مارتن كوبر بالهاتف الحذاء.. قاد مسيرة تقدم الهواتف النقالة

مازلت إلى اليوم على خصام حقيقي مع كل تقنيات الثورة التكنولوجيا الحديثة!.. لا أدري لماذا, هل لعجز في نفسي عن التعاطي مع مفردات الحياة الحضارية بكل تقليعاتها ومخترعاتها؟ أم هو الحنين الدائم إلى نمط بسيط من حياة الزمان الماضي؟ أم هو رفض باطن لكل ما يقدمه الغرب لنا اليوم من اختراعات تهدف إلى تدويل نمط الإنسان البليد وتعزيز عوامل الكسل والعجز لديه؟ لعلها الأسباب السابقة مجتمعة.

إعداد: خولة العليوي

ولكن رغم هذا التحفظ الذي ينتابني تجاه مفردات الثورة التقنية، إلا أني كنت ضعيفة المقاومة أمام الهاتف النقال، ربما بسبب الاستقلالية والخصوصية التي استطاع أن يمنحني إياها، وربما هي قدرته على إبقائي على تواصل مع العائلة والأصدقاء ومحيط العمل على مدار الساعة، وهكذا رويداً رويداً أصبحت مهووسة كالآخرين من أبناء مجتمعي العربي باقتناء أحدث الموديلات التي تقدمها لنا الشركات المصنعة للهواتف النقالة.

أكثر من هاتف!

حقيقة, لقد استحوذ هذا الاختراع على اهتمامي، ولاحقت بفضول كل إصدارته المتسارعة, مفترضة حسن النوايا لهذه الشركات ومقدرة جهودها الجبارة في تطوير وتحسين أدوات اتصال متطورة، ولكنني وجدت نفسي ومن دون أن أشعر أدخل في معمعة لها أول وليس لها آخر، وصرت غير قادرة على متابعة هذا الكم الهائل لا مادياً ولا عقلياً..

موديلات كثيرة كثيرة، خلال أشهر قليلة، وبمواصفات متقاربة جداً أحياناً لا تختلف إلا بالشكل الخارجي، راجعت نفسي وتساءلت كيف يمكن أن نفترض حسن النوايا في هذه الحالة؟.. وأين تأتي مصلحة المستهلك في إصدار هذا الكم الهائل؟ وماذا عن قيم احترام العقل البشري؟ وهل نضرب بكل هذه القيم من أجل الربح والفوز بتقنية أخذت تبتعد في جوهرها عن الهدف الحقيقي الذي اخترعت من أجله؟..

لقد أصبح الهاتف النقال أكثر من مجرد وسيلة اتصال صوتي، وأصبح اليوم يستخدم لإرسال واستقبال الرسائل النصية القصيرة والمصورة، وتعدى هذا ليصبح بمثابة جهاز كمبيوتر كفّي, يمكنه تسجيل المواعيد والتذكير بها واستقبال البريد الصوتي والاتصال بشبكة الإنترنت، كما يمكنه التصوير بنفس نقاء ووضوح الكاميرات الرقمية، إضافة لمشاهدة القنوات التلفزيونية والأفلام والاستماع للمحطات الإذاعية والموسيقى، وأصبح أداة للترفيه والألعاب، والدخول للحسابات المصرفية وتحويل الأموال ودفع المشتريات، وغير ذلك من التطبيقات التكنولوجية التي لم يكن مخططاً لها عندما اختراع مارتن كوبر هذا الخدمة الساحرة في سبعينيات القرن الماضي، وهو اليوم يشعر بعدم الرضا عن الوضع الحالي الذي وصلت إليه تقنية الاتصالات, وهذا ما أكده خلال إحدى مقابلاته الشهيرة حين قال:

“أستغرب من انهماك شركات الاتصالات في إضافة خدمات مختلفة للجوال, مثل الرسائل والصور والألعاب, بينما لم يتحقق الهدف الحقيقي من هذه الجوالات, وهو أن يستطيع المرء الاتصال بأي شخص في أي مكان وفي أي وقت, دون عوائق أو تكاليف باهظة, وهو ما لم يتحقق حتى الآن..”.

أول مكالمة من شوارع نيويورك!

ولمن لا يعرف مارتن كوبر, فهو أول شخص قام بإجراء أول مكالمة من هاتف نقال, وكان ذلك في الثالث من إبريل/ نيسان من العام 1973، حيث يتذكر تلك اللحظات قائلاً:

“في ذلك الوقت كنت أسير في أحد شوارع نيويورك، حين أصبح الناس ينظرون إليَّ باستغراب وأنا أضغط الرقم تلو الآخر, فلم يعتد الناس أن يكون هناك اتصال هاتفي وأنت تسير، اتصلت حينها بمعامل بيل المنافسة وتحدثت مع أكبر منافسينا في ذلك الوقت السيد جوي، وقلت له إنني أحدثك من تلفون خلوي حقيقي, وقد شعرت بأسنانه تصطك ببعضها, ولكنه كان شديد الاحترام, وتحدثنا قليلاً، إذاً كانت أول مكالمة حميمة جداً..”.

