نبـض الإبداع

هي حالة من العقم المفاجئ, تجتاح القلم, الريشة, اليدين.. أو أي أداة للإبداع.. لم يستطع جواد أن يدرك أسبابها يوماً.. فجأة يجد قلمه عاجزاً عن النطق بكلمة واحدة, يصاب بحالة من الشلل دون سابق إنذار, ولا يعود مهماً إن أمسكه بيده أو وضعه جانباً على طاولة في زاوية معتمة.. وتمرّ أيام قبل أن يستطيع العودة إلى إبداع أي شيء..

بقلم: آس غاله

مقلقة تلك الحال, ومقلق أكثر منها الجهل بأسبابها.. حاول جواد جاهداً أن يحصر أسباب عقمه الإبداعي, لكنه فشل.. فكّر بكل ما حوله, لكن تفكيره فاقم أزمته.

وضع الشهور الماضية من حياته أمامه كصفحة من كتاب مفتوح, وبعد لمحة سريعة, قال لنفسه: لا شيء غير عادي..

ثم توقف عند كلمتي (غير عادي) وبدا كمن اكتشف للتوّ حل لغز مؤرق, فأن يمضي على الإنسان شهورٌ لا شيء فيها غير عادي, هو واحد من أسباب الروتين القاتل لأي نوع من أنواع الإبداع..

هو كاتب مقال ثابت في مجلة أسبوعية, وفي الأسبوع الماضي قدم مادة لم تكن على المستوى المطلوب, فهو يعلم أنه قادر على التعبير بشكل أفضل من ذلك بكثير..

منذ مدة تجتاحه هذه الحالة من العجز, يحاول التقاط أي فكرة, من أي مكان, من أي شخص, من أي حادثة, لكن عبثاً يحاول..

ومن أين له ذلك إذا كان لا يصادف أشخاصاً جدداً, ولا يخرج إلى أمكنة جديدة, ولا يسمع بأي حدث مثير؟!..

هكذا هو منذ شهور, مجرد (روبوت) يجلس على كرسي, يتسرب الروتين إلى شرايينه مثل سمّ قاتل دون أن يدري.. اعتاد على الصمت والوحدة, حتى فقد كثيراً من أسباب ارتباطه بالعالم الخارجي..

اعتقد أن الكتب التي يقرؤها قادرة على التعويض عن وجود الآخرين في حياته, وظن أن الكتابة والرسم يستطيعان أن ينسياه كل آلام الانتماء إلى المجتمع.. فالمجتمع بالنسبة إليه شيء لا وجود له سوى في مؤلفات ابن خلدون, لأنه لا يريد أن يكون جزءاً منه, لذلك فإن مقالاته الأسبوعية كلها وجدانية, لا علاقة لأي منها بالناس, ولا يقترب شيء منها من أرض الواقع..

ربما كان القراء يحبون الوجدانية التي يكتب بها جواد, لأنهم يقرؤون عن الحياة الواقعية عند غيره من الكتاب, وبذلك تكون مجلته قد لبّت متطلبات القراء في كلا الاتجاهين, الواقعي, والوجداني..

ولكن.. ماذا عن جواد؟!.. ماذا عن ذلك الكاتب الذي حبس نفسه في إطار لم يعد قادراً على الخروج منه؟!..

إنه اليوم يدرك كم هو سجنه ضيق, ضيق إلى درجة الاختناق.. وإلى درجة يعجز فيها عن التحرك قيد أنملة..

ليلة واحدة تفصله عن الموعد النهائي لتسليم مقاله إلى سكرتير تحرير المجلة, بدت له أطول ليلة في حياته..

جلس جواد أمام شاشة حاسوبه, وضع أصابعه على لوحة المفاتيح, وكتب عنوان عموده الأسبوعي, ثم توقف.. فكر مليّاً: ماذا سأكتب؟!..

إنه لا يمتلك أدنى فكرة عن موضوع ينقذ فيه نفسه قبل فوات الأوان الذي بات قريباً جداً..

اقتربت أصابعه من لوحة المفاتيح مرة أخرى, لكنه لم يمتلك ما يكتبه, التفت إلى جوار الحاسوب, رأى قلم الرصاص الذي اعتاد الكتابة به قبل أن تقضي التكنولوجيا على وجوده, أمسكه بين أصابعه وتأمله لثوانٍ, أخرج ورقة بيضاء, خطّ عليها أول كلمة: (أشعر).. فأحس أنه يتعلم الكتابة لأول مرة في حياته.. وبحركة لا إرادية تابع:

(أشعر بالخوف من مجرد التفكير بالكتابة.. حالة غريبة من العقم يعيشها قلمي.. يرعبني الإحساس بالشلل, وأفكر: ترى, أولئك الأشخاص الذين يقومون بأعمال لا تحتاج إلى الإبداع, هل ينتابهم هذا الألم؟!.. هل يشعرون في أي لحظة بعدم جدوى وجودهم؟!.. يقلقني أنني أفقد أهمية وجودي, لأنني أستمد هذا الوجود من قلمي, وقلمي بات ميتاً..)..

