مـلاك الـرحمة

في صباي المبكر، كنت معجبة أيّما إعجاب بقصة صينية قديمة، تحكي عن امرأة عجوز لديها إناءان تجلب بهما الماء من النهر، وكان أحد الإناءين مشروخاً بحيث يتسرب منه الماء، فتعود العجوز بعد مجهود شاق إلى كوخها وقد تبقى في هذا الأخير نصفه فقط.

بقلم: مصطفى الطاهر

ومرة بعد مرة شعر الإناء المشروخ بالخجل من نفسه، فخاطب المرأة قائلاً: “أنا آسف على مجهودك الضائع”، فردت عليه بابتسامة حانية: “لا عليك.. ألا ترى هذه الأزهار في الطريق إلى النهر؟ إنها تنبت في ناحيتك أنت، إن قوة الشيء في ضعفه”!

وربما لهذا السبب، إنّ قوة الإنسان في ضعفه.. لقد اخترت مهنة التمريض، وكنت أتساءل دائماً: لماذا يطلقون على من يعملون في هذه المهنة اسم “ملائكة الرحمة”، ولا يطلقون هذا الاسم على الأطباء وهم من يقومون بتشخيص المرض ووصف العلاج؟

ولم أعرف الجواب إلا عندما اخترت أن أصبح واحدة من هؤلاء الملائكة، وأن أدخل أحد معاهد التمريض، لأتعلم قواعده وسلوكياته، فأصبح ملاكاً -بلا أجنحة- من بني البشر!

وكيف لا يكون ملاكاً من كان عمله تخفيف آلام المرضى وأوجاعهم، والسهر على راحتهم، ورسم البسمة على شفاههم؟!.. هذه هي الحقيقة التي توصلت إليها بعد ثلاث سنوات من العمل في إحدى المستشفيات التي التحقت بها بعد تخرجي في المعهد، وكنت فيها يداً حانية على كل مريض، أؤدي عملي بجدّ وإخلاص، أحاول جاهدة أن ألبي طلب كل مريض حتى وإن كان العمل مرهقاً.

ولكن عائلتي التي تعيش في بيئة محافظة، وتدرك أن المرأة الممرضة تتعرض للكلام وحتى للطعن في أخلاقها، بسبب اضطرارها أحياناً للعمل ليلاً، وجدت صعوبة في إقناعها بدخول معهد التمريض، وبعد عام واحد فقط من عملي بدأت أرى في أعين أهلي نظرة الرضا والتقدير لما أقوم به.

كل الأعمال التي كنت أقوم بها حرجة وحساسة وخطرة في بعض الأحيان مثل سحب الدم، وتشكيل المبولة، وتركيب المغذي، وإعطاء الإبر، وفي بعض الأحيان قياس الضغط، ومتابعة ارتفاع أو انخفاض السكر وإعطاء الدواء لبعض المرضى حتى ساعات متأخرة وحسب إرشادات الطبيب، وكل هذه الأعمال تتعلق بحياة المرضى وفيها من الخطورة الكثير، لذلك وجدت أن دوري لا يقلّ عن دور الطبيب أبداً.

ولكن كثيراً من الناس لا يقدرون مدى المشقة التي نواجهها، فبجانب المسؤوليات والواجبات المهنية هناك واجبات ومسؤوليات أخرى لا تقلّ أهمية عن تلك الواجبات المهنية التي نقوم بها، وهي واجبات أدبية وسلوكية، فلمهنة التمريض آداب خاصة تحكم وتنظم العمل بها، وكان علينا أن نفهم ونعي ونقدّر هذه القواعد والمبادئ والآداب والسلوكيات، فور انتسابنا لمهنة التمريض، وأن ندرّب أنفسنا على ممارسة واحترام تلك المبادئ السامية.

