مساعِدة المدير

حين نالت ريتا شهادة الباكالوريوس في إدارة الأعمال، لم يخطر في بالها للحظة واحدة أنها ستعمل سكرتيرة ومديرة مكتب ومستشاراً عاماً في آن واحد ولدى الشخص نفسه!، وإلّا لكانت اختارت أيّ تخصّص مهني آخر.

كانت إدارة الأعمال هي التخصّص الأفضل الذي سمحت به درجاتها في الثانوية العامة، ولم تكن ترغب به إلّا أنّ أصدقاءها أقنعوها بأنّه أكثر التخصّصات طلباً في سوق العمل، لذلك فقد تحمّلت أعباء دراسته، والتحقت بالعمل بعد التخرّج مباشرة في مؤسسة كبيرة، كمساعدة للمدير العام، وهو في الوقت نفسه صاحب الشركة.

بقلم: آس غاله

لم تشعر ريتا بالسعادة في عملها، فقد كانت تحسّ بأنّ مديرها الستيني يريد استغلالها إلى الحدود القصوى، وكأنّه يمتلكها وفق مستند موثّق لدى كاتب بالعدل!

منذ اليوم الأول لعملها، أخبرها أنّ عليها الاهتمام بكلّ شؤونه المهنية والشخصية، وحين اعترضت على الشؤون الشخصية، أخبرها بأنّ المساعِدة عليها أن تقدّم كلّ أنواع المساعَدَة!

وافقت ريتا على مضض، لأنّها بحاجة إلى هذا العمل، كما أنّ الأجر كان مغرياً إلى درجة تجعلها تتحمل بعض المعاملة القاسية.

مرّت الشهور الأولى وبدأت ريتا تعتاد على مهامها التي كادت تنحصر بشيء واحد: تنظيم مواعيد وجداول عمل المدير، فتحمل مفكّرة إلكترونية وتدخل إلى مكتبه كلّ صباح لتقدّم له فنجاناً كبيراً من القهوة مع فطيرة تفاح ساخنة، ثمّ تعطيه مواعيده أثناء تناوله للفطور:

– لديك اجتماع في الساعة العاشرة مع السيد وليد، وفي العاشرة والنصف مع السيد أكرم، وفي الثانية عشرة سترأس اجتماع مجلس الإدارة، وفي الثانية لديك اجتماع في مكتب وزير الاقتصاد.

يتناول المدير قطعة من فطيرة التفاح ويسألها بفم مليء بالطعام:

– وماذا عن مواعيدي الشخصية؟

– ستتناول الغداء اليوم في المنزل، لكنك مدعو على مأدبة عشاء في بيت السيد سعيد، وأرجو أن تتذكر لعبة الغولف غداً معه ومع بقية أعضاء نادي رجال الأعمال، لذلك يفضّل أن تتفقوا مساء اليوم على مكان الغداء لكي أحجز لكم طاولة.

هكذا سارت حياتها، مواعيد وجداول وغولف وقهوة وفطائر تفاح..!، وبعد مضيّ عام على هذه الحال، بدأت ريتا تفقد بريقها، لأنّها لم تكن تمتلك أيّ طموح، ولم تعد تنتظر أي تطوّر في مهنتها، لأنّها أخذت تشعر بالتوحّد مع المفكرة الإلكترونية وكأنّها تحوّلت هي نفسها إلى مفكّرة!

كانت الساعة تقارب الثانية صباحاً، عندما اتصل المدير بريتا، استيقظت الفتاة مذعورة، وردّت بصوت متهدّج:

– نعم سعادة المدير.. هل حدث خطب ما؟!

– لا لا، فقط أريد أن أطلب منك أن تحجزي لنا طاولة في مطعم الصنوبر ليوم غد، سأتناول الغداء مع أعضاء النادي.

