هيبة إدارية عبر صحراء (تكلامكان)!

حين عزم الإسكندر المقدوني على امتلاك العالم، قاد جيوشه إلى أصقاع الأرض عبر البحار والجبال والصحارى، غير آبِهٍ بالصعاب، حتّى استطاع بَسْطَ نُفُوذه على نصف ممالك العالم القديم، متفوّقاً بذلك على أعظم قادة التاريخ، لكنَّ جيشه تَعِبَ في مرحلة ما، بعد سنوات من الحرب التي أوصلتهم إلى الهند، فعارَضه الجنود في رغبته بالاستمرار شرقاً، حيث كان يعتقد أنّ نهاية العالم موجودة هناك.

بقلم: يحيى السيد عمر

الإسكندر المعروف ببطشه، لم يُرْغِم جيشه على حرب جديدة، وخضَع لرغبة جنوده بالعودة باتجاه الغرب، لكنّه تعامل مع الموقف بطريقة أثبتت قسوته ليقول لهم: (أنا القائد).. فأعادهم من طريق موحِشَة عبر صحراء (تكلامكان)، التي تعني (تلك لا مكان)، فوصل في نهاية الطريق بثلثي الجيش فقط!

استطاع الإسكندر أن يثبت للجميع في ذلك الزمان، وفي هذا الزمان، أنّه رجل صاحب مبدأ، لكن، هل كان الأمر يستحقّ أن يفقد ثلث الجيش؟!

قد يختلف الناس في حكمهم على هذه الحادثة، لكن كثيراً منّا في الواقع يحمل بعضاً من طباع الإسكندر في جيناته.. فنحن نتمسك بآرائنا وقيمنا ومبادئنا وكأنها مقدّسات لا تقبل النقاش، لنقول للآخرين إنّنا أصحاب مبدأ، حتى لو كان هذا المبدأ خاطئاً!

وكثيراً ما تختلف طباع البشر، فهم مَجْبُولُون بالعاطفة، ولذلك نراهم يتعاملون مع المواقف المتشابهة بطرائق مختلفة، ويتعاطون مع الناس من مناظيرهم الخاصة، وأحياناً يخطئون الحكم؛ لأنّهم يظنّون أنّ على الناس جميعاً أن يتصرفوا كما يتصرّفون هم!

بالتأكيد إنّ هذه القاعدة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع؛ لأنّ الأشقاء من أمّ وأب، قد يختلفون في الطباع، ومع هذه الحال، علينا ألّا نحكم على الآخرين حسب قيمنا ونظرتنا، وإنّما حسب رؤيتهم ونظرتهم.

وفي العمل تتكرّر المواقف التي نتعاطى معها بطرق مختلفة، ويزداد عبء التمسّك بالمبدأ إذا كنت مديراً، فأنت تريد أن تحافظ على هيبتك أمام موظّفيك مهما كان الثمن.

بالتأكيد إنّ هذه مسألة في غاية الأهمية، لكنَّ علم الإدارة توصَّل إلى أنواع عديدة من طرق التعامل مع الموظفين، وأحدها هو سياسة الباب المفتوح التي تتيح لكلّ موظّف أن يبدي رأيه، ويشارك في القرار الإداري؛ إذا ما كان هذا القرار صائباً.

إذا كنتَ مع هذه الطريقة في الإدارة، وأنت مدير ولست موظفاً، فهل ستتخلَّى عن مبدأ (هيبة المدير)، وتأخذ برأي موظف لديك؟

أعتقد أن هيبة المدير لن تتزعزع إذا شاركه الموظفون في اتخاذ قرار ما؛ لأنّهم بالنتيجة يُجَدِّفُون في مركب واحد، ويجب أن يكون التَّجْدِيفُ متناغماً حتى يسير المركب بالاتجاه الصحيح، ويصل بالجميع إلى برّ الأمان.

قد يكون الأمر أكثر تعقيداً في بعض الحالات، ولاسيّما عندما يختلف رأيك كمدير مع رأي أحد الموظفين الموثوقين لديك، فقد يكون هذا الموظف قادراً على رؤية المسألة بتفاصيلها الصغيرة، كونه على تماسّ مباشر معها، بينما تراها أنت من مكان أوسع؛ لأنّ نظرتك يجب أن تكون أكثر شمولية.

هو لا يريد تضييع أيَّ جزءٍ أو عنصر، وأنت لا تريد أن تضيع في التفاصيل، وحلُّ هذه المعادلة ربّما يكون صعباً، لذلك يجب أن تصل معه إلى نقطة التقاء، فتفهم منه التفاصيل الأكثر أهمية، وتهمل ما يمكن أن يُضيِّع الفكرة الأساسية، وفي الوقت ذاته تحافظ على نظرتك الشمولية التي تضمن سير العمل بما يحافظ على نجاح المؤسسة واستمرارها، فبهذه الطريقة فقط تتفق مع موظفيك، ولا تترك مجالاً لأيِّ شرخ يُبَطِّئ العمل أو يهدِّده.

مهما كانت الطريقة التي ستحلّ فيها المعادلة بينك وبين موظّفيك، بحيث تشاركهم القرار، لكن مع الحفاظ على هيبتك الإدارية، لا تتبع طريق الإسكندر المقدوني؛ لأنّ صحراء (تكلامكان) لا تزال مُقْفِرة وموحشة!

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط التالي:

تحميل