مدير الأموال الناجح

عالم أسواق المال عالم واسع ومتشعب, إلا أننا نحاول في مقالنا هذا أن نختصر النقاط الأساسية التي يجب على المستثمر في سوق المال أن يتخذها ليتم عمله بنجاح, لا نتكلم هنا عن الربح الأكيد, بل نتكلم عن دراسة المخاطرة وفهم وتحديد آليات العمل, مع العوامل الأخرى التي تساعد على السيطرة على الخسائر في حال وقوعها, ومحاولة تحقيق الأرباح.. وبرغم أننا نتطرق في مقالنا إلى مدير الأموال المحترف, كمن يدير حقائب مالية في بنوك أو مؤسسات استثمارية, إلا أن أي شخص عادي يمكنه أن يستفيد من النقاط الواردة ليكون استثماره في أسواق المال مبنياً على أسس علمية صحيحة.

إعداد: راغب العثماني

نبدأ أولاً بتعريف مدير الأموال: وهو الشخص الذي يدير عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية, حيث يأمر بالشراء والبيع, بأموال خوّل بإدارتها, وهذه الأموال قد تكون لزبائن خاصين أو تابعة لحقائب استثمارية لبنوك أو مؤسسات أخرى.

خصال مدير الأموال الناجح

تظهر الدراسات صعوبة التغلب على أسواق المال (ما يعني صعوبة تحقيق أرباح أكثر من ارتفاع المؤشر العام لتلك الأسواق) كما تختلف الأبحاث في تحديد آليات العمل التي تقود إلى الربح, إلا أن معظم تلك الأبحاث والدراسات تجتمع في نقاط رئيسة لنأخذ منها بعضاً من أهم خصال مدير الأموال الناجح, وهي:

  1. اتباعه أساليب علمية في عملية الاستثمار

من يدخل عالم أسواق المال يجب أن يكون على دراية بأسسها الرئيسة, كما يجب أن يلتزم بقواعد علمية تضبط عمله كي لا يضيع ضمن تدفق الأخبار والتغيرات الكبيرة للأسعار.

وتشمل عادة العملية الاستثمارية الاحترافية الخطوات التالية:

أ. وضع سياسة إدارة المحفظة المالية:

(نقصد هنا بالمحفظة مجموعة الأموال التي يديرها مدير الأموال)

الخطوة الأولى للاستثمار في أسواق المال تتمثل بوضع خطة عمل واضحة مبنية على أسس علمية تسجل على أوراق مكتوبة وتشمل الخطة:

الأدوات الاستثمارية من أسهم وسندات وعملات وغيرها التي يود مدير الأموال الاستثمار فيها, والنسب التقريبية لهذه الأدوات في المحفظة, كما تأتي على ذكر نسب المخاطرة القصوى واحتمالات الربح المعقولة بناء على الخطة الموضوعة, وتحدد المدة الزمنية المتوقعة من الاستثمار, وآلية العمل, فقد يحدد مدير الاستثمار في خطته حداً أقصى لعمليات البيع والشراء التي يقوم بها شهرياً, ويجب على مدير الأموال ألا يخرج عن هذه السياسة إلا في الحالات الطارئة.

ب. دراسة الوضع الاقتصادي والمالي الحالي:

يجب على المستثمر أو مدير الحقائب المالية دراسة الوضع الاقتصادي العام, ووضع تصور لحركة الأسواق المالية في المستقبل, وتحديد المخاطرة في القطاعات المالية المختلفة, حيث إنه وبعد إتمام الخطوتين الأولى والثانية, يستطيع وضع ما يسمى بالاستراتيجية الاستثمارية.

ج. توزيع الاستثمارات (إنشاء المحفظة المالية):

بعد وضع السياسة الاستثمارية المقبولة, تبدأ عملية تفعيل الأموال, وشراء الأسهم والسندات والأصول المالية المختلفة أو ما يدعى بإنشاء المحفظة المالية.

د. مراقبة الاستثمارات:

يجب على مدير الأموال الاستمرار في مراقبة استثماراته, والتصرف بشكل سريع مع تغيرات الأسواق وضمن الخطة الموضوعة, وفي بعض حالات الطوارئ قد يغير المدير سياسة إدارة المحفظة, ولكن يشترط هنا إعلام أصحاب الأموال بأي تغيير.

  1. ينحّي كثيراً من مشاعره جانباً

لا شك أن للإحساس دوراً في إدارة الأموال, إلا أن الإحساس يجب ألّا يدفع مدير الأموال لخرق بند من بنود سياسته لإدارة المحفظة المالية, ويجب عليه أن يستخدم ذلك الإحساس والتخمين ضمن الخطوط العريضة التي رسمها مسبقاً, لأن الشخص عندما يبدأ فعلياً بالاستثمار في سوق المال, تضطرب مشاعره وأحاسيسه, ما قد يدفعه لاتخاذ قرارات طائشة, فيجب أن تظل ثمّة محددات وخطوط رئيسة تمنعه من ذلك.

