الخافت، ورحل بعيداً، حتى نسي الموجودون جسده الرماديّ النحيل..

سحبته من عالمه اللازمكاني عبارة: (مساء الخير).. وليس بردة فعل طبيعية أو مباشرة، بل بعد عدّة ثوانٍ، أدرك أنه عاد إلى أرض الواقع، استيقظ من حلمه المؤقت، ردّ بصوت مختنق: (مساء النور)، وقف وسلّم على صديقه غسّان والرجل الذي معه.

قال غسّان:

– هذا صديقي ورد، موسيقيّ مبدع، لكنّه مثلنا، يمضي أوقاته في الزوايا المظلمة.

– إذاً.. فقد جاء إلى المكان المناسب.. (خاطب ورد) أهلاً بك، اسمي غيث، روائيّ فاشل.

ابتسم ورد، وسأله:

– وهل (روائي فاشل) صفة أم لقب؟

– بل هو اسم عائلتي، فقد أصبح اسمي الثلاثي: غيث روائي فاشل.

شعر غسّان أنّ الانطباع الأول عند ورد سيكون سيّئاً، نظراً لأنّ غيث يمرّ بيوم سيّئ، فكسر الكآبة التي لفّت الجلسة من أوّلها بقوله:

– حسناً، يا روائيّ، أعتقد أنك يجب أن تترك الحكم لقرائك، وأعتقد أنّ ورد سيستمتع بكلماتك، فتوقّف عن الاكتئاب وأخبرني ما الذي عكّر صفوك هذا اليوم؟

– قبل ذلك، دعنا نطلب قهوة، فأنا أشعر أنني تركت رأسي في دار النشر.

بدا غيث من خلف الدخان مثل شبح مغبرّ، وكان صوته يغيب في ضوضاء المقهى، وكأنّ زاويته المظلمة تريد أن تبتلعه كي لا يسمعه أحد، وربّما تمنّى في تلك اللحظة ألّا يسمعه أحد، فالأمر بالنسبة إليه سيّان، أن يسمعه أو لا يسمعه أحد، أن يقرأ كلماته أو لا يقرأَها أحد، فهو اليوم مجرّد آلة لاجترار الألم، وسؤاله الوحيد: (هل سأحتمل الحياة حتى صباح الغد؟)..

في أعماق نفسه شعر بميوله الانتحارية تطفو على السطح، وجاهد في دفعها إلى الأعماق، رغم رغبته بتحويلها إلى واقع..!

ابتلع دخان سيجارته كمن يرغب بالموت اختناقاً، ثمّ قال:

– صاحب دار النشر هو من أخبرني أن روايتي هذه المرّة ناجحة بمعايير هذا الزمان والمكان، فأنا لم أتجاوز الخطوط الحمراء، ولم أتعدَّ تصريحاً أو تورية على أحد الكبار، بل وضعت فيها كلّ موهبتي وإبداعي وخلاصة تجربتي الأدبية.. وقد التزمت بالقواعد التي تضمن لي أن أبيع من الرواية بضعة آلاف نسخة، لعلّني أشعر أن اسمي له معنى، فأنا لا أريده أن يقبع مثلي في زاوية المقهى..

انتقلت ملامح الصدمة إلى وجه غسّان هذه المرة.. فقد قرأ مخطوط الرواية وهو من رسم صورة الغلاف، قال:

– روايتك رائعة، مكتوبة بإحساس عالٍ وأسلوب لا مثيل له في الإدهاش، ناهيك عن الفكرة الجديدة، وطريقة السرد الجذابة، فما المشكلة اليوم؟.. ألن يطبع الرواية؟

– المشكلة في اسمي.. فناشري أخبرني صراحة أنّ اسمي احترق..!

– ماذا تعني بأنه احترق؟!.. الأسماء لا تحترق..

– الأوراق التي تكتب عليها هذه الأسماء تحترق.

هنا تدخّل ورد ليقول:

– إذاً.. انشر الرواية باسم مستعار.

حدق فيه الاثنان بذهول، لا يمكن أن يخطر لغيث هذا الخيار، لأنّ ما يهمّه من هذا الأمر بالدرجة الأولى هو اسمه، فكيف يضحّي به من أجل رواية؟!

استأنف ورد كلامه:

– هل تعتقدان أن رواد الملاهي، وحفلات الأعراس يعرفون اسمي الحقيقي؟!.. إنني أكاديمي متخرج في المعهد العالي للموسيقا، بقيت محافظاً على مبادئي ومتمسكاً بقيمي حتى كدت أن أموت جوعاً.. الأمسيات الموسيقية في المراكز الثقافية لا تطعم خبزاً، والعزف ضمن الكوارس في المناسبات الوطنية لا يظهر موهبتي ولا يفيد اسمي.. حافظت على هذا الاسم أمام جمهوري وأمام متذوّقي الفنّ الأصيل، لكنني كنت في حاجة ماسة لأن أعيش، فاخترت أن أعزف في الزوايا المظلمة تحت اسم مستعار، وراء مخرّبي الفن من المطربين الصاعدين، لأنّ هؤلاء يستطيعون دفع أقساط بيتي وإسكات صاحب البقالة، وتسديد ديوني المتراكمة منذ أعوام..

