مانديلا… لون الحرّية الأبنوسي

الدنيا متناقضات ومتضادّات.. خير وشرّ، نور وظلام، حقّ وباطل، ليل ونهار، جوع وتخمة، ظمأ وثمالة، عقلانية وجنون.. الدنيا: (أبيض وأسود).. هي ذي الدنيا التي خلقنا الله سبحانه فيها، لنمضي بها نحو الأمام معتمدين على متضادّاتها، إذ لا أهمية لشيء ممّا سبق إن لم يوجد نقيضه، لكي يدرك الإنسان المعنى الحقيقي لهذا الشيء، مادّياً كان أم مجازيّاً، فقديماً قال الشاعر العربي: ضدّان لمّا استُجمِعا حَسُنا/ والضّدُّ يُظهِر حُسنَه الضّدُّ!

إعداد: آس غاله

لكنّ هذه الدنيا لم تكن كذلك في جنوب إفريقيا.. فالقارة السوداء الجامحة، أُريدَ لها في فترة سابقة من القرنين التاسع عشر والعشرين، أن تتخلّى عن لونها، وتتحوّل إلى سجن كبير لكلّ ما هو ليس أبيضَ!

هذا ما كانت عليه سياسة الاستعمار البريطاني التي بدأت بإجراءات الفصل والتمييز العنصري ضدّ السود والهنود، منذ القرن التاسع عشر، ثمّ ما لبثت أن حوّلت هذه السياسة إلى قانون وسياسة عامة عقب الانتخابات التي جرت في العام 1948، حيث صنّف القانون الجديد السكّان إلى جماعات عرقية (أسود، وأبيض، وملوّن، وهندي) وعُزلت المناطق السكنية عن طريق عمليات الترحيل القسري، وكثرت الممارسات العنصرية، التي حوّلت جنوب إفريقيا إلى مستنقع دماء.

ولادة الحرّية

وسط هذه المأساة، ومن بين أنقاض الوطن المدمّر، ولدت الحرّية بلون شجر الأبانوس الإفريقي، على يد رجل صار فيما بعد أسطورة، ورمزاً لكلّ ثائر ومناضل، ومثلما هو تشي غيفارا رمز الثورة في أمريكا الجنوبية، وغاندي رمز النضال السلمي في الهند، ولد مانديلا ليحمل مشعل الثورة في جنوب إفريقيا.

في منطقة ترانسكاي في إفريقيا الجنوبية ولد روليهلالا نيلسون مانديلا في 18/7/1918، وكان والده زعيم قبيلة التيمبو، وقد توفي ونيلسون لا يزال صغيراً، الأمر الذي جعل أفراد قبيلته يعدّونه لتولّي منصب والده، فأطلقوا عليه اسم (ماديبا) ويعني العظيم المبجّل، وهو لقب يطلق على الشخص الأرفع قدراً ومكانة بينهم، وقد التصق الاسم به وصار مرادفاً له.

أكمل نيلسون المرحلة الابتدائية من دراسته في مدرسة داخلية، وكان يُعِدُّ نفسه لنيل الباكلوريوس في جامعة فورت هارت، إلّا أنّه فصل من الجامعة مع صديقه أوليفر تامبو عام 1940 بتهمة الاشتراك بإضراب طلابي، وفيما بعد اضطربت أوضاعه الدراسية كثيراً، فتنقّل بين عدّة جامعات ثمّ تابع دراسته بالمراسلة من مدينة جوهانسبورغ، والتحق بجامعة ويتواتر ساند لدراسة القانون.

وقد كانت جنوب إفريقيا في تلك الفترة خاضعة لحكم يقوم على التمييز العنصري الشامل، إذ لم يكن يحقّ للسود الانتخاب ولا المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شؤون البلاد، بل أكثر من ذلك كان يحقّ لحكومة الأقلّية البيضاء أن تجرّدهم من ممتلكاتهم أو أن تنقلهم من مقاطعة إلى أخرى، فيما يعني مع كل ما يعني ذلك لشعب (معظمه قبلي) من انتهاكات وحرمان من حقّ العيش على أرضهم التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم.

اتّخذ مانديلا من المهاتما غاندي مثلاً أعلى، ونموذجاً سار على خطاه باتجاه حرية شعبه المقهور، ومثل غاندي أصبحت الحرّية ديدنه وهاجسه الوحيد، فأشعل نار الثورة ومعارضة حكم الأقلّية البيضاء، وانضمّ في العام 1942 إلى المجلس الإفريقي القومي الذي كان يدعو إلى الدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء، وتعزّزت أهمية مقاومته في عام 1948 بعد أن تحوّل الفصل العنصري إلى سياسة واضحة لا يردعها الخجل أمام الإنسانية، فقد تطوّرت أساليب العنصرية وتنوعت أشكالها من قبل البيض، حتّى تمكّنوا في العام 1958 من حرمان السود من نيل الجنسية، متناسين أنّهم هم الدخلاء على الأرض التي توارثها العرق الأسود منذ آلاف السنين!