تلك الكلمات كان يرددها مع نفسه منذ أسبوع, كانت هاجسه الوحيد, كان عقم إبداعه يحتلّ كل تفكيره, وقد انتبه في هذه اللحظة إلى ذلك:

“لماذا لا يكون هاجسي بالعجز هو الذي يقتل إبداعي؟!.. إنني لم أفكر بشيء آخر منذ أسبوع, كنت أردد بصوت مرتفع (أنا عاجز عن الكتابة) حتى اقتنعت أنني عاجز.. أقنعت نفسي بضعفي, حتى تحول الضعف إلى شلل, وحبست جسدي وفكري وقلمي بين جدران أربعة, فكدت أفقد انتمائي إلى عالم الأحياء.. لقد أصبحت امتداداً لهذا الكرسي, جزءاً ملتصقاً به, بل متفرعاً عنه..”.

التفت إلى الخارج عبر زجاج نافذته الكئيبة, سمع صوت الحياة, هناك, عند مفارق الطرق, وفي الأزقة وعند الباعة وفوق الأرصفة.. رأى وجوهاً كثيرة.. تضحك, تصرخ, تدمع, لا تبالي بشيء..

ابتسم وقال بصوت مرتفع:

“بالفعل.. هناك حياة في الخارج!”..

لملم أوراقه البيضاء, وحمل قلمه العتيق, ثم خرج إلى المقهى القريب, كانت الساعة تقترب من العاشرة حين وصل, اتخذ لنفسه طاولة قريبة من مجموعتين من الشباب, طلب من النادل أن يحضر له قهوة, ثم فرد أوراقه, واختصر كل حواسه في حاسة واحدة: السمع..

في اللحظات الأولى, اعتراه الخجل من نفسه, إنه يسترق السمع إلى غرباء, لكنه أدرك أن هؤلاء الغرباء هم الأشخاص الذين يكتب لهم, فلماذا لا يكتب عنهم؟!!..

كان الشباب في الجهة اليمنى يتحدثون بحماس شديد عن الصحافي العراقي الذي ألقى حذاءه في وجه الرئيس الأمريكي, وكانوا في خلاف حول ما إذا كان الصحافي محقاً في تصرفه أم لا, ففي حين عدّه اثنان منهم بطلاً, اعتبره الآخران متجاوزاً لحدود اللباقة الدبلوماسية والإنسانية..

الشباب في المجموعة الأخرى كانوا يتحدثون بحماس أيضاً, لكن عن موضوع مختلف تماماً, فقد كان شغلهم الشاغل من يستحق أن يكون (سوبر ستار) العرب, ومن يستحق النجاح أكثر في أكاديمية (ستار أكاديمي)!..

بدا جواد وكأنه يكتشف التناقض الذي يكتنف هذا العالم لأول مرة.. إنه يولد من جديد في هذه اللحظة, أين كان طوال تلك المدة من حياته؟!.. لماذا كان مختبئاً بين جدران سجن صنع قضبانه بيديه؟!.

ولماذا اختصر كل أصدقائه بشخص واحد سافر منذ ثلاثة أعوام ولم يعد سوى في إجازة صيفية؟!..

لماذا اختصر كل نساء العالم بامرأة واحدة هجرته لتتزوج رجلاً ثرياً لا تشغله قضايا الشرق الأوسط, ولا يدمن شراء الكتب حتى أصيب بالإفلاس؟!..

ولماذا لا ينتمي إلى هذا العالم المليء بالحركة؟!.. والمشبع بالمتناقضات حتى الثمالة؟!..

الآن يسأل نفسه بصراحة موجعة: (هل كنت طوال هذه المدة كاتباً؟!.. لا.. لقد كنت مجرد شخص يخطّ مذكراته, وبدلاً من حفظها في دفتر خاص, يقوم بنشرها على أوراق مجلة أسبوعية)..

نهض عن كرسيه واقترب من الشباب الذين يتحدثون في السياسة, حيّاهم وعرّفهم باسمه, فقال له أحدهم:

“أعرف كتاباتك جيداً, فأنا أقرأ لك أسبوعياً, تكتب بوجدانية رائعة, لكنك لا تقترب من الواقع قيد أنملة!.. تفضل بالجلوس معنا”.

ابتسم جواد, جلس معهم, وقال:

“خرجت اليوم بالذات لأحلّ هذه المشكلة, مشكلة ابتعادي عن الواقع, وقد سمعت حديثكم, كما سمعت حديث أولئك الشباب في الجهة المقابلة, واعذروني لأن ذلك كان عن قصد وليس بشكل عرضي, فأنا أريد أن أسمع نبض الشارع, وأحسّ بما يدور حولي, لأستطيع الخروج من منفاي الداخلي”.

قال له أحدهم:

“إذاً.. أهلاً بك إلى منفانا الأوسع, حيث تجد في كل زاوية قصة من واقع يستحق الوقوف عنده..”.

تنفس جواد الصعداء, فقد لمعت في رأسه فكرة المقال الذي سيسلمه إلى المجلة غداً, وشعر للمرة الأولى منذ شهور أن الحياة تدب في أصابعه, حتى إنه ضمّ قلمه بينها بقوة وكأنه يقول له: (أسمع نبضك من جديد)..