مــقهى

على الطاولة رقم خمسة ثلاث صبايا مراهقات يدخّنّ النرجيلة وتعلو ضحكاتهنّ من فينة إلى أخرى، وعلى الطاولة رقم 12 شاب وفتاة يشربان كابوتشينو ويتبادلان النظرات الرومانسية وعبارات الغزل.. أمّا على طاولة الأستاذ وديع المعتادة، فيجلس أربعة صحفيين اختاروا اليوم النقاش في اقتصاد السوق الاجتماعي ومدى قدرته على التصدّي لتبعات الأزمة المالية العالمية، وما إذا كان هناك أصلاً أيّ نظام اقتصادي قادر على التصدّي لهذه الأزمة!.

آس غاله

من طاولة إلى طاولة، كان وسيم ينقّل ناظريه مراقباً الوجوه والحركات والضحكات، محاولاً مشاركة كلّ مجموعة حديثها وتقلّباتها المزاجية من مكانه البعيد خلف طاولة المحاسبة، أثناء انتظاره للزبون التالي الذي سيطلب الفاتورة ليغادر المقهى.

هل كان التخرّج في كلّية الاقتصاد سهلاً إلى درجة أن يقبل وسيم بالعمل كمحاسب في مقهى؟!.. لا.. ولكنّه بالتأكيد يفضّل الجلوس صامتاً وراء هذه الطاولة الصغيرة على أن يعيش صخب الشوارع والأرصفة لاهثاً وراء عمل لن يحصل عليه.

بعد ثلاثة أعوام من هذا العمل، استطاع وسيم أن يحفظ الوجوه المعتادة التي تتخذ من مقهاه ملاذاً، كما استطاع أن ينتبه إلى كلّ وجه جديد يطلّ ليجرّب هذا الملاذ.

ومع مرور الأيام والأعوام، نشأ بين وسيم وروّاد المقهى رابط خفيّ لم يره سواه، فهو بالنسبة للجميع مجرّد محاسب يجلس وراء الطاولة البعيدة، أمّا بالنسبة إليه فهم قصص متفرّقة يتسلّى بها كلّ يوم ليقتل صمته ووحدته، حتّى بات يعشق عمله البسيط، فيما يشبه ما أصاب شهريار مع حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة.

لا أحد ينتبه إلى العينين البنيتين اللتين تراقبان الوجوه بتمعّن وتدرسان الحركات بانتباه شديد، فكان الجميع على طبيعتهم وسجيّتهم وهو الوحيد الذي يبذل جهداً خفيّاً في محاولته لتلبّس أحد الأدوار التي يعيشها أبطال مسرح الواقع أمامه.

في البداية، وجد وسيم صعوبة في التركيز، وتشتت انتباهه بين طاولة وأخرى، لكنّه توصّل إلى حلّ سريع لهذه المشكلة، فقد بدأ يختار طاولة كلّ ليلة ليراقبها، وما إن يغادر الجالسون عليها حتّى ينتقل إلى طاولة أخرى، وهو كمن يمسك جهاز التحكم عن بعد، ينتقل بين الطاولات حتّى يجد حديثاً يعجبه، فيستقرّ ويتطفّل من بعيد محاولاً معرفة التفاصيل.

وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الأمر من انحراف لا تقبله الأخلاق، إلّا أنّ وسيم استطاع التصالح مع نفسه عبر الاقتناع بأنّه لا يؤذي أحداً، ولا يخبر أحداً بما يعرفه من قصص ومشاكل تخصّ زبائن المقهى!.

لقد استطاع أن يعرف أنّ السيد جميل سيطلّق زوجته بعد أن جلس في المقهى مع صديقه المحامي الذي حاول إقناعه بالعدول عن هذا الأمر البغيض، إلّا أنّ جميل بقي مصرّاً على الأمر بحجّة أنّ غيرة زوجته قاتلة، وهو لا يستطيع إغلاق عينيه عمّا يراه من جمال في الشارع وفي مكان عمله!.

كما استطاع أن يعرف أنّ المرأة الشقراء التي لا يعرف اسمها، تكيد لحماتها، وتبذل قصارى جهدها لكي تبعد زوجها عن أمّه لأنّها سئمت من تعليقاته: “أمّي تطبخ المقلوبة بشكل مختلف، شوربة أمّي أفضل، أمّي لا تترك الغبار على طاولة التلفاز، تعلمي الخياطة من أمي..”، لقد عرف ذلك من حديثها الوحيد مع صديقتها كلّما دخلتا هذا المقهى لتدخين النرجيلة، حتّى إنّه استطاع أن يرى امتعاض الصديقة من هذا الحديث.

أمّا شباب كلّية التجارة، فأولئك قصّة أخرى، إنّهم يجتمعون هنا كلّ خميس، ويبدؤون بانتقاد الأساتذة أولاً، ثمّ ينتقلون إلى الزملاء، ويصلون أخيراً إلى الصبايا، فيشرحون ميزات وعيوب كلّ واحدة من زميلاتهم، وبالطبع، وسيم يراقب ويفهم ويستمتع!.

