ميزان العدالة

مايا ابنة محامٍ.. وعليها أن تتعايش مع هذه الحقيقة، وتتحمّل ما تسمعه من انتقادات الناس للمحامين، لأنهم ينظرون إليهم على أنهم وحوش كاسرة، أو مصاصات دماء بشرية..! دون أن يحاولوا معرفة ما يعانيه المحامي كل يوم من مشاكل، أصغرها حاجب على باب القصر العدلي، وأصعبها (قاضٍ مرتشٍ)..

بقلم: آس غاله

منذ عامين، دخل والدها إلى البيت قبل موعده المعتاد، كان وجهه مكفهرّاً، ونبرة صوته تنمّ عن غضب عارم.

سألته عمّا ألـمّ به، فقال: “أتعلمين.. أحلم أحياناً أن أكون فلاحاً أخرج إلى الزراعة منذ الفجر ولا أعود حتى المغرب، لأنّني عندها لن أتعامل سوى مع الأرض.. والأرض ستبادلني الحب ولن تخدعني ولن تخذلني يوماً”.

سألته: “هل خسرت دعوى هذا اليوم؟”.

هزّ رأسه بمرارة وأجاب: “بل خسرت إيماني بالعدالة”.. ثم تابع: “لا أجد أبلغ من عبارة تشرشل: إذا كان القضاء بخير، فالوطن كلّه بخير”.

في ذلك اليوم، علمت مايا أنّ مشكلة أبيها كانت مع قاضٍ عرف عنه أنّه لا يبتّ بقضية قبل أن تمتلئ جيبه، ورغم أنّ الحقّ كان إلى جانب موكلّ أبيها، إلّا أن العدالة (الأرضية) غلبته..!

يومها لم يقبل الأب أن يدفع للقاضي رشوة، لإيمانه بأن ذلك سيزيد من فساده، ولاقتناعه بأنّ الحق إلى جانبه، إلّا أنّ ميزان العدالة مال باتجاه الجيب الأثقل..!

*******

شاءت أقدار مايا أن تتزوّج بمحامٍ، فعلى ما يبدو قد اعتادت هذا النوع من الحياة، ولأنها مقتنعة أنّ والدها (الأستاذ عصام) ليس مصاص دماء كما يعتقد العامة، فقد اقتنعت أنّ زوجها (أنس) يمكن أن يكون جيداً أيضاً.

*******

خلال زيارة عائلية عادية إلى بيت أهلها، انتبهت مايا إلى حوار جانبي بين والدها وزوجها، كان أبوها غاضباً من صهره ويؤنّبه بشدّة، لكن بصوت منخفض.

تدخّلت مايا لتسأل عن الموضوع، لكن كليهما صدّاها، وأخبراها أن لا شأن لها بقضايا عملهما، فسكتت على مضض.

حين عادا إلى البيت، كان القلق بادياً على وجه أنس، أخذ يمشي على الشرفة ذهاباً وإياباً، وبدا أنه في عالم آخر.

اقتربت منه مايا، وسألته: “ألا تعتقد أنّ الوقت قد حان لتخبرني بما يشغلك، وبماذا كنت تتناقش مع أبي؟!”.

تنهّد أنس، وشعر أنّ بعض (الفضفضة) قد تزيح بعض العبء عن صدره، فقال:

“لي قضية أمام إحدى المحاكم المدنية، نزاع حول ملكية محلات تجارية، وسيتمّ البتّ بالحكم غداً.. في الواقع التفاصيل لا تهمّك، المهمّ في الأمر أنّ القاضي هو الأستاذ مروان بذاته، الشهير بمبدأ (لو وقف أبي في المحكمة أمامي، لما حكمت لصالحه بدون مقابل)!”.

صعقت مايا، عادت إلى رأسها صورة أبيها حين عاد إلى البيت منذ عامين بدعوى خاسرة بسبب القاضي نفسه، سألت زوجها:

“وعلامَ كان خلافك مع أبي؟!”.

نظر أنس في عينيها صامتاً، ربّما اعتراه الخجل، وربما الخوف من تشوّه صورته أمامها، فاختصرت عليه عناء الاعتراف وأقرّت بنفسها، لكن بصوت مرتفع:

“لقد رشوتَه”.

لم يستطع أنس الدفاع عن نفسه، رغم أنه اعتاد الدفاع عن الناس كل يوم، فقد كان يعلم فداحة الخطأ الذي ارتكبه من وجهة النظر الأخلاقية، إلّا أنّ قوّة المنطق (الأرضي) غلبت كل قوّة، فوضّح لها:

“عزيزتي، لا تغضبي قبل أن تعرفي وجهة نظري، انظري إلى عمّي، خسر كل الدعاوى أمام هذا القاضي لأنه رفض مسايرته، حتى وصل به الأمر إلى رفض كل ما يأتيه من دعاوى ترفع في هذه المحكمة.. كلّنا نعلم أن مروان كوّن ثروة على حساب المحامين، وأنّ الحقّ لا يهمّه، لأنّ محكمته مدنية ومن وجهة نظره إنّه لا يرسل أحداً إلى السجن!”.

