مشروع صغير

طوى عماد الجريدة الاقتصادية التي كان يطالعها، ونفث دخان سيجارته وهو يتأمل سقف الغرفة، وراح يغرق في أحلام صغيرة متسارعة ومتلاحقة.. ولم تنتهِ السيجارة في يده قبل أن ينتهي من بناء فيلا وشراء سيارة باجيرو واقتناء كلب شيبرد ألماني ضخم.

بقلم: آس غاله

التفت إلى زوجته المنهمكة بإعداد صينية المعكرونة التي يحبها، وقال لها:

– عزيزتي ندى، ثمة موضوع مهم أريد مناقشته معك، فتعالي إلى هنا.

– والمعكرونة؟

– ضعيها في الفرن وتعالي..

هزّت المرأة رأسها، وهي تفكّر بأنّ مواضيع زوجها المصيرية لا تستطيع انتظار الانتهاء من الطبخ!.. جلست أمامه وقالت:

– هات ما عندك، هل تخطط هذه المرة للسفر إلى ماليزيا في شهر عسل جديد؟

– لاحقاً، لاحقاً يا عزيزتي.. إذا استطعنا تنفيذ فكرتي، فسنجد الإمكانية للسفر إلى أيّ مكان تختارينه.

رمشت ندى عدّة مرّات وهي تستمع باهتمام لفكرة زوجها، الذي قال وهو يشير إلى الجريدة:

– في كلّ يوم تمتلئ هذه الصحف الاقتصادية بأخبار المشاريع الصغيرة الناجحة، إنّهم يجرون مقابلات مع أصحابها الذين حقّقوا نجاحاً منقطع النظير، لا تستطيعين تخيّل ما يستطيع مشروع صغير تغييره في حياة المرء، إنّه شيء يشبه شركة خاصة تمتلكينها، وتديرينها على هواك وكما يحلو لك، دون أن يتدخّل أحد في أسلوبك بالعمل، أو أوقات دوامك، أو مقدار إنتاجك، وصدّقيني إنّ الربح في هذه المشاريع مضمون تماماً لأنّ رأسمالها بسيط وأرباحها جيّدة.

فكّرت ندى قليلاً، وجدت أنّ كلام زوجها منطقي جداً، فتحمّست للموضوع، سألته:

– وهل تفكّر بإنشاء مشروع صغير؟

– بالتأكيد.

– ما هو؟..

ابتسم عماد وهو يقول:

– هو مشروعك أنت حبيبتي، الشيء الذي كنت تحلمين به منذ زمن.

أشرق وجه ندى، وهتفت:

– صالون حلاقة؟!.. هل تتكلّم بجدّ؟.. هل وافقت أخيراً على فكرتي، لن تذهب دراستي وتدريبي هباء؟!

– نعم، نعم.. يبدو أن صالونات الحلاقة من أهمّ المشاريع الصغيرة وأكثرها ضماناً للربح السريع، لقد كنت محقّة، لذلك سأبدأ بإجراءات تنفيذ هذا المشروع.

– ومن أين سنأتي بالمال؟

– سأقترض من المصرف 30 ألف درهم، فهذا ما يحتاجه مشروعنا لننطلق به.

غمرت السعادة ندى، فهي ستحقّق حلمها أخيراً، وستمتلك عملها الخاص، لتخرج من بين جدران بيتها، وتثبت للناس وعلى رأسهم زوجها بأنها جديرة بالثقة، وقادرة على النجاح.

***************

بعد حوالي شهر من الإجراءات القانونية، استطاع الزوجان قبض القرض، واستئجار محلّ قريب من المنزل، وحوّلاه إلى صالون كامل، بمعدّاته ومستلزماته جميعها، وأطلقا عليه اسم (صالون ندى الزهور لتجميل السيّدات)، وأعلنا عن الافتتاح، وتقديم عروض خاصة للزبونات اللاتي يزرن الصالون في الأسبوع الأول.

مرّ الشهر الأول من حياة ندى المهنية بسلام، فقد بدأت تجذب زبونات جديدات، من خلال سياسة تسويقية ذكية اتبعتها، فبالإضافة إلى إعلانات الصحف، كلّفت شخصاً بأن يوزّع على بيوت جيرانها ورقة مطبوعة تحتوي المعلومات الضرورية حول الصالون، وعروضه، والتخفيضات التي يقدّمها للزبونات.

مع مرور الأيام، كوّنت ندى قاعدة جيّدة من الزبونات الدائمات، وازداد عددهنّ ما اضطرها إلى زيادة عدد ساعات العمل، فبدأت تتأخر في العودة إلى المنزل، ثمّ اضطرت إلى إهمال البيت، فلم تعد تطبخ، وصارت تنظّف البيت مرّة واحدة في الأسبوع، إذا تسنّى لها الوقت، فهي لم تخصّص لنفسها يوم عطلة.

بعد ذلك اضطرت إلى الاستعانة بموظفة لتساعدها في العمل، لكن هذا الإجراء لم يكن كافياً، وبدأت المشاكل تنشب بينها وبين زوجها الذي لم يرقه إهمال البيت وإن كان يروقه المربح المادي الذي يحققه الصالون!.

