ماركيز.. روائي مدهش.. صحافيّ مشاغب.. سياسيّ منفي

من الغريب كم يستطيع الإنسان أن يحقق من الإبداع في عزفه المنفرد على أوتار الحياة.. فهو إن أطلق أجنحة روحه التوّاقة للحرية، فسيجد نفسه قد بلغ السماء بعظمة ما أبدع..

هكذا أطلق الروائي الأوسع انتشاراً في العالم، والصحافي والناشط السياسي الكولومبي (ماركيز) أجنحته للحرية، فحلّق في فضاءات الأدب بلا حدود، ليترك إرثاً خالداً وسيرة صاخبة بعشرات المؤلّفات التي وجدت مكانها في قلوب وعقول القرّاء بمختلف لغات العالم..

إعداد: آس غاله

ولد غابرييل غارسيا ماركيز في 6/ 3/ 1927 في مدينة أراكاتاكا في كولومبيا، لأسرة فقيرة لديها من الأبناء أحد عشر، وبسبب فقر والديه أخذه جدّاه لتربيته والعناية به، فكان لوجوده بينهما أثر كبير على أدبه فيما بعد، حيث استمع إلى قصص جدّه وأساطير جدّته التي كانت ترويها له، كما أثّرت فيه زيارات خالاته المتكررة وبنات جدّه غير الشرعيّات، فتحدّث عن كلّ هذه الأمور في كتبه.

من القانون إلى الصحافة

بالرغم من اختياره القانون كدراسة أكاديمية، وبالرغم من تفوّقه الدراسي في مراحل عمره الأولى واهتمامه المفرط بالكتب، إلّا أن الحال تغيّر بعد حين.. فلم يستمرّ غابرييل طويلاً في التزامه بدراسة القانون، حيث بدأ يملّ من المحاضرات ويتغيّب عنها، وأهمل دراسته كثيراً لأنه كان يفضّل التجوال في بوغوتا والتنقّل في مواصلاتها، وقراءة الشعر بدلاً من القانون، وهو في هذا يشبه كثيراً من الأدباء الذين بدؤوا حياتهم الدراسية في اختصاص ما، ليغادروه إلى دنيا إبداعهم الخاص، فهذا ما فعله لوركا قبله، حين تحوّل من دراسة القانون إلى كتابة الشعر والمسرح.

استمرّ ماركيز في لا مبالاته ولازم المقاهي الرخيصة حيث بدأ يدخّن ويجالس المشبوهين المعتادين من الاشتراكيين المثقفين والصحافيين والفنانين الذين جمعتهم المقاهي ذاتها..

إلّا أن حياته تغيّرت بأكملها حين قرأ كافكا، فقد أدرك من خلاله أنه ليس على الأديب أن يتحدّث عن نفسه على شكل قصّة تقليدية، وكان له كبير الأثر في نفسه، حيث نقل عنه قوله:

“لم أعرف إنساناً قط كان مسموحاً له بالكتابة بهذا الأسلوب، لو كنت أعرف لكنت بدأت الكتابة منذ زمن طويل”.. كما يرى أن كافكا يكتب بطريقة ذكرته بحكايات جدته الراحلة، فهي تحكي الخرافة بصوت واثق قريب من الواقعية.

وربّما كانت هذه نقطة تحوّله إلى عالم الأدب بشكل جدّي، حيث أخذ يقرأ بنهم شديد، وبدأ بقراءة قصص الخيال، وتأثّر كثيراً بهمنغواي وجويس ووولف وفولكنر وكان لهذا الأخير الأثر الأكبر.

نشر قصّته الأولى (الاستقالة الثالثة) عام 1946 في صحيفة بوغوتا الليبرالية (إلسبيكتاتور)، حيث نالت القصّة إعجاب ناشره فقال عنه: “العبقري الجديد للكتابة الكولومبية”.. دخل بعدها ماركيز مرحلة جديدة من إبداعه، فكتب للصحيفة ذاتها عشر قصص أخرى نشرت في الأعوام اللاحقة.

بعد أن انخرط ماركيز في عالم الصحافة ووجد نفسه فيها، تخلّى تماماً عن محاولاته في إكمال دراسة القانون، ولم يكن بعيداً عن السياسة، حيث عاش في فترة صراع سياسي دامٍ كاد يودي بكولومبيا إلى التهلكة، وكانت حصيلته ما يزيد على 150 ألف قتيل كولومبي، وكان هذا العنف الذي عايشه غابرييل دافعاً لكتابة العديد من أعماله، ولاسيما رواية (الساعة الشريرة).

كما كان لعمله في الصحافة أثر كبير على رواياته، فاكتملت فكرة (خريف البطريرك) وأحداثها في رأسه، أثناء تغطيته محاكمةً شعبيةً لأحد الجنرالات المتهمين بجرائم الحرب، وأتاح له عمله الصحافي حضوراً كبيراً لدى كثير من الأنظمة الحاكمة ومراكز السلطة والقرار في أمريكا اللاتينية.

مئة عام من العزلة

18 شهراً من الكتابة المتواصلة، كان نتاجها تحفة أدبية نادرة، هي (مئة عام من العزلة)، وكأن الكاتب قد عزل نفسه أثناء تلك الشهور ليضيف للأدب العالمي ماسة أخرى، كلما تقدّم بها الزمن، كلّما أصبحت أثمن.. إنها واحدة من أساطير الأدب العالمي المعاصر، ونموذج للإبداع الإنساني الذي ينشد الخلود في دنيا الأدب..

