مؤسسة.. في جسد رجل

يبدو الدكتور وائل كمن يحمل في يديه عشر بطيخات، ويدرك أنه في لحظة ما سيفقد قسماً منها، لأنها ستتحطم، فهو لا يمتلك سوى يدين اثنتين.. لكنه يبقى مصرّاً على أنه (ثلاثة بواحد).. شخص قادر على القيام بمهام ثلاثة أشخاص..

بقلم: آس غاله

منذ أن حمل وائل شهادة الدكتوراه في الإدارة، تسلّم مهامه كمدير مؤسسة تجارية، تتمتع بسمعة متميزة، وتضم في أروقتها موظفين من أفضل المختصين من ذوي الخبرة..

ولم يكن وائل ليواجه أي مشكلة في عمله، لو أدرك يوماً معنى مصطلح (التفويض).. فهو رجل يحبّ أن يقوم بكل شيء بيديه، وقد اعتاد أن يكون رجلاً عصامياً متفانياً بعمله، متواضعاً لطيفاً حتى أبعد الحدود.. لكنه في الوقت ذاته، حادّ الطبع حتى منتهى كل حد، وهو يرفض أن يفوّض أحداً بأي عمل، بل إنه في كثير من الأحيان يؤدي أعمال الآخرين بنفسه..

في مؤسسة تضمّ حوالي 300 موظف، يكون أول الواصلين إلى مكتبه، مدير هذه المؤسسة.. إنه مدمن عمل، لذلك لم يشعر يوماً بحاجة إلى إجازة، على الرغم من إلحاح زوجته التي صارت تحلم بالعطلة، وقد أضحت العطلة حلمها..

وصل وائل هذا اليوم باكراً جداً، دخل المكتب وجلس، اتصل بالحاجب ليحضر له قهوة الصباح، لكن الحاجب لم يجبه، لأنه لم يكن قد وصل المؤسسة بعد، نهض وائل واتجه إلى المطبخ الصغير، وشرع بإعداد قهوته، وفي تلك اللحظة وصل الحاجب.. تسمّر في مكانه.. وقال في نفسه: (هذه أول مرة منذ عشرة أعوام قضيتها في المؤسسة أرى مديراً يعدّ قهوته بنفسه) قال الحاجب وهو يخاطب المدير:

“دكتور! هذا لا يجوز! سأعد لك القهوة..”.

لكن “وائل” ابتسم بلطف وقال له:

“لا عليك.. أعرف كيف أعدّ القهوة”.

رجع المدير إلى مكتبه حاملاً قهوته