أغلقت ريتا السماعة وقد ارتفع الغضب إلى رأسها فكاد ينفجر.. “ألم يكن بمقدور هذا الظالم أن ينتظر حتّى الصباح ليطلب ذلك؟!.. هل سيطير المطعم؟!”.

هرب النوم من عينيها، فاتجهت إلى المطبخ، أخرجت من الثلاجة بعض البيض والطحين، وخبزت صينية فطائر، ثمّ صينية أخرى، وما إن أشرق الصباح حتّى ملأت رائحة الفطائر أرجاء البناية ووجدت أمامها كمية تكفي لأكثر من عشرة أشخاص!.

وضعت ريتا الفطائر في علبة كبيرة وأخذتها معها إلى المكتب، وهناك وزّعتها على زملائها.

كانت الفطائر رائعة المذاق، وكاد أصدقاؤها لا يصدّقون أنها استطاعت إعدادها بمفردها، وما لم يكونوا يعرفونه، أنّ لدى ريتا تعلّق شديد بالمطبخ، وأنّ الطبخ أهمّ هواياتها، وزيادة على ذلك، لا شيء يخفف غضبها سوى الطبخ!.

في ذلك اليوم، حجزت ريتا طاولة مديرها في مطعم الصنوبر، وذهبت إلى هناك لأنّ المدير أصرّ على وجودها لكي تبقى حاضرة لأيّ طارئ.

جلست الفتاة على طاولة بعيدة عن طاولة رجال الأعمال، منتظرة حصول أيّ طارئ، وهي تمسك بالمفكرة الإلكترونية بين يديها وترتّب مواعيد المدير حسب تعليماته الجديدة، فتنقل اجتماعاً من هنا، وتأخذ دعوة عشاء إلى هناك.

انتبه صاحب المطعم إلى الفتاة المنزوية على الطاولة الصغيرة، فاقترب منها، وعرّفها بنفسه:

– مرحباً.

– أهلاً.

– أنا كمال إبراهيم، صاحب هذا المطعم، وقد علمت أنك مساعدة السيد سميح، سنقدّم لك طعام الغداء كما طلب منّا مديرك، وأحببت أن آخذ طلبك بنفسي.

شعرت ريتا لأول مرة في حياتها أنّ هناك من يهتمّ بها لشخصها، وأنّ هناك من يرغب بنفسه بخدمتها بدل أن تقوم هي بخدمته.. غمرها فرح عارم، وابتسمت للشاب الذي بدا أنّ إعجاباً من النظرة الأولى استولى عليه، وكان ذلك الغداء سبباً في زواج ريتا من كمال.

مرّ على زواجها عام كامل، واستمرّ عملها لدى السيد سميح على الوتيرة نفسها، ورغم أن كمال طلب منها مراراً أن تترك العمل إذا كانت مستاءة منه، ورغم أنّها حاولت تقديم استقالتها، إلّا أنّ السيد سميح لم يقبل الاستقالة، لأنّه أصبح يعتمد عليها بشكل مطلق، ولا يستطيع ترتيب أيّ من أمور حياته بدونها، ولاسيّما أنّه رجل وحيد، طلّق زوجته منذ عشرة أعوام، ولديه ابن واحد مغترب.

قبلت ريتا الاستمرار في عملها مع السيد سميح لأنّ قلبها رقّ ولم تستطع تركه وحيداً، لذلك كان عليها تحمّل تلك الأعباء التي لا تنتهي.. وكان يمكن لها الاحتمال لكن في إطار المعقول، وليس حين يطلب منها أداء عمل غير منطقي ولا علاقة له بتخصّصها.

وفي الواقع، كانت تتوقع حدوث ذلك، فلم تفاجأ حين طلبها المدير إلى مكتبه بشكل مستعجل، وقال لها وهو يمسك بربطة عنقه:

– ريتا.. انظري، ربطة العنق هذه فظيعة، أنا أكرهها، إنّها تذكّرني بطليقتي، ولم أجد لديّ ربطة عنق أخرى مناسبة لهذه البدلة، ولديّ اجتماع في الوزارة بعد ساعتين، عليك أن تشتري لي ربطة عنق مناسبة حالاً.