تعاقدت ندى مع خادمة لتنظّف لها البيت، وعيّنت موظفة ثانية في الصالون، ثمّ أخبرت زبوناتها بأنّها ستأخذ يوم الجمعة عطلة، معتقدة أنّ هذه الإجراءات ستحلّ لها مشاكلها، إلّا أنّ مشاكل أخرى نتجت عن الحلول، يوم العطلة قلّص أرباحها، وصار عليها أن تدفع راتبين من أرباح الصالون، إضافة إلى راتب الخادمة، وبقيت مشكلتها الأهمّ: مازالت تفتقد الوقت الكافي لتقوم بالطبخ!.

بعد مدّة، وجدت ندى أرباحها في تراجع كبير، وجلست تضرب أخماساً بأسداس، مستنتجة أنّ عليها تغيير استراتيجيتها الإدارية، وتقليل النفقات قدر الإمكان، فهي تذكر جيّداً أنّ عليها تسديد القرض المصرفي من أرباح الصالون.

تخلّت ندى عن الخادمة، وحاولت الاهتمام ببيتها قدر الإمكان، ولاسيّما بعد أن قال لها عماد مرّة:

– أتوق إلى صحن معكرونة في الفرن، هل مازلت تذكرين كيف يتمّ إعداده؟!

فيما بعد واجهتها مشكلة جديدة، فقد بدأت زبوناتها الدائمات ولاسيّما الجارات منهنّ يطلبن منها معاملة خاصة، لأنّهنّ مواظبات على زيارة صالونها، وكانت مضطرة للموافقة من باب الخجل لكونهنّ دخلن معها في مرحلة الصداقة، وكذلك من باب الحرص عليهنّ كزبونات، فعملها كلّه قائم على رضاهنّ..

جلست لوحدها، أمسكت قلماً ودفتراً وأخذت تسجّل أسماء الزبونات اللاتي ستخفّض لهنّ الأسعار:

(أم سالم جارتي، سماح أخت أم سالم، ليلى بنت أم سالم، عليا جارتي من الطابق التاسع، أم أحمد التي تسكن في البناية المجاورة، رؤى طالبة الجامعة التي تأتيني من مكان بعيد، مدام سيرينا المواظبة على الزيارات الأسبوعية منذ أن افتتحت الصالون، صديقتي ديمة، لولو شقيقة عماد، سوسو التي تعمل في الفندق، ربا بائعة الماكياج، جينا مضيفة الطيران التي تحضر لي الهدايا…)، وهنا توقّفت، فهل تستمرّ بالكتابة حتّى تعدّ كلّ زبوناتها؟!.. إنّها بالكاد تستطيع سداد المصاريف والقرض، فكيف والحال مع هذا التخفيض للجميع؟!

أعادت قراءة الأسماء من جديد بصوت مرتفع، ثمّ أخذت تشطب بعضها لأنّها تدرك تماماً أنّ تكريم الجميع سيكسر ميزانيتها، وعلى هذا الأساس استمرّت بالعمل..

بعد أسبوع زارتها جارتها أم سالم، وقالت لها بينما هي تجهّز لها كريم الشعر:

– بصراحة يا ندى، أنا عاتبة عليك قليلاً.

توقّفت ندى عن العمل وقالت في قلبها (الله يستر).

– ما المشكلة يا أم سالم؟ هل أخطأت بحقك في شيء لا سمح الله؟

– لم تخطئي، لكنك لم تكرّميني مثلما تكرّمين عليا، لقد أخبرتني أنّك غيّرت لها الأسعار، فلماذا لا تفعلين ذلك معي؟!.. لا تنسي أنني وابنتي وأختي زبونات مواظبات لديك!.

أسقط في يد ندى، فهذه ثلاثة أسماء جديدة أعيدت إلى القائمة، قالت لها:

– لا تهتمّي يا عزيزتي، من اليوم لك معاملة خاصة وأسعار خاصة.

– وماذا عن سماح وليلى؟.. ألن يكون لهما أسعار خاصة أيضاً؟!

– أكيد، أكيد.. (كرمال عين، يكرم مرج عيون)!

صمتت وأخذت تعيد حساباتها من جديد في رأسها الذي أثقله التعب، وفي تلك اللحظة، دخلت سوسو التي تعمل في الفندق، قبّلتها على خدّها وهي تقول لها:

– أقبّلك مع أنّك لا تستحقّين ذلك.

– لماذا؟!.. ماذا فعلت؟!

تخصّرت سوسو وهي تقول:

– وكأنّك لا تعرفين!.. من أَقرَبُ إليك؟! ربا أم أنا؟!.. هي تحظى بالتكريم والأسعار المخفّضة، وأنا تعاملينني على أنني غريبة! (يا عيب الشوم).

وهنا تدخّلت أم سالم لتقول:

– أرأيتِ، إنك تُغضِبين زبوناتك المفضّلات، عليك أن تغيّري أسلوبك الإداري والاجتماعي!..

لم تعلّق ندى بكلمة واحدة، وإنّما تابعت عملها ذلك اليوم بقائمة أسعار جديدة تماماً، مسبّبة لنفسها خسارة لم تحسب لها حساباً عندما قامت بدراسة الجدوى مع زوجها.

في المساء اتصلت مع عماد وقالت له:

– عزيزي، حاول أن تعود باكراً اليوم، فأنا أعدّ لك صينية معكرونة ستأكل أصابعك وراءها.

عندما رجع عماد إلى البيت، مرّ من جانب صالون زوجته، فأخذته الدهشة ممّا رأى، لقد أطفأت ندى أنوار لافتة الصالون، واستعاضت عنها بورقة كبيرة علّقتها على باب الصالون، وكتبت عليها: (صالون ندى الزهور للأعمال الخيرية)!!