مشهد النجاح.. هل يمكن اختزاله في تخصص دون غيره؟

ذات يوم كنت جالساً مع أحد الأصدقاء، ودار بيننا حديث عن مفهوم النجاح، وإطاره، ومدى ارتباطه بتخصص معين دون غيره من التخصصات الأخرى. الطرف الآخر كان يعتقد بأهمية توجيه رؤية الأطفال نحو التفكير بتخصص معين يعتقد ذلك الصديق أنه السبيل الوحيد لتحقيق النجاح ومن ثم التميز في الحياة الدنيا. من جانبي كنت ولم أزل رافضاً لهذا التوجه الفكري جملةً وتفصيلاً؛ إذ إني لا أتقبل أسلوب أحدهم وهو يشجع طفلاً قائلاً له: “أريدك أن تنجح في المدرسة وتتفوق فيها كي تصبح طبيباً”، وآخر يقول في السياق ذاته: “…كي تصبح مهندساً أو محامياً أو محاسباً أو… أو… أو…”.

الدكتور راكان عبد العزيز الراوي

عزيزي القارئ.. هذا المقال دعوة للتفكير في منطق بعض الأشخاص الذين يَحلُو لهم اختزال مشهد النجاح في تخصص معين دون غيره. لا لشيء، سوى لأنهم يميلون نفسياً إلى ذلك التخصص أو كانوا يستهدفون دراسته في سنوات عمرهم الماضية ولم يتمكنوا من تحقيق ذلك الهدف أو لأنهم ينتمون إلى بيئة تفتقر للنضوج بحيث تمجّد تخصصاً على حساب آخر أو لغير ذلك من الأسباب الأخرى.

كلّنا بحاجة الآخر

يبدو أنّ الأشخاص المؤمنين بهذا المنطق والمعتنقين له في حواراتهم، لا يفقهون تلك العلاقة التكاملية التي تربط بين الناس في إطار المجتمع الواحد، وحتّى في العالم الواحد. وفي هذا المقام دعونا نضرب مثالاً بعشر من المهن، وهي: (معلّم، مهندس، طبيب، محامي، اقتصادي، محاسب، بستاني، ميكانيكي، بائع خضروات وفواكه، تاجر أقمشة). بعد ذلك دعونا نُقِم علاقات افتراضية بين كل مهنة مع تلك التي تليها، لتتكون لدينا السلسلة التالية: (المعلم يحتاج إلى المهندس لبناء بيته، والمهندس يحتاج إلى الطبيب ليصف له دواءً مناسباً لما يعانيه من أمراض وأوجاع، والطبيب يحتاج إلى المحامي ليتكفل بالدفاع عنه أمام المحاكم، والمحامي يحتاج إلى الاقتصادي ليتولى دراسة الجدوى الخاصة بمكتب المحاماة، والاقتصادي يحتاج إلى المحاسب لتنظيم الأمور المالية، والمحاسب يحتاج إلى البستاني لتنسيق حديقة منزله، والبستاني يحتاج إلى الميكانيكي لإصلاح الأعطاب التي قد تصيب الأجهزة التي يستخدمها في عمله، والميكانيكي يحتاج إلى بائع الخضروات والفواكه ليشتري منه مكونات طعامه، وبائع الخضروات والفواكه يحتاج إلى تاجر الأقشمة ليشتري منه مكونات ملابسه).

العلاقات الثنائية المذكورة آنفاً هي عبارة عن أمثلة توضيحية، والواقع في حقيقة الأمر أن كل صاحب مهنة هو في حاجة مستمرة لأصحاب المهن التسعة الأخرى، مع الأخذ بالحسبان وجود الكثير من المهن الأخرى التي لا نستطيع الاستغناء عنها كي تستمر حياتنا بيسر وسهولة وانسيابية.

قد يقول بعضكم إنّ هذه العلاقات معروفة للجميع وإنّ كاتب المقال لم يضف شيئاً جديداً بتوضيحه لها. وبهذا الشأن أقول: نعم. قد تكون هذه العلاقات معروفة، لكن هذه المعرفة -مع الأسف- ليست محسوسة بين الناس بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليه. بمعنى أنّها معرفة لم تتمّ ترجمتها إلى تطبيق عملي وسلوكي في بعض المجتمعات. وهنا يتساءل بعض الأشخاص: كيف يمكن ترجمة هذه المعرفة إلى تطبيق عملي وسلوكي؟

إنّ التطبيق العملي والسلوكي يكون بالنظر بعين التقدير والاحترام إلى أصحاب جميع المهن والتخصصات الذين يوجدون في إطار المجتمع الواحد والعالم الواحد، من دون الانتقاص من قيمة أي أحد منهم، مع التنبيه إلى وجود الكثير من أصحاب المهن هم بمثابة (جنود مجهولين) يقومون بتأدية أعمال معينة قد لا يشعر بها الآخرون عند وجود من يؤدّيها، ولكن الجميع يفتقدها ويتمنى عودتها عند توقف أصحابها عن تأدية مهام عملهم. وهذا ما تؤكّده نشرات الأخبار التي تحدثنا بين الحين والآخر عن حدوث إضراب لموظفين أو عمال في دولة ما، يمتنعون بموجبه عن القيام بأعمالهم فترة محدّدة من الزمن، الأمر الذي يولّد حالة من الشلل في ذلك القطاع الاقتصادي الذي تنتمي إليه تلك الفئة من العاملين.