كانت الواقعية التي تحدّث فيها ورد، مثل قهوة غيث، مرّة.. لكنها تفرض نفسها بقوّة..!

– ربما نجح هذا الأمر معك.. لكن كيف يمكن أن ينجح معي؟!

– بسيطة، غيّر عنوان الرواية، ودع غسان يرسم لك غلافاً جديداً، واتّفق مع ناشرك على السرّية، واختر لنفسك اسماً مستعاراً رنّاناً وملفتاً، عندها سيقبل النقّاد على قراءة الرواية ونقدها بموضوعية، لأنهم لا يعرفون الكاتب مسبقاً.. ولا تقلق بشأن الرقابة، طالما أنّ المحتوى نال رضاهم في المرة الأولى.

ابتسم غيث، لأنّ فكرة أخرى فتحت أبواب عقله التي كانت مغلقة منذ قليل.. شكر ورد على فكرته وأكمل قهوته وهو يرسم خطواته التالية على خارطة في ذهنه..

***********

بعد شهور، تصدّرت الرواية الجديدة واجهات المكتبات، وصارت شغل المطبوعات الثقافية الشاغل، بعد أن اتفق النقّاد على أنّها من أفضل ما كتب في العقد الأخير، فنشروا حولها عدّة دراسات نقدية، وانتشرت بشكل واسع بين القراء، وبدأ الجميع يتساءلون عن الهوية الحقيقية لكاتبها (أطلس عسّال) فبرزت عناوين من قبيل: (من هو ذئب الفرزدق الجديد؟!)، (لماذا يخفي الأطلس هويّته؟)، (قراءة نقدية لرواية بقلم مجهول)..

وسط هذه المعمعة الإعلامية التي لم يكن غيث ليحلم بها لو كانت الرواية نشرت باسمه، كانت النشوة تملؤه من الداخل، وقد أعطى المسألة وقتاً كافياً، قبل أن ينتقل إلى المرحلة الجديدة من خطّته.

***********

قبل أسبوع من بثّ الندوة التلفزيونية المخصصة لتحليل الرواية، انطلقت الإعلانات حولها، وكان أبرزها: (تعرّفوا على الروائي الغامض الذي ملأ الدنيا وشغل الناس).. لابدّ أن مصمّمي هذا الإعلان كانوا يدركون تماماً ماذا يريد القرّاء، فقد باتت هوية غيث سبباً آخر من أسباب انتشار روايته، وكان غموض هذه الهويّة مما دفع النقّاد لقراءتها بموضوعية، رغم أنّ كثيراً منهم حارب غيث في السابق، لمجرّد كونه غيث، فهم لم يكونوا على اتفاق مع أفكاره..

حين أطلّ غيث بهيئته الرماديّة عبر الشاشة الفضّية، شعر أعداؤه من النقاد بشيء يشبه الصعقة الكهربائية، ولاسيّما أولئك الذين امتدحوا عمله، فهم لا يريدون لهذا (الأطلس) المغبرّ أن يكبر اسمه أكثر، أو حتى أن يجد لنفسه قارئاً ينتظر كلماته..

كان الاسم واحداً من نقاط التساؤل التي يجب التوقف عندها، فسأله المحاور:

– لماذا (أطلس عسّال)؟!

ابتسم غيث.. ولأول مرّة تشرق عيناه بلونهما البنّي الحقيقي.. وقد التمعتا تحت الإضاءة القوية للاستديو.. قال له:

– لطالما أطلق عليّ النقّاد اسم (المغبرّ).. لأنني كنت أكتب بضبابية في أغلب الأحيان، ولأنني أتخبط -من وجهة نظرهم طبعاً- في دنيا الرمز والأسطورة.. وأنا في حيرة لأنّ أحداً منهم لم يستطع معرفتي من كلماتي، فأنا في العمق مازلت ذلك الكاتب الضبابي الضائع.. وهذا جزء من هويّتي لن أتخلّى عنه.. وفي الواقع أنا مقتنع تماماً أنني إن لم أكن ذئباً فستأكلني الذئاب..

**********

لم تمضِ أيام كثيرة قبل أن يحاول النقّاد إعادة الاعتبار (لكرامة أقلامهم المخدوعة).. فغيّروا (أقوالهم) السابقة، وأخذ كلّ منهم يحاول تشويه صورة الرواية والروائي، لأسباب بعيدة كل البعد عن النقد الأدبي الموضوعي.. كما تصدّر الصفحة الأولى لأبرز الصحف الثقافية في البلد عنوان: (ذئب.. في جلد روائي)..

وفي زاوية المقهى المظلمة ذاتها.. كان غيث وغسان وورد، يشربون قهوتهم المرّة، وهم يقرؤون هذا النقد بالذات، الذي أحرق موضوعية صاحبه حتى تفحّمت..

أرجع غيث رأسه إلى الوراء وهو يسحب ما تبقى من سيجارته، وابتسم بمكر، ثم قال:

– هذا ما أسمّيه نشوة النصر في معركة الاحتراق..