ما لا تراه العيون..

بعضُ الأيام تحمِّلنا ثقلها منذ اللحظة الأولى لاستيقاظنا، فنشعر بظلالها وظُلمتها حولنا حتّى في وضح النهار.. اليوم لن أكتب مقالاً، وإنّما سأروي لكم قصّة حدثت معي، فعلّمتني درساً في التعامل مع الآخرين.

بقلم: يحيى السيد عمر

ما حدث معي، هو أنني استيقظت منذ أيام في الرابعة صباحاً على كابوس مزعج، ولم أستطع بعده العودة إلى النوم، دخلت المطبخ لأعِدُّ فنجاناً من القهوة؛ لعلَّه يُخفِّف من الصداع الذي اجتاح رأسي بعد كابوسي، لكنّني لم أجد بُنّاً في البيت، أزعجني الأمر كثيراً، فقررتُ الخروج باكراً إلى المكتب؛ لكي أشرب قهوتي، وأبدأ يومي المهني باكراً.

وصلت إلى سيارتي، ففوجئت بأنَّ أحد الجيران المحترمين قد ركَن سيارته في طريقي، فكان الخروج بها مستحيلاً، ولاسيما أنني لا أعرف الجار، ولن أستطيع انتظاره حتى يقرِّر النزول من بيته، بما أنَّ الساعة لم تتجاوز السادسة حينها.

اجتاحتني موجةٌ من الغضب، لكنني تمالكت نفسي، وقلت: “لا بأس، سيارات الأجرة تملأ البلد”.. فوقفت على الرصيف وانتظرت مرور سيارة.

حقيقة، لا أعرف ماذا يحدث من تفاعلات في أعماقي، أو حولي لكي يسير كل شيء بشكل خاطئ! إذ حين انتظرت مدة ربع ساعة مرور سيارة، شعرت أنني أنا من يبثُّ الطاقة السلبية، وأنني أنا مَن يخطئ التصرف حتى تعاكسني الأمور بهذا الشكل، وإلّا فلماذا كل هذا الارتباك والتعثّر؟!

أخيراً، وصلت سيارة أجرة تسير ببطء، فأومأت للسائق، لكنه تجاوزني بما يزيد على خمسة أمتار، ولم يكلف نفسه عناء الرجوع باتجاهي، قلت في نفسي: “لا بأس، أسير هذه المسافة القليلة، المهم أنني وجدت سيارة”.

دخلت السيارة فكدت أن أختنق من رائحة مزعجة جداً، كانت رائحة أثاث السيارة المغسول حديثاً دون منظِّف ودون تجفيف، مع رائحة إضافية لم أستطع تمييزها، فبدت عفنة جداً، إلى درجة تسبب الغثيان..

لم أقل شيئاً حول ذلك؛ لأنني افترضت أن تعليقاً كهذا يمكن أن يُزعِج السائق، إلا أنني فتحت النافذة لأستنشق بعض الهواء النقي.

بعد خمس دقائق من السير أشعل السائق سيجارة وشرع بتدخينها، وقبل أن أعبِّر له عن استيائي، التفت إليّ وقال:

– اسمح لي، أنا مضطر لتدخين هذه السيجارة.

أومأت له أن لا بأس، لكن على مَضَض، وأنا أفكّر بأنّ عليَّ الآن تحمُّل رائحة السيارة العفنة، ورائحة السيجارة معاً، وكنت أفكر أنني بالتأكيد قمت بأمر سيئ أستحق عليه هذا العقاب، حتى أنني أخذت أسترجع شريط الأيام القليلة الماضية، لأعرف ما الذي اقترفته وأوصلني إلى هذه (الكارما)!

بعد قليل انتبهت إلى الطريق، فوجدت أن السائق أخذ اتجاهاً خاطئاً، وابتعد عن طريقي الصحيحة حتى وصل بنا إلى منطقة مقطوعة، فقلت له:

– يا أخي انتبه، هذه ليست طريقي.