كلّ تلك القصص العابرة ما كانت لتقف في رأسه لأكثر من الفترة التي يجلس فيها أصحابها على طاولة المقهى، إلّا قصة واحدة.. وفي الواقع لم تكن قصّة بقدر ما هي مشكلة، فقد انتبه وسيم إلى رجل أربعيني يأتي إلى المقهى بشكل منتظم، مع أصدقاء مختلفين، وقد عرف من النادل أن هذا الرجل شخص مهمّ في مؤسسة حكومية مهمّة، وكان كلّ شيء فيه يدلّ على ذلك، ابتداء من ربطات عنقه ورائحة عطره الثمين، والسيجار الكوبي الذي لا يفارق يده، وانتهاء بالإكرامية الكبيرة التي يتركها للنادل كلّ مرة.

“السيد طلال؟!.. إنّه رجل محترم جداً”.. يقول النادل لوسيم، ويهرع باتجاه طلال حاملاً فناجين القهوة.

صار طلال برنامج وسيم المفضّل، وكمن ينتظر مسلسله على قناة معينة، يركّز وسيم عينيه كل يوم سبت على الطاولة رقم 2 بانتظار قدوم الرجل الأنيق ذي الشأن الرفيع.

واستطاع أن يفهم عبر المراقبة أنّ الرجل المختبئ خلف المظهر المحترم، ما هو إلّا محتال ومرتشٍ، وكلّ أولئك الأصدقاء هم (أصحاب مصالح) مع مؤسسته يدفعون له الرشاوى لكي يسهّل لهم مصالحهم، سائراً على مبدأ: (كل شيء بثمنه).

لقد وقع وسيم على قصّة مثيرة هذه المرّة، لأنّه عرف أنّ طلال سيتلقّى رشوة مالية من أحد زبائنه يوم السبت المقبل، بمجرّد أن ترسو مناقصة المؤسسة على شركة الزبون!.

مازال هناك أسبوع كامل قبل السبت القادم.. فماذا يفعل؟!.. هل يسكت عن هذه القصة التي قد تكشف شبكة كاملة من المرتشين؟! أم يخبر صديقه أحمد المحقّق في الشرطة؟!

اختار الخيار الثاني، وأخبر أحمد بكلّ ما يعرفه، فقرّر هذا الأخير عمل كمين لطلال الذي يبدو أنّه ليس مهمّاً فقط، وإنّما معروف بتلقّيه الرشاوى دون دليل ملموس.

يوم السبت، جلس طلال وشريكه في الرشوة على الطاولة رقم 2، وطلبا قهوتهما كالعادة، لكن، ما إن أعلنا احتفالهما برسوّ المناقصة على شركة الضيف، وأخرج هذا الأخير ظرفاً أبيض محاولاً تمريره إلى طلال، حتّى أطبق أحمد عليهما، ليمسكهما بالجرم المشهود.

أسقط في يد الرجلين وحدّقا ببعضهما للحظة وعناصر الشرطة تضع القيود في معصميهما، فانفجر طلال بالصراخ:

– لن أسكت، سأردّها لك أيّها الخائن.. أتنصب كميناً لي أنا؟!!

– هل جننت؟!.. لا أخرب بيتي بيدي، تذكّر جيّداً مع من تحدّثت بهذا الأمر..

اعترى الذهول عالم طلال المتهاوي، وكان يهزّ رأسه يميناً ويساراً أثناء اقتياده خارج المقهى، وفجأة وقعت عيناه على ابتسامة خبيثة على وجه وسيم، فصرخ به:

– أيّها اللعين، إنّه أنت.. أنت من وشى بي، هل وضعت أجهزة تنصّت على طاولتي أيها الـ…؟

وبدأت الكلمات النابية تخرج من فمه كيفما اتفق، فانفجر وسيم غضباً، وقال له بلا تردّد:

– لست بحاجة إلى أجهزة تنصّت، فأنا أجيد قراءة الشفاه…

في تلك اللحظة، ساد صمت مطبق على جميع من في المقهى، وبعد أن كانت عيونهم معلّقة بالأصفاد في أيدي طلال وصديقه، اتجهت نحو وسيم الذي اعترف للتوّ بأنّه متطفّل منحرف.

أخرجت الشرطة طلال وشريكه، وبقي الصمت سائداً في المقهى لعدّة دقائق، ثمّ، وقف الأستاذ وديع فجأة، شرب ما تبقّى من قهوته دفعة واحدة، وقال لأصدقائه:

– كانت قهوة هذا المقهى لذيذة جداً.

ثمّ خرج بعد أن رمى النقود على الطاولة دون أن يطلب الفاتورة.. ثمّ تبعته المرأة الشقراء وصديقتها، وبعد ذلك رمى كلّ من في المقهى نقودهم على الطاولات وخرجوا جميعاً، ليتركوا وسيم وحيداً من جديد خلف طاولة المحاسبة!