موهبتك.. مسؤوليتك

هي جذوة كامنة في أعماقنا، قد تكون مزيجاً سحرياً ما بين ذكاء وقدرة، لكنها بالتأكيد ليست لغزاً غائباً إن نحن استشعرنا طاقاتها وعرفنا مصدرها وكيف نطورها، وقد تغيب وتضمر إن أهملناها ولم نستشعر وجودها، وفي تشبيه قريب يكون حالها كوضع أي عضلة في أجسادنا إن استخدمناها قويت واستطعنا تحدي المصاعب بها وإن أهملناها ضمرت وضعفت وفقدنا مهام إيجابية كثيرة كان من الممكن أن تؤديها..

إعداد: خلود معطي

موهبتك..طاقتك الخفية

لغوياً تعرف موهبتنا بأنها: مأخوذة من الفعل (وهب) وهي العطية أي الشيء المعطى للإنسان والدائم بلا عوض، ففي لسان العرب الموهبة: من وهب/ يهب ووهوب أي يعطيه شيئاً، أما معجم المنجد فقال: وهب أي إعطاء الشيء بلا عوض.

واصطلاحاً، الموهبة Giftedness قدرة فطرية أو استعداد موروث في مجال واحد أو أكثر من المجالات العقلية والإبداعية والاجتماعية القيادية والفنية وغيرها العديد من المواهب الخاصة، والموهبة تحتاج إلى بيئة ملائمة كي تنمو وتتطور وليتم اكتشافها وصقلها حتى يمكن أن تظهر على شكل إنجازات إبداعية.

 

ما بين الذكاء والموهبة شعرة

كثيرة هي التداخلات التي حدثت حين تمّت دراسة الذكاء وعلاقته بالموهبة، فهما متقاربان بشكل كبير، إلا أن العلماء والباحثين بدؤوا بالمناداة بنظرية جديدة حول وضع المواهب التي نمتلكها، وبأنها لا تقتصر على جوانب بعينها، بل تتناول مجالات الحياة المختلفة، وأنها تتأثر وتتكون بفعل الظروف البيئية التي تقوم بتوجيهنا لاستثمار ما لدينا من ذكاءات في هذه المجالات المتعلقة بالموهبة، فمن لديه موهبة فنية أو لغوية يستخدم ذكاءه اللغوي وقدراته الكتابية والخطابية خصوصاً إن ولد في بيئة تحترم القراءة والكتابة وتعدّها أساسية ومهمة، وبذلك تتطور موهبته وتصبح أداة أساسية من أدوات حياته الفاعلة.

كما أكدت البحوث المتقدمة وجود ارتباطٍ إيجابيٍ ما بين المواهب الخاصة التي نمتلكها ومستوى الذكاء، فالعلاقة بينهما إيجابية ومتفاعلة فالذكاء عامل أساسي في تكوين ونموّ المواهب جميعاً.

 

الأبعاد والخصائص التي تميّز الموهوبين

  1. خصائص متعلقة ببعد التعلم، وما يتعلق به من خصائص عقلية عامة وخاصة، وخصائص دافعية وشخصية، وتضم: الحب الشديد للقراءة، والفطنة وسرعة البديهة، وتعدد الميول والاهتمامات وتنوعها، وسرعة التعلم وسهولته، وسهولة استرجاع المعلومات، والاستقلالية في التفكير والأعمال، وتميز الأداء الأكاديمي، وشدة الانتباه والمواظبة.
  2. خصائص متعلقة ببعد الإبداع والتفكير المثمرين: وتتضمن خصائص مثل الجرأة الشديدة وحب المغامرة، وقوة الطموح وحب الاستطلاع، والملل من الأعمال الروتينية، والقدرة على استشعار المشاكل والقضايا الاجتماعية والبيئية، والتلاعب بالأفكار والصور والخيالات، والولع بالأنشطة الاستكشافية والنهايات المفتوحة، والمهارة في استخدام أسلوب حل المشكلات، والقدرة على تقديم إجابات فريدة من نوعها غير متوقعة.
  3. خصائص متعلقة ببعد القيادة، وتتضمن خصائص مثل: القدرة العالية لتحفيز الآخرين، وحبّ التنظيم والتخطيط، والقدرة على إبداء الآراء والمقترحات القيمة، وتحمل المسؤولية والقدرة على ممارستها بإرادة قوية، والتمتع بحب التميز واللباقة، والقدرة على مساعدة من حوله عند الحاجة.

 

جميعنا موهوبون

جميلٌ جداً أن تعلم بأن لديك موهبة لكن الأجمل والأكثر فائدة وتأثيراً هو سؤال مفاده: هل سبرت أعماقك واكتشفت موهبتك الكامنة؟! نافضاً عنها غباراً متراكماً جرّاء مهامك اليومية المتكرّرة واللامتناهية، ما يجعلك تدفن لا شعورياً قدرات وطاقات هي كالماس الخام تحتاج منك لوعي بالذات ووقفة متأنية مع نفسك، وما تمتلكه وما تستطيع تطويره والاستفادة منه بل والاستمتاع بالتآلف معه وبالتغيير الذي من الممكن أن يضفيه على أيامك الرتيبة..