  1. مدير الأموال الجيد يبتعد عن الشائعات والمشاعر الجماعية

فعلى مدير الأموال ألا يأخذ بالشائعات غير الموثوقة, كما يجب عليه ألا يسير وراء الحملات الإعلامية أو الشعور العام (ما يسمى بغريزة القطيع), بل يجب أن تكون له قراراته وآراؤه الخاصة, بغض النظر عما يقوله الآخرون, ولنوضح ذلك, نتذكر ما جرى في الأسواق العربية عند تراجعها بشدة أوائل عام 2006, فلدى مناقشتي كثيراً من المستثمرين في عدد من البلدان العربية أثناء فترة الطفرة وقبل حدوث الانهيار, كان الطابع الغالب على حديثهم هو الانفعال والتأكيد على أن أسعار الأسهم سوف تستمر في الارتفاع لمدّة ليست بالقصيرة, رغم وجود مؤشرات تفيد بأن الأسعار مرتفعة بشكل كبير بالنسبة لأساسيات الشركات.. فما الذي جعلهم متأكدين إلى هذا الحد, وما الذي يدفعهم للشراء بنسب مخاطرة كالتي كانت؟!

أولاً: كان العامل الرئيس هو استمرار الصعود على مدى ثلاث سنوات وتحقيق المستثمرين في البورصة أرباحاً خيالية, ما دفع الناس بسبب ضعف الخبرة الاستثمارية إلى عدم تصديق أي شخص يحاول إبعادهم عن الاستثمار في البورصة.

ثانياً: لعبت بعض المؤسسات الاستثمارية دوراً مضللاً, فكان هدفها الرئيس دفع الناس للشراء من منتجاتها الاستثمارية من أسهم وحقائب, كما اهتمت بعض شركات الوساطة بجلب زبائن أكثر للتجارة بالأسهم, ما دفع هؤلاء للتعتيم على نسب المخاطرة الكبيرة, ومدير الأموال الجيد وقتها هو من تمسك بالتحليلات العلمية, وابتعد عن الضجة الإعلامية, واتخذ قراراته بنفسه.

  1. يتبع سياسات بعيدة المدى في الاستثمار

يفضل في مدير الأموال أن يتبع سياسات بعيدة المدى في الاستثمار أكثر من المراهنة على التذبذبات القريبة, ففرضية السوق الفعالة تقول إن الربح من أسواق المال هو عملية صعبة جداً, إلا أن التجارب أثبتت أن اتباع استراتيجيات تعتمد على أداء الشركات على المدى البعيد من دون الغرق في المضاربات قد يقود إلى الربح:

فقد أثبتت الدراسات أن الاستثمار بعيد المدى في الشركات التي يكون فيها مكرر الربحية أو ما يسمى بالإنكليزية Price/ earning منخفضاً, يعطي عائداً أعلى من الشركات الأخرى, كما أن الاستثمار في الشركات الناشئة حديثاً وتوزيع الأموال في عدد كبير منها يحقق عوائد استثمارية مرتفعة نسبة للاستثمار في الشركات الأقدم, برغم المخاطرة المرتفعة للاستثمار في كل شركة على حدة, أي دون توزيع الأموال في عدد كبير من تلك الشركات الناشئة.

  1. الإدارة الأخلاقية والشفافة للأموال

رغم وجود بعض من مديري الحقائب الذين يقدّمون مصالحهم على مصالح الزبون, إلا أن البقاء عادة لمن يضع الزبون في المرتبة الأولى, لأن الوضوح واتباع قواعد أخلاقية وشفافة في العمل المالي, تريح الزبون كما تريح مدير الأموال, فكلاهما يصبح على دراية بكميات المخاطرة التي هو بصددها, والعمل الشفاف يخفف من المسؤولية الملقاة على مدير الأموال في حال التعرض للخسائر.

وإحدى الممارسات غير الأخلاقية التي من الممكن أن يقوم بها مدير الأموال هي تكثيف عمليات البيع والشراء لتستفيد شركة الوساطة من العمولات, وهذا التصرف برغم أنه يدر أموالاً في المدّة الأولى على شركة الوساطة التي قد تكون في بعض الحالات على صلة ما بمدير الأموال إلا أنها على المدى الطويل تبعد الزبائن وتضر بسمعة الشركة والمدير.

ونأمل أخيراً أن نكون قد أوصلنا ولو فكرة بسيطة عن النقاط الرئيسة التي تقود لنجاح العمل في أسواق المال المختلفة.

المراجع

  1. العدد السابع من كتاب (Investment Analysis And Portfolio Management) للمؤلفين “Frank K.Reilly & Keith C. Brown”
  2. الكتاب الثالث للإعداد لشهادة الـ CFA لعام 2006
  3. فرضية السوق الفعالة والتجارب عليها, ونظرية الخطوات العشوائية.