نفخ دخان سيجارته وقال كمن استيقظ للتو:

– ماذا؟!.. كيف ذلك؟!.. كنت أسير في الطريق الصحيحة منذ قليل، كيف وصلنا إلى هنا؟!

أجبته:

– أنت أخبرني كيف وصلنا إلى هنا، فأنت من يقود السيارة، وليس أنا!

اضطرب الرجل، التفت إليَّ وسألني بسذاجة:

– كيف نعود إلى الطريق الصحيحة؟

أسقط في يدي، هل سيكتمل يومي على هذا المنوال؟!.. إننا الآن في لا مكان، وكأننا متجهان إلى المجهول، تعبرنا بعض السيارات في اتجاهين، ولا لافتة تدلّ على مكاننا.. وبينما نحن في هذا الارتباك، ونسير ببطء محاولين معرفة الاتجاه الصحيح للعودة، فجأة، توقفت السيارة!

دارت بي الدنيا وأنا أفكر “ماذا الآن؟!”.. أمّا السائق، فتمتم ببعض العبارات بالأوردو، استطعت أن أفهم منها أنه يشتم ويعبِّر عن غضبه، قال لي:

– نفد الوقود.

هنا، بلغ السيل الزُّبَى، وكانت عبارته القشَّة التي قصمت ظهر البعير، ففقدت السيطرة على أعصابي كما لم أفعل من قبل، خرجت معه من السيارة وصرخت به بأعلى صوتي وبكل اللغات التي أعرفها متداخلة:

– أنت أحمق، أنت غبي، لماذا تعمل سائق سيارة؟!.. ألا تدرك متى ينفد وقودك من إشارة الوقود في اللوحة أمامك؟!.. ألا تفهم أن هذه السيارة يجب أن تُنَظَّف باستمرار كي لا تكون رائحتها أشبه بمستنقع؟!.. ألا تعلم أن التدخين ممنوع في السيارات العامة، وأنك يجب أن تستأذن قبل إشعال سيجارة تخنقني برائحتها؟!..

كنت سأستمر بالصراخ عليه لولا أنني رأيت دمعات انهمرت من عينه، وهو واقف أمامي بصمت، فرَقَّ قلبي، واستغربُت؛ لأنّ غضبي لا يستدعي بكاءه، لكنه بادر بالقول:

– يا سيدي، منذ ساعات قليلة، تعرَّض أعزّ أصدقائي لحادث سيارة أمام عينيّ، ولأنّ سيارته تحطمت تماماً، اضطررت لإسعافه بسيارتي، والرائحة التي في السيارة هي مزيج من بقايا الدم الذي سال منه، والماء الذي حاولت غسل الآثار به، لقد مات صاحبي أمامي بمجرُّد وصوله إلى المشفى، لذلك خرجت محاولاً نسيان الأمر، لكنني بقيت أفكر فيه، فنسيت الوقود وأضعت الطريق.

كان يتحدّث بألم، وكنت صامتاً تخنقني غصَّة استقرت في أعلى بلعومي.. لم أعرف ماذا أقول، فأنا غضبت منذ الصباح بسبب بعض الأمور التافهة.. إن نفدت القهوة، أستطيع شراء غيرها، وإن تعطلت السيارة أستطيع إصلاحها، وإن رأيت اليوم كابوساً، سأرى في الغد حلماً جميلاً.. أمّا هو، فكيف سينسى ما رآه هذه الليلة؟!

شعرت بأنَّ مصائب الآخرين تكون أحياناً أكبر وأعمق مما نراه بأعيننا، لذلك علينا أن نتحلَّى بصمتٍ في أعماقنا قبل أن نحكم على الآخرين، فهم ربمَّا يُخْفُونَ من الألم ما يزيد عن ألمنا بأضعاف!

تنهَّدْت بعمق، وقلت له: سامحني..

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط التالي:

تحميل