صعقت ريتا.. لم يعد ينقصها سوى أن تعمل مستشارة أزياء لديه، لكنها قالت له بتهذيب:

– سعادة المدير، هذا ليس عملي، لا أعرف أصلاً ما الذي يناسبك، وقد لا يعجبك ذوقي!.

– لا لا، رأيت أناقة كمال، وهو أخبرني بنفسه أنّك أنت من يختار له ملابسه.

– لكنه زوجي، وأعرف ما يناسبه.

– لا بأس، سأعتمد عليك هذه المرة، وأرجو ألا تخذليني.

خرجت ريتا غاضبة لكن بصمت، وكانت تفكّر “إن أنا رضخت مرّة واحدة، فستكون فاتحة لعشرات المرات، اليوم ربطة عنق، وغداً حذاء، وبعده الله وحده يعلم!”..

اشترت له ثلاث ربطات عنق مختلفة، وعادت إلى المكتب، أعطته الربطات وانتظرت تعليقه، نظر إلى الربطات الموضوعة أمامه محتاراً وقال:

– قلت لك واحدة.. واحدة وليس ثلاثاً، الآن لدي مشكلة أخرى، كيف سأختار أيّها سأرتدي؟!

“يا إلهي.. ليس مجدداً”.. صرخت في أعماقها، مدّت يدها إلى إحدى الربطات، ناولته إياها، وأخفت الأخريين وراء ظهرها، وقالت له:

– الآن، لن تكون محتاراً.

غادرت المكتب مباشرة بعد خروجه وعادت إلى البيت، وقبل أن تغيّر ملابس العمل، ارتدت مئزرها وشرعت بالطبخ، لم تشعر بنفسها وهي تطهو، ولم تفكّر بشيء آخر.. وحين عاد كمال حاملاً معه الغداء من المطعم، فوجئ بزوجته المبكّرة وقد أعدّت وجبة غداء تشبه المأدبة.

سلّم عليها وقال لها بعد أن انتبه إلى أنها في ملابس العمل:

– حبيبتي.. من أغضبك؟

– ولماذا تفترض أنني غاضبة؟!

– لأنك تطبخين بهذه الكمية.. أعتقد أنّ غداءنا اليوم سيكون شهياً جداً، لم أعد أستطيع الانتظار.

لم تقل ريتا شيئاً، وإنّما رتّبت طاولة الغداء وجلست مع كمال، ثمّ بدأت تروي له قصة ربطة العنق..

كان كمال يستمع إلى زوجته باهتمام، لكنّه كان مأخوذاً بالطعام إلى درجة أنّه لم يقل لها كلمة واحدة للتعليق على تصرّف مديرها..

للحظة، شعرت ريتا بالإهانة، فقالت له بغضب:

– أنت لا تستمع إليّ، حتّى إنك لم تتوقف عن الأكل!

عندها، ابتسم كمال، وقال لها:

– عزيزتي، سمعت كلامك كله، واسمحي لي أن آخذ هذا القرار عنك، منذ الغد، ستستقيلين من عملك لدى سميح، وستعملين في مطعمنا، لأنّك أفضل من الشيف أحمد، وهو بالمناسبة مسافر بعد أسبوع لأنه وجد عملاً في الخارج.

فوجئت ريتا بكلام زوجها، فهي ليست خبيرة طبخ، وإنّما مجرّد هاوية، فقالت له مازحة:

– هل ستستغلني لأنك فقدت طاهيك؟!

– نعم.. يوجد شيء من هذا القبيل..

تناول لقمة أخرى من طعامه، وقال لها:

– لكن يا عزيزتي لديّ مشكلة صغيرة.

– ما هي؟

– كيف سأستطيع جعلك غاضبة طوال الوقت؟!