“لكن ذلك لا يبرر مساعدته على زيادة ثروته”.

“بصراحة.. حسبتها بالمنطق، إذا ربح موكلي هذه الدعوى، فسيربح الملايين، لأنّ محلاته التجارية في وسط البلد ولها اسم تجاري معروف، وإذا خسر فستكون تلك كارثة عليه وعلى أبنائه، فأين المشكلة في دفع مبلغ صغير للقاضي مقابل ربح ثروة؟!”.

اعتلت حمرة الغضب وجه مايا، فقد كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها هذا الجانب من شخصية زوجها، وهي التي قبلت الارتباط به لظنّها أنّه يشبه والدها، قالت له:

“المشكلة في المبدأ.. الآن ترسّخت عنده فكرة أنّك ستدفع مقابل كل دعوى، هذه المرة استطعت الدفع، لكن ماذا عن المرّات القادمة؟!.. ثمّ أخبرني بشيء: كيف يعيش هذا القاضي على الرشوة منذ أعوام دون أن يكشفه أحد؟!.. أليس هناك من يحاول إيقافه؟!”.

هزّ أنس رأسه بيأس، قال لها:

“هل تعتقدين أنّ عمي كان ساكتاً طوال المدّة الماضية؟!.. لقد حاول بكلّ الوسائل إثبات دليل واحد عليه دون جدوى، فهو يعرف جيّداً كيف يحمي نفسه”.

“أما كنتَ تستطيع المساعدة في هذه الدعوى بالذات؟!.. بأي طريقة تدفع له؟.. سجّل مكالماتك معه، وقدّمها للقضاء المختصّ بالفساد”.

ضحك أنس، وقد أدرك أن زوجته تكثر من متابعة الأفلام والمسلسلات البوليسية، قال لها:

“عزيزتي، هل تعتقدين أنّ أيّ حديث دار بيننا خارج قاعة المحكمة؟!.. إنه كالثعلب، في المحكمة يطغى رداؤه الأسود على الحاضرين، له هيبة لا تستطيعين تخيّلها، ولا يتعاطى مع أحد خارج إطار القانون، فهو قانوني بارع، ولم يستلم يوماً أي شيء من يد أحد، فهناك دائماً وسيط، معقّب معاملات يثق به، وهذا الأخير يقبض حصّته أيضاً، ولن يقول شيئاً حتى لو علّقت مشنقته، وهو لم يقل يوماً إنه سيأخذ المال من أجل القاضي، لكن الجميع يعرفون الحقيقة، ولا يمتلكون سوى المسايرة أو الصمت، فهم يريدون تيسير مصالحهم”.

تنهّدت مايا: “وأنت اخترت المسايرة؟!”

شعر أنس بحرقة الألم في صوت مايا، حاول التخفيف عنها، رغم علمه أنّ شيئاً لن يصلح صورته الجديدة، قال لها:

“لست سعيداً بما فعلت، لكن ما حدث قد حدث، وأقسم لك إنني لن أعيد الكرّة”.

“أتمنى ذلك من قلبي”.

*******

عندما حان موعد جلسة النطق بالحكم في دعوى أنس، وقف إلى جانب المحامي الخصم -وهو واحد من أصدقائه المقربين- منتظرَين قرار القاضي، وكلّ منهما يمنّي النفس بأتعاب كبيرة بعد ربح هذه الدعوى.. لكن أنس كان يرتجف، لأنها كانت تجربته الأولى مع هذا المستوى من الفساد، قال له زميله:

“لا تتوتّر، ستسير الأمور على ما يرام، ما رأيك أن نتفق؟.. من يربح هذه الدعوى، يدعو الآخر على العشاء هذا اليوم”.

“موافق”.

ابتسم الاثنان، وللحظة، فكّر أنس بأنه سيدعو صديقه إلى أفضل وأفخم مطاعم المدينة، لكنّه كاد يسقط مغشيّاً عليه، حين سمع الحكم من فم القاضي مروان.. فقد حكم لصالح خصمه..!

جلس على أقرب كرسيّ، كانت الدنيا تدور به عندما اقترب زميله ضاحكاً:

“ما بك أستاذ أنس؟.. هل قررت إلى أيّ مطعم تريدني أن أدعوك؟”.

نظر إليه أنس بعينين فارغتين، قال له:

“أقسم لك إنني دفعت له، فلماذا خسرت الدعوى؟!”.

ابتسم الخصم وقد أدرك المقلب، سأله:

“كم دفعت؟”.

“25 ألفاً”.

ابتسم الخصم من جديد، وقال:

“أمّا أنا فدفعت له خمسين ألفاً، جيبي أثقل من جيبك”..!!