..إلى السلاح

في بداية نضاله، سار مانديلا على خطا المهاتما غاندي في الكفاح السلمي، ودعا إلى المقاومة غير المسلّحة، حتى جاء العام 1960، الذي أُقِرَّت فيه قوانين تحظّر الجماعات المضادّة للعنصرية، وشهد أحداثاً دامية من بينها إطلاق نار على متظاهرين عزّل، ما حدا بمانديلا وزعماء المجلس الإفريقي القومي إلى فتح باب المقاومة المسلّحة، فأصبح رئيساً للجناح العسكري للمجلس الإفريقي القومي عام 1961، لكنّه ما لبث أن اعتقل بعد ذلك بعام واحد وحكم عليه بالسجن 5 سنوات بتهمة السفر غير القانوني والتدبير للإضراب، إلّا أنّه لم يكمل عامين من عقوبته، إلّا وقد أُلحِق بها حكم آخر بالسجن مدى الحياة بتهمة التخطيط لعمل مسلّح والخيانة العظمى.

استطاع مانديلا عام 1980 إرسال خطاب إلى المجلس الإفريقي القومي قال فيه: “اتحدوا، وجهّزوا، وحاربوا، إذ ما بين سندان التحرّك الشعبيّ، ومطرقة المقاومة المسلّحة، سنسحق الفصل العنصري”.

وقد أثبتت السنوات التالية لذلك، أنّ عبارات مانديلا كانت حقيقية وليست مجرّد خطاب تشجيعي، فقد بدأت حكومة الفصل العنصري تدرك فداحة المأزق الذي ورّطت به نفسَها والبلاد، ما دفعها في عام 1985 إلى عرض إطلاق سراحٍ مشروط بإعلان وقف المقاومة المسلّحة، لكنّ مانديلا المؤمن بالثورة، فضّل الأسر على حرّية مشروطة، فرفض العرض وبقي في سجنه حتى 11/2/1990، حيث أثمرت جهود المجلس الإفريقي القومي، والضغوط الدولية، فأطلِق سراح مانديلا بأمر من رئيس الجمهورية آنذاك فريدريك ويليام ديكليرك، الذي أعلن إيقاف الحظر على المجلس الإفريقي القومي، وعمل على إخراج البلاد من مستنقع سياسة الفصل العنصري، فنال في عام 1993 مع نيلسون مانديلا جائزة نوبل للسلام مناصفة.

إلى الحرية.. فالحكم

نُصِّب مانديلا رئيساً للبلاد في مايو 1994 ليكون أوّل رئيس أسود يحكم جنوب إفريقيا، ولينتقل الحكم من الأقلّية الظالمة إلى الأغلبيّة المقهورة، لكنّه ورغم تحوّله في سنوات سجنه الثماني والعشرين إلى رمز إفريقي عظيم، ونموذج حيّ للمقاومة الباسلة، إلّا أنّه لم يسلم من انتقادات بعض السياسيين لأسلوبه في الحكم ومعالجة مشاكل جنوب إفريقيا، وكذلك انتقاد علاقته المتينة مع بعض المعارضين البارزين للسياسة الأمريكية، وعلى رأسهم الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، ولاسيّما أنّه عرف بمعارضته للسياسة الخارجية الأمريكية أثناء حكم الرئيس جورج دبليو بوش، ومواقفه تجاه القضيّة الفلسطينية التي أثارت جدلاً في الوسط الغربي.

فقد استمرّ مانديلا في تحرّكه السياسي وتعاونه مع الجمعيات والهيئات المنادية بحقوق الإنسان حول العالم، رغم تقاعده من حياته السياسية كحاكم للبلاد، لأنّ تقدّمه في السنّ وحالته الصحّية لم تعد تسمح له بالاستمرار في العمل.

وقد اختارته الأمم المتّحدة سفيراً للنوايا الحسنة في العام 2005، لكنّ المفارقة المضحكة، أنّ جورج بوش الابن لم يشطب اسم نيلسون مانديلا من لائحته السوداء للإرهاب حتّى العام 2008 بعد أن بلغ مانديلا عامه التسعين!

الحرّية لا لون لها

منذ أن قرر مانديلا أن يعيد للأسود حضوره في جنوب إفريقيا وبدأ كفاحه ضدّ الظلم، تحوّل إلى مناضل عالمي، فقد كان يدافع عن كلّ المقهورين في الأرض سوداً كانوا أم بيضاً أم هنوداً حمراً..!

قبل أن أقرأ رواية الكاتب الأفروأميركي المبدع ريتشارد رايت (أبناء العم توم) لم أكن أعرف أنّ ثمّة بشراً سوداً، فقد كنت في الثانية عشرة من عمري، وحين سألت أمي عنهم أخبرتني أنّهم بشر مثلنا، ولا يختلفون عنّا سوى في اللون، ثمّ قالت لي عبارة صارت بالنسبة إليّ مبدأ: “إذا نظرتِ إلى كفّ أيّ زنجي، فستجدين أنّها بيضاء، لأنّ الله لا يحاسب الناس على ألوانهم، لكن على أعمالهم”!