وبما أن الدليل أكبر برهان في واقعنا المعاش فتلك هي أمثلة حياتية تتنافس في مواهبها وتستثمرها لتعلن تغير مسار حياتها وحياة من حولها، وعلى العكس تماماً كم هم الأفراد الذين يمتلكون استعدادات طبيعية لمواهب معينة، لكنهم لم يحققوا النجاح الأقصى في أدائهم، وقد يحققون نجاحات عادية في الأداء لكنها على الغالب عادية وغير إبداعية، والمتأمل للمثابرين على استثمار موهبتهم يجد بأنهم قليلون هم الذين غذوا قدراتهم ببذور قلوبهم وجهدهم المستمر، مع أن الأمر في غاية العذوبة والانسياب، فمثلاً مع وجود استعدادات طبيعية كالسرعة، والدقة، واللباقة في الحركات وتناسقها، ومع وجود ظروف ملائمة للأداء متمثلة في المثابرة والتدريب، يمكن أن تتشكل تلك المواهب لتصبح قدرات مختلفة تناسب لاعبي الجمباز، أو الطبيب الجراح، أو عازف الكمان، ومن النموذج الفني يمكن أن تتشكل قدرات في التمثيل، والتأليف، والرسم، والموسيقى، ومن النموذج الذهني يمكن أن تتشكل قدرات الرياضيات واللغة والفلسفة.. إلخ.

وعند وجود الاستعدادات والظروف الحياتية المثلى والاهتمام بالموهبة منذ بداياتها، فإن ذلك يؤثر في تطوير شخصيتنا ومهاراتنا المكتسبة وخبراتنا التي قد تبدو للآخرين بأنها مولودة معنا مع أنها تشكلت بتأثير منا.

فمثلاً الطفل “ف.أ.موزارت” استطاع تأليف مسرحياته الأولى في عمر 3-4 سنوات، والرسام المشهور “ك.ب.برولوف” التحق بأكاديمية الفنون في التاسعة من عمره، كما نشرت الصحف عن الموسيقار “أرمينوي كاربيتيان” الذي استطاع في شهر شباط من عام 1978 إحياء حفل موسيقي وهو في الثانية عشرة من عمره، علماً بأنه قام بتأليف أول مسرحية له على البيانو في الخامسة من عمره.

وفي عام 1975 نشرت الصحف عن الموسيقار “أليشي بانوفي” الذي أحيى ذكرى بتهوفن، موزارت، تشايكوفسكي، وذلك بعزف إنتاجهم الإبداعي من الموسيقى وهو في الخامسة من عمره، إذ تعلم العزف قبل تعلمه المشي.

وأما “ناديا روشيفان” التي تعدّ حسب رأي الأخصائيين شخصية إبداعية في الفنون الجميلة، وقد توفيت في السابعة عشرة من عمرها، بينما موهبتها العبقرية بدأت تتفجر في الثامنة من عمرها، إذ استطاعت خلال فترة قصيرة من عمرها أن تنتج عشرة آلاف لوحة غير تقليدية.

وبالطبع أولئك حرروا طاقاتهم وأطلقوا مواهبهم وتحملوا مسؤوليتها في عمر مبكرة، ذلك أن الطفل غير محكوم بالقواعد الصارمة التي نكبل بها أنفسنا يوماً إثر يوم، لكن الفرصة مازالت مواتية أيضاً لمن هم في سن متأخرة، فالعديد من الذين غابت عنهم الإنجازات المبكرة لتتفجر مواهبهم في ميادين الحياة العملية عند كبر سنهم ومن بينهم العالم البيولوجي “لويس باستور” الذي بدأ إبداعه العلمي في السادسة والأربعين بعد إصابته بنزيف مخّي أدى إلى تلف نصف الكرة المخية اليمنى لديه، وعالم الرياضيات المشهور “ن.ن.لوزين”، والأديب: “شيشكوف”…

وتبقى الموهبة لؤلؤة غارقة في صدفة الذات المكنونة إن واتتها فرصة للخروج للعيان تفجرت وملأت الدنيا جمالاً وإبداعاً، وبالتأكيد يبقى التزامنا بهذه الموهبة هو الأساس كما قال المصلح الاجتماعي الإنكليزي توماس بوكسويل باكستون (1786-1845): “بالموهبة العادية، والمثابرة غير العادية، لاشيء مستحيل”.

 

المراجع والمصادر

– الزعبي، د.أحمد محمد/ التربية الخاصة للموهوبين والمعوقين وسبل رعايتهم وإرشادهم، الطبعة الأولى 2003م توزيع دار الفكر بدمشق.

– بني يونس، الدكتور محمد/ مبادئ علم النفس، الطبعة الأولى 2004، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

– موقع المشرف والمطور التربوي الدكتور/ مسعد محمد زياد.

– موقع موهبة على الشبكة العنكبوتية.

– ميدلتون، جون/ تطوير العقل 52 فكرة رائعة للنبوغ الدائم، مكتبة جرير، الطبعة الأولى 2009م.