استطاع عبرها ماركيز أن يمتلك انتشاره الأوسع ووصوله الحقيقي إلى العالمية، فالرواية التي نشرت في العام 1967، بيع منها حوالي 10 ملايين نسخة، ومازالت حتى اليوم تلقى شعبية لدى القرّاء بمختلف لغات العالم..

وقد استحقّ عنها الروائي المبدع جائزة نوبل في العام 1982، وقال لحظة تسلمه الجائزة: “لقد أدركت أن عبقريتي الحقيقية موجودة في جذوري ببيت أركاتيكا بين النمل وحكايات الجدّ والجدة، على أرض كولومبيا في أمريكا اللاتينية”.

إنّه لمن سخرية القدر أن تكون هذه الجائزة هي ذاتها التي نالها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيجن في العام 1978، فلم يستطع ماركيز الصمت إزاء ذلك وقال: “إنه لمن عجائب الدنيا حقّاً أن ينال شخص كمناحيم بيجين جائزة نوبل في السلام، تكريماً لسياسته الإجرامية التي تطورت في الواقع كثيراً خلال السنوات الماضية على يد مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة.. إلا أن الموضوعية تفرض أن نعترف بأن الذي تفوق على الجميع هو الطالب المجدّ أرييل شارون”.

سفر..

كما أسلفنا، لم يستطع ماركيز الابتعاد يوماً عن السياسة، وكان يعتقد أنه كأديب تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة أثناء أحداث العنف الدموي، فبدأ بالتقرب من الاشتراكيين مع حرصه على الإفلات من قبضة الديكتاتور بينيلا، ولكنّ تكريس جزء من أدبه للسياسة أوصله إلى النفي المؤقت من كولومبيا، وكان ذلك إثر نشره القصّة الحقيقية لبحار كولومبي استطاع النجاة من غرق سفينة كولومبية كانت تحمل مواد ممنوعة وحمولة زائدة.

حدث ذلك في العام 1955، وبعد أن قام ماركيز بنشر القصة على مدى أسبوعين تحت عنوان (حقيقة مغامرتي، قصة لويس أليخاندرو فيلساكو)، أثارت ضجّة كبيرة وطرد البحار نتيجتها من البحرية، بينما خشيت دار النشر على ماركيز من المحاكمة، فأرسلته إلى إيطاليا حيث عمل كمراسل من عدّة مدن فيها، فتنقّل بين جنيف، وروما، وبولندا، وهنغاريا، واستقرّ في النهاية في باريس حيث وجد نفسه عاطلاً عن العمل، عندما أغلقت حكومة بينيلا مطابع صحيفته إلسبيكتاتور، وأمضى بعدها فترات عصيبة من الفقر.

خلال وجوده في باريس كتب (لا أحد يكتب للكولونيل) ثم ذهب إلى لندن، وبعد مدة سافر إلى فنزويلا، حيث التقى أحد أصدقائه وباشر معه جولة جديدة في أوروبا الشرقية في محاولة منهما لحلّ أزمة الصراع الكولومبي.

كانت حياته مليئة بالمغامرات والترحال من مدينة إلى أخرى ومن دولة إلى ثانية في أمريكا اللاتينية، استطاع خلالها أن يكوّن كثيراً من القناعات السياسية ثم يتخلّى عن بعضها، وقد أعجب بالثورة الكوبية أثناء وجوده في هافانا لتغطية أحداثها، فربطته صداقة متينة بقائدها فيديل كاسترو، ماتزال قائمة حتى اليوم..

مؤلّفاتـه

بالرغم من وصف كتاباته بالواقعية السحرية أو العجائبية، إلّا أن غابرييل كان دائماً كاتباً غنيّاً متنوّعاً، فلم يتوقّف عند نوع من الكتابة، فهو الصحافي والقاصّ والروائي الفذّ، وهو صاحب مدرسة في الكتابة التلفزيونية والمسرحية، فكان له ورش عمل قائمة على تعليم الكتّاب أساليب الكتابة المنوّعة، وقد تمّ نشر كثير من هذه الورش في كتب ترجمت بعضها إلى اللغة العربية.

أمّا أبرز مؤلفاته فهي بالإضافة إلى رائعته (مئة عام من العزلة): وقائع موت معلن، الحب في زمن الكوليرا، خريف البطريرك، لا أحد يكتب للكولونيل، عاصفة الأوراق، جنازة الأم الكبيرة، البلدة المكوّنة من الهراء، الساعة الشريرة، أرينديرا البريئة، الحب وشياطين أخرى، رجل عجوز بجناحين، الجنرال في متاهة، عشت لأروي، ذكريات غانياتي الحزينات.. وعشرات القصص والروايات الأخرى..

يعيش ماركيز حالياً في مكسيكو سيتي، وهو يصارع المرض، لكنّه سيبقى دائماً ذلك الروائي المتفرّد وواحداً من أعظم من كتب بالإسبانية فأعطى للغة معانيَ أخرى، قد نتوه عنها عندما نقرأ كتاباته بلغة أخرى، لأن الترجمة مهما كانت مبدعة، فلن تصل إلى سحر الكلمة التي خطّها غابرييل بقلمه..