كان علينا تقديم خدمات الرعاية التمريضية، مع الأخذ في الحسبان آدمية الأشخاص وعدم التفريق بينهم من النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدينية أو لون بشرتهم وجنسياتهم وطبيعة حالتهم الصحية. وأن نحفظ أسرار مرضانا ولا نفشي المعلومات الخاصة بهم لأيّ شخص مهما كان، إلّا بناء على طلب المريض نفسه أو إذا اقتضى القانون ذلك.. أما المعلومات الخاصة بحالة المريض الصحية ومدى استجابته للعلاج فلابدّ أن ندونها في تذكرة العلاج وأن نبلغها إذا لزم الأمر للمسؤولين عن علاجه.

وكان علينا أيضاً كممرضات أن نرفع من مستوانا وكفاءتنا العلمية في تطبيق الرعاية التمريضية، وذلك بالاطلاع المستمر على ما هو جديد وحضور برامج التعليم المستمر، وكنت أزيد على ذلك قراءة الكتب والدوريات الطبية التي ساعدتني في أن أصبح ممرضة ماهرة ومحبوبة من الجميع، الأطباء والمرضى وحتى ذويهم على حدّ سواء.

وعرفت من خلال عملي أن التواضع والصدق والأمانة من أهمّ الأخلاق التي يجب أن يتحلّى بها كل من يعمل في هذه المهنة، بالإضافة إلى التحلّي بالرفق والعطف على المرضى الذين يرقدون في المستشفى، ويأتمنوننا على صحتهم وأرواحهم.

ذات يوم دخل المستشفى مصاب في حادث سير، كانت حالته خطيرة بعد أن نزف الكثير من الدم، ولسوء الحظ لم نجد دماء من فصيلة دمه في المستشفى، وظلّ أهله يبحثون عنها دون جدوى، وفور علمي بالأمر، تبيّنت أنها فصيلة دمي فتبرعت له من تلقاء نفسي، ولم يكن ذلك من واجبات عملي ولكنني قمت به كواجب إنساني، فمهنة التمريض كما تعلمت مهنة إنسانية قبل أن تكون مهنة “أكل عيش”.

ولكن وكما يقول الشاعر “لكل شيء إذا ما تمّ نقصان”، فعلى الرغم من اللقب الجميل (ملائكة الرحمة) ومع كل هذه الخدمات الإنسانية التي نقدمها، مازال الناس في مجتمعاتنا ينظرون إلينا نظرة دونية، وكأن من تعمل في مهنة التمريض ترتكب خطيئة يجب أن تعاقب عليها، فرغم التطور الذي حدث في وعي الناس تجاه مهنتنا، ووجود معاهد وكليات تدرس مهنة التمريض، إلا أن بعضهم مازال ينظر إلى الممرضة وكأنها خادمة.

ومع ذلك لم أفكر أبداً في ترك المهنة، ولم أغيّر نظرتي لها، وكيف أغيّر نظرتي وأنا أعرف أن كثيراً من الصحابيات الجليلات قد مارسن هذه المهنة ونلن تقدير واحترام النبي صلى الله عليه وسلم، فرفيدة بنت كعب الأسلمية -رضي الله عنها- كانت تمرض المصابين والجرحى في الحروب التي يكون المسلمون طرفاً بها.

وقد كان لرفيدة -رضي الله عنها- خيمة لمداواة الجرحى، ولما أصيب سعد بن معاذ بسهم في معركة الخندق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده”، وتقديراً من النبي صلى الله عليه وسلم لجهودها في غزوة خيبر في مداواة الجرحى وخدمة المسلمين فقد أسهم لها بسهم رجل مقاتل.

لقد كان للمرأة في صدر الإسلام فضل كبير في ميدان الإسعاف والتمريض، وبعضهن لعب أدواراً سجلها الطب العربي منذ فجر الإسلام وقد سماهن العرب “الآسيات أو الأواسي” ومعناها المشاركة الوجدانية، فكنّ يحملن أواني المياه وما يحتاج إليه الجريح من أربطة وجبائر وغير ذلك، فما أجمل الاقتداء بالسلف الصالح، وما أجهل من ينظرون إلينا تلك النظرة، إنهم لا يعرفون لذّة الإحساس بخدمة المرضى وتحويل آهاتهم إلى ابتسامات تهون عليهم سطوة المرض، وتساعدهم على مواجهته والانتصار عليه وصولاً إلى الشفاء بإذن الله.