ولد مارتن كوبر بولاية شيكاغو في العام 1928، وعرف عنه حبه للعلم والبحث والاكتشاف، وقد تنبهت عائلته لهذا الأمر, فشجعته على إتمام دراسته والانتساب إلى معهد إلينوي للتكنولوجيا, حتى نال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية في العام 1950، وتابع تفوقه وتحصيله العلمي حتى حصل على درجة الماجستير من نفس المعهد عام 1957، وانتقل بعد ذلك للعمل في عدد من الشركات الكبرى, حتى شغل منصب مدير قسم الهندسة الكهربائية في شركه موتورولا، وهناك قام بعدة دراسات وأبحاث, كان يطمح من خلالها لاختراع يمكّن كل إنسان من الوصول إلى خصوصية ترافقه أينما حل, وتساعده على التواصل مع الآخرين بكل يسر وحرية بغض النظر عن مكان وجوده، ورأى ضرورة أن يكون لكل شخص رقم هاتف يميزه بمفرده بعيداً عن هاتف المنزل الثابت والعمل.

وامتدت أبحاثه لسنوات عديدة حتى تمكن في 3 أبريل عام 1973 من إجراء أول مكالمة من هاتفه النقال الذي كان قد اخترعه في العام 1972، ودعي في ذلك الوقت “الهاتف الحذاء” الذي يعد البذرة الأولى للهواتف النقالة في عصرنا الراهن، وبذلك حصل على براءة الابتكار في السابع عشر من أكتوبر 1973عن اختراع نظام التليفون اللاسلكي، وتقديراً لابتكاراته التقنية في مجال الاتصالات, حصل على جائزة وارتون إنفوسيس الشهيرة.

كوبر غير راضٍ!

ورغم أن الهواتف النقالة أصبحت اليوم الأداة التكنولوجية الوحيدة التي لا تكاد تفارق مستخدميها، والتي دعت الشركات المصنعة للاستفادة من هذه العلاقة الراسخة، وتزويد الهاتف النقال بالمزيد والعديد من التقنيات والخدمات, لتدشن أجيالاً وأجيالاً من تطور عمر الهواتف النقالة، ولكن يبقى لمارتن كوبر تحفظه تجاه هذا الأمر:

“أنا لست مهتماً بمبدأ الأجهزة الشاملة، أعتقد أن أفضل طريقة لتقديم خدمة جيدة, هي في تطوير الجهاز للوصول إلى أفضل أداء، وعندما تحاول أن تصنع جهازاً شاملاً فإنك تنتهي بعمل جهاز غير متخصص، فهناك محاولات لعمل أجهزة حاسوبية مع الهاتف الخلوي مع الكاميرات مع الموسيقى, وفي النهاية تحصل على جهاز صعب الاستخدام وضعيف الإمكانات..”.

والآن بعد كل هذه السنين وكل هذا التقدم السريع والهائل في عالم الهواتف النقالة، وبعد كل هذه التقنيات والخدمات التي أصبحت توفرها هذه الأجهزة الصغيرة، هل تحقق حلم كوبر في تقديم خدمة تلتزم راحة الإنسان قبل أي شيء آخر؟ سؤال يزرع بنا الأسى حين نعرف الإجابة من مارتن كوبر ذاته:

“نحن لم نحقق الحلم الذي أردناه بعد، لا يوجد تقنياً ما يمنع أن يكون الهاتف الخلوي بنفس جودة الهاتف العادي وبنفس الرخص، مادام هناك عدد كبير من المشتركين على مقسم وبدون تكاليف توصيل أسلاك فهذه عملية مربحة لشركات الاتصالات, ويجب أن تكون تكلفة الاتصال رخيصة, وفي وقتنا الحاضر يجب أن ننتقل إلى الجيل التالي من التقنية بدلاً من التركيز على تطبيقات متنوعة وفرضها على الناس, وترك المشاكل الحقيقية مثل جودة الصوت والتقطيع..”.

وبعيداً عن الشركات المصنعة للهواتف النقالة وتهافتها على تزويد منتجاتها بخدمات حصرية، تؤهلها لربح مكاسب خيالية، أتساءل كيف كان حال القنوات الفضائية التلفزيونية لولا اختراع الهاتف النقال بتقنية الـ sms؟