مصطفى العقاد.. رسالة سينمائية حضارية برسم المخرجين العرب

حين بدأ الملل يتسلل إلى أمسيتي الصيفية، قررت أن أقضيها أمام التلفاز، لأعيش لحظات من تلك التي يعيشها ملايين الناس بعد أن أصبح هذا الجهاز صديق معظمهم، في خضم العولمة التي فُرضت عليهم وحولت العالم إلى قرية صغيرة يلتقي فيها القاصي بالداني، وأصبح العالم كله بفضل الفضاء والقنوات الفضائية, على بعد ضغطة زر واحدة لـ “الريموت كنترول”.

إعداد: خولة العليوي

لن أطيل عليكم, أمسكت هذا “الريموت كنترول” وبدأت أقلب بين القنوات لأهرب من حالة الملل تلك  وتحديداً بحثت في القنوات العربية التي تعرض الأفلام، وأنا أمني النفس بمشاهدة ما يسمو بحواسي الفنية والفكرية والوجدانية، وسرعان ما تبددت أمانيّ تلك وشعرت بالأسى لهذه الطامة الكبرى التي تعرض على شاشاتنا ولهذا التدني والإسفاف في الفن العربي..

تعجبت لهذا الكم الهائل من الإنتاجات الفنية الضخمة كما يقولون والوضيعة كما رأيت، تعجبت لكثرة الأسماء اللامعة في دنيا الفن والإخراج والإنتاج العربي، ولكن النتيجة أعمال بمستوى السقوط الأخلاقي والحضاري والوجداني، تذكرت والحسرة تجلل قلبي المخرج العربي الكبير مصطفى العقاد الذي تلقى تعليمه وعاش جل عمره في قلب الولايات المتحدة الأمريكية, لكنه وبرغم كل ذلك بقي يحمل في قلبه قضايا وطنه المصيرية ويلتزم آمال شعبه وأحلامه.

الكثير منا قد لا يعرف اسم مصطفى العقاد, ولكن معظمنا تابع فيلم “الرسالة” وتمتع بفيلم “أسد الصحراء عمر المختار”.. فهذه الأعمال الخالدة التي يعرفها أبناء الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، حملت بصمة العقاد وحملت رسالته وروحه والتزامه تجاه وطنه وعروبته، بينما الكثير من مخرجي الوطن العربي الذين عاشوا على أرضه وشربوا من مائه لم يحملوا أدنى التزام تجاهه، وتجاه قضاياه, وخصوصاً في هذه المرحلة التي يتعرض فيها للضغوط والتحديات من أجل طمس هويته وتشويه رسالته، وهمهم الأول إنتاج الأفلام  التجارية الفارغة شكلاً ومضموناً.

 

أحلام بنكهة الموروث الإنساني

ولد مصطفى العقاد في حلب عاصمة الفن السوري عام 1936م، وفي أزقة هذه المدينة وبين حاراتها نشأ وترعرع في أسرة محافظة فقيرة الحال مادياً، وتربى على القيم والموروث الأصيل والعريق، وكان العقاد مولعاً بالسينما واعتاد مشاهدة الأفلام السينمائية عند أحد جيرانه، وعندما بلغ سن الثامنة عشرة قرر أن يصبح مخرجاً سينمائياً وفي هوليوود تحديداً.

عارضه والده في البداية ولكن أمام تصميمه وإصراره رضخ الوالد الحنون لأحلام ولده، وأمام فقر الحال وعند حصوله على موافقة مبدئية للدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية عمل عاماً كاملاً ليوفر ثمن تذكرة سفر، وأعطاه والده مبلغ 200 دولار أمريكي ومصحفاً شريفاً.

حمل العقاد الجنسية الأمريكية وتمكن على مدى سنواته الـ23 التي قضاها هناك من فك (شيفرة) هذا المجتمع الأمريكي المعقد، واستطاع بكل وعي وإدراك, فهمَ خصوصية العقل الأمريكي، وبذلك أحسن اختيار أدواته في مخاطبة هذا المجتمع، وأدرك أن الإعلام والفن هو السلاح الأمضى الذي يجب أن يخوض به معركته الحضارية مع الغرب، وأخذ على عاتقه إنتاج فيلمي “الرسالة”، و”عمر المختار” اللذين يعدان بمثابة معركة حضارية مليئة بأحاسيس الاعتداد بالنفس وأصالتها، فقدم خلالهما صورة مشرقة للحضارة الإسلامية ونضال الشعوب.

فقد أراد العقاد إنتاج فيلم سينمائي يكون بمثابة جسر للتواصل بين الشرق والغرب, وخاصة بين العالم الإسلامي والغرب, ولتحسين صورتهم عن الإسلام، فكانت فكرة فيلم “الرسالة” عام 1976 والذي يحكي قصة بعث الرسالة النبوية على نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) والهجرة التي قام بها من مكة إلى المدينة, ونشأة أول دولة إسلامية.

وعند إخراجه للفيلم استشار العقاد علماء الدين المسلمين لتفادي إظهار مشاهد أو معالجة مواضيع قد تكون مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، ولكي تصل الرسالة بكل أبعادها وبلغة الآخر بعيداً عن هفوات الترجمة أو الدبلجة عمل على إنتاج نسخة منه باللغة الإنكليزية، ويؤكد العقاد في إحدى مقابلاته عام 1976: “لقد عملت الفيلم لأنه كان موضوعاً شخصياً بالنسبة لي، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام, أنه دين لديه 700 مليون تابع في العالم، هناك فقط القليل المعروف عنه، مما فاجأني.. لقد رأيت الحاجة بأن أخبر القصة التي ستصل هذا الجسر، هذه الثغرة إلى الغرب..”.

والفيلم الآخر الذي حمل بصمة العقاد المميزة فيلم “أسد الصحراء عمر المختار” الذي أنتج عام 1981م, ويحكي قصة المجاهد العربي الليبي عمر المختار، الذي حارب الاستعمار الإيطالي لليبيا أوائل القرن الماضي، ويذكر أن الممثل العالمي (أنطوني كوين) قام بدور البطولة في كلا الفيلمين إلى جانب عدد كبير من الممثلين العرب والأجانب.

 

مشاريع سينمائية.. تستحضر التاريخ العربي العريق

كان العقاد يحضر لعمل فيلم سينمائي ضخم، يوازي جودة الأعمال السابقة، ولأنه كان مبصراً للواقع العربي، وقارئاً جيداً للتاريخ العربي، اختار أن يكون هذا الفيلم عن البطل “صلاح الدين الأيوبي” فقد رأى أن هذا الوقت بالذات هو التوقيت المناسب له، على اعتبار أن سيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري على الساحة العربية اليوم، كما كان يطمح لإنتاج فيلم عن “صبيحة الأندلسية” وهي المرأة التي حكمت الأندلس، وفيلم آخر يروي قصة ملك من ملوك إنجلترا كان قد أرسل في عام 1213م وفداً إلى الخليفة في الأندلس يطلب منه أن تكون إنجلترا تحت حماية الخليفة المسلم.

لكن يد الحقد والغدر لم تمهله لتحقيق مشاريعه هذه, فقد استشهد العقاد في 11 نوفمبر 2005 في تفجيرات فنادق عمان بالأردن مع ابنته, ضمن ضحايا الانفجار الذي حصل في فندق غراند حياة/ عمان.

 

السينما.. مفهوم جمالي وفعل ثوري

كان العقاد يدرك أن السينما فعل ثوري يحافظ على كينونة المجتمع وإنسانية الإنسان، وعمل عبر مشواره السينمائي الطويل على تكوين رؤية خاصة لعالم سينمائي مستقل لذاته، لأن السينما برأيه ليست مجرد مفهوم جمالي، وإنما هي مفهوم ثوري طليعي يلتزم قضايا الوطن ويعمل على تحريره من كل أشكال التخلف ويحرره من كل قيود الامتهان.

لقد زاوج العقاد بين ثقافته وقيمه العربية التي يحملها في عقله ووجدانه، وبين أدوات الإبداع والإنتاج الغربي التي تعلمها واكتسبها في الغرب، واستطاع بذلك أن ينتج أعمالاً حفرت اسمها في قلب تاريخ الفن السينمائي العالمي.

مات العقاد.. ولكن أعماله لاتزال إلى اليوم, وبعد عشرات السنين تعرض على القنوات التلفزيونية ويتابعها الجمهور العربي بكثير من المتعة والتقدير، فهل يتمثل السينمائيون العرب رؤية ورسالة العقاد, ويلتزمون بالحدّ الأدنى من الالتزام والحرفية والموضوعية التي حملها في عقله وقلبه؟!

فالمتلقي العربي برغم كل الظروف التي تحيط به, يستطيع أن يميز بين الغثّ والثمين.. إنها رسالة برسم كل السينمائيين العرب.

 

“الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نفتخر به اليوم نحن العرب هو تاريخنا”

مصطفى العقاد