مراحل العملية الإبداعية

متى تنضج الفكرة الإبداعية؟ ليس المقصود من هذا التساؤل المدّة الزمنية, لأنها تختلف من فكرة إلى أخرى, فقد تستغرق بعض الأفكار ساعات وأياماً, وبعض الأفكار تحتاج للنضوج شهوراً وسنين، وإنما أقصد في سؤالي هذا سلسلة المراحل التي تمر بها عملية الإبداع من أول بزوغ فجر الفكرة إلى حين تطبيقها على أرض الواقع العملي..

إعداد: وليد غانم

لقد ذكر بعض الباحثين الاختلاف في وجهات النظر حول مراحل الإبداع الإداري بين قائل إنها أربع مراحل: (التهيؤ والإعداد، التجربة والاختبار، الإشراف، التشذيب والإنجاز).. وآخر يرى أنها سبع مراحل وهي المراحل الأربع السابقة مع إضافة (الرغبة) والتوسع في المراحل المذكورة، ويمكن تقسيم مراحل الإبداع الإداري إلى ست مراحل كالتالي:

  1. مرحلة التطور: البداية بفكرة جديدة إدارياً.
  2. مرحلة تكوين الفكرة: تصميم محتوى الفكرة الإدارية.
  3. مرحلة معاجلة المشكلة: مواجهة معوقات الإبداع.
  4. مرحلة الحل: تحقق نجاح المشروع المستهدف.
  5. مرحلة التطوير: حاجة الإدارات والعقبات الإدارية والمالية المرافقة لها.
  6. مرحلة الاستخدام: تطبيق الفكرة الإبداعية واستعمالها.

وهنا لا بد لنا أن نشير إلى احتياج المبدع أو قائده المباشر إلى فضيلة الصبر لتحقيق النتائج المرجوة من الفكرة الإبداعية وعدم الاستسلام للمعوقات النفسية والشخصية أو تلك الصادرة من بيئة العمل من المتكاسلين أو من المنافسين, فإن للإبداع ثمرة كبيرة لا ينالها إلا من صبر عليها وتمسك بفكرته الإبداعية من البداية حتى النهاية..

 

المنظمات الحكومية ورعاية الإبداع الإداري

ثمة قضية مهمة أود التطرق إليها وهي دور المنظمات الحكومية في تشجيع الإبداع لدى العاملين, وتحديداً دور ديوان الخدمة المدنية في الكويت في تنمية العمل الإبداعي وتشجيع الموظفين الكويتيين عليه, بصفته الجهة المركزية المسؤولة عن شؤون الموظف الكويتي العامل في القطاع الحكومي.

لا يمكن عند الحديث عن دور ديوان الخدمة المدنية في هذا الشأن إغفال الوضع العام لبيئة العمل في المؤسسات والوزارات الحكومية والنظام البيروقراطي المسيطر عليها, وهيمنة إجراءات العمل التقليدية داخل هذه المؤسسات, مما يمكن اعتباره عناصر معيقة للإبداع مقدماً.

كما نجد لزاماً علينا الإشارة إلى الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تواجهها الإدارة العامة في الكويت فيما يتعلق بالمبادرات الجادة لتطوير العمل الحكومي أو نظام التعيين في المناصب القيادية العليا, وما يشوبه من محسوبية وانتقائية تصيب الكفاءات والعناصر المبدعة -إن وجدت- بالإحباط, نظراً لعدم مساندتها ابتداءً من مبادرتها التنموية والإدارية الجادة، وثانياً عدم الأخذ بعنصر الكفاءة في الترقيات للمستويات الوظيفية العليا، وهذان الأمران من العناصر المسببة للإحباط لدى العاملين عموماً والمبدعين خصوصاً.

النقطة الثالثة هي أن قوانين وأنظمة الترقيات في قانون الخدمة المدنية الكويتي تضع الاعتبار الأكبر والأفضلية المطلقة لعنصر الأقدمية, وذلك فيما يتعلق بتوزيع الدرجات الوظيفية أو الترقيات بالاختيار وحتى في المناصب الإشرافية بمستوى رئيس قسم أو مراقب أو مدير إدارة، حيث يعدّ تاريخ التعيين ومباشرة الوظيفة العنصر الأول في هذه الترقيات بعيداً عن الجدارة الحقيقية والكفاءة والإبداع, وهو ما يشبه الأنظمة العسكرية التي تعدّ الأقدمية أصل التراتبية في المسؤولية, وكفى بهذه القوانين محبطاً للموظفين المبدعين..