في الوقت ذاته أتمنى من الجهات المختصة (الحكومية والخاصة)، والمؤسسات التربوية والتعليمية منها على وجه الخصوص، إضافةً إلى وسائل الإعلام الرصينة القيام بأدوارٍ فاعلة في إحداث ذلك التغيير في ذهنية الناس لما فيه تعميق النظرة الإيجابية إلى جميع التخصصات العلمية والمهن الاقتصادية، بعيداً عن أي أفكار غير موضوعية تقيم الحواجز والفواصل بين أبناء المجتمع الواحد بالاعتماد على طبيعة العمل الذي يمتهنه كل شخص.

وأعتقد أنه لا يخفى على أحد ذلك الدور السلبي الذي يمكن أن تؤديه هذه الحواجز في بثّ روح الفرقة بين الناس، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون إلى تأصيل قيم التعاون والترابط والتفاعل البنّاء بين الجميع.

علماً بأن أفراد المجتمع أنفسهم -وليس المؤسسات فقط- ينبغي عليهم أن ينهضوا بمسؤوليتهم من خلال القيام بدورهم الإيجابي المتوقع منهم ليكونوا جزءاً من التغيير المنشود، سواء في إدارتهم لذواتهم، أو تربيتهم لأبنائهم، أو في أحاديثهم مع الآخرين.

للتربية الدور الأكبر

وفيما يتعلق بالأفراد، أودّ التركيز على الدور التربوي الذي ينبغي أن يقوم به المربّون وأولياء الأمور تجاه الأطفال والنشء الجديد. وفي هذا الشأن وبالعودة إلى افتتاحية هذا المقال، أودّ التنبيه إلى خطورة تحجيم مفهوم النجاح في عقول الأطفال، خاصةً أنّ عقل الطفل هو بمثابة الأرض المهيّأة لزراعة أي نوع من المحاصيل فيها. فإذا نشأ الطفل المغلوب على أمره على اعتبار أنّ مفهوم النجاح رديف لتخصّص معين ومحدّد بذاته، واستمرّ على هذا الاعتقاد طيلة سنوات دراسته الابتدائية والإعدادية، ومن ثمّ لم يتمكن لسببٍ أو لآخر من دراسة ذلك التخصّص في الجامعة، فسوف يصاب بخيبة أمل كبرى ربما تنعكس آثارها السلبية على مجمل حياته المستقبلية. وهنا لن يكون الذنب ذنبه بل سيتحمل المسؤولية ذلك الشخص الذي زرع فكرة خاطئة في عقله عندما كان صغيراً.

لذلك أشدّد على أهمية إعطاء الحرية للأطفال في تنمية مواهبهم الذاتية واكتشاف ميولهم الشخصية، مع إمكانية توجيههم في ضوء تلك المواهب والميول، فذلك أجدى لأن يصبحوا ناجحين ومتميزين في المستقبل من بعد إذن الله تعالى.

لا قيود للنجاح

تأسيساً على كل ما سبق، نقول إنّه آن الأوان لنرتقي في تفكيرنا وندرك بأن مفهوم النجاح وإطاره أوسع من أي تخصّص، لنصل بعد ذلك إلى قناعة تامّة بأن القضية الأساسية في هذه الحياة هي أن يكون الإنسان ناجحاً ومتميزاً في تخصّصه، وبما يرضي الله عزّ وجل، بصرف النظر عن طبيعة ذلك التخصّص. ومع علمي بأنّ تطبيق هذا التوجه الفكري قد يعاني من بعض الصعوبات في المجتمعات غير المتحضّرة، إلّا أنّ ذلك يجب ألّا يصيبنا باليأس، وبالتالي ينبغي علينا الاستمرار ببذل الجهود من أجل بثّ الأفكار التي تعمّق من أهمية ومكانة جميع التخصّصات والمهن، ولنبتعد عن المقولات المثبطة، مثل: (لا أستطيع، وهذه هي الدنيا، وهكذا يفكر الناس وأنا يجب أن أكون مثلهم)، فهذه كلّها مقولات لا يمكن أن تقودنا نحو التميز في الحياة؛ لأنّها ببساطة تفتقر للإبداع، وتبتعد عن روح الابتكار، وتميل نحو اتباع الآخرين وتقليدهم بشكل أعمى، الأمر الذي سيولّد نتائج لا يمكن تفادي آثارها السلبية على حاضر الناس ومستقبلهم.