لست بصدد الاستطراد في شرح المعوقات الرئيسة للإبداع في بيئة العمل في المنظمات الحكومية, وأكتفي بالعناصر السابقة, ولا يعني ما ذكرته الدعوة للتشاؤم تجاه تحفيز المبدعين أو تشجيع الموظفين على التكاسل طالما استوى المجتهد والخامل والمبدع والتقليدي، بل أنا بصدد طرح بعض الاقتراحات والتوصيات التي لو تبناها ديوان الخدمة المدنية ربما تساعد في اكتشاف المبدعين في المنظمات الحكومية الكويتية والأخذ بيدهم للمشاركة في تطوير العمل الحكومي والارتقاء به, ليصل إلى مستويات تنافسية داخلياً, أي بين المنظمات الحكومية نفسها, وخارجياً أي بينها وبين مؤسسات القطاع الخاص، على أن تكون هذه الخطوة الأولى فحسب, وتليها خطوات ومراحل لاستعادة المنظمات الحكومية دورها الرائد إقليمياً وعربياً, حينما كان يضرب بها المثل في الإبداع والسبق والاجتهاد لخدمة الوطن والمواطن.

 

هكذا تصبح البيئة إبداعية

ومن أبرز التوصيات التي أقدمها لتحويل بيئة العمل الحكومية الكويتية من بيئة غير مشجعة للإبداع إلى بيئة مساندة للمبدعين ما يلي:

  1. إقامة مؤتمرات سنوية لدراسة الإبداع الإداري في المنظمات الحكومية والعوائق التي تواجهه وسبل القضاء عليها.
  2. تطوير برامج التدريب الداخلي (المحلي) لتخدم موضوع الإبداع خاصة عند الوظائف الإشرافية والقيادية.
  3. إنشاء إدارة خاصة في ديوان الخدمة المدنية تحت مسمى (إدارة تنمية الإبداع الإداري) مهمتها وضع آلية اكتشاف وتنمية العمل الإبداعي في المؤسسات الحكومية.
  4. إنشاء معهد خاص للدراسات الإبداعية يخصص للقيادات العليا والإشرافية, ويقدم برنامجاً دراسياً متعدداً ومتوسط المدى (من شهر إلى 3 شهور) على أن يكون اجتياز برامج هذا المعهد شرطاً أساسياً للترقية للوظائف القيادية العليا أسوة برخصة استخدام الحاسب الآلي (I .C.D.L)
  5. إقامة مسابقة سنوية للإبداع الإداري بين الوزارات الحكومية تحدد معايير الترشيح لها بعناية من قبل جهة أكاديمية وإدارية محترفة ومحايدة وتخصص لها جوائز عالية على مستوى الأفراد أولاً والمؤسسات ثانياً.
  6. ربط مكافأة الأعمال الممتازة السنوية بالقدرة على الإبداع الإداري, وذلك بتقسيم المكافأة السنوية على شرائح مختلفة ومتصاعدة لا ينال الأعلى منها إلا من تتوفر فيه صفات الإبداع الإداري.
  7. إتاحة الفرصة للعاملين في المؤسسات الحكومية على تقديم اقتراحاتهم لتطوير الأعمال وحل المشكلات وإظهار أفكارهم الرائدة خارج نطاق مؤسساتهم, لضمان حرية إبداء الرأي وعدم سرقة الأفكار, وذلك من خلال توفير (ديوان الخدمة المدنية) وسيلة ملائمة لتلقي الاقتراحات ودراستها بجدية وشفافية, والعمل على اقتناص الأفكار الإبداعية وأصحابها من داخل هذه المؤسسات.
  8. تشجيع موظفي الدولة عموماً على القراءة والاطلاع والبحث من خلال إقامة أنشطة ثقافية مشتركة ومسابقات إدارية وعلمية بصفة سنوية.

إنني آمل أن تكون هذه الأفكار نواة لاهتمام ديوان الخدمة المدنية بالإبداع الإداري وإبراز مفهومه الصحيح لدى العاملين في المنظمات الحكومية, سواء من كان منهم بالمناصب القيادية أو الوظائف الإشرافية أو عموم الموظفين وذلك من أجل الارتقاء بالأداء الحكومي ورفع مستوى الخدمة العامة..

 

المرجع

مفهوم الإبداع الإداري/ أميمة بنت عبد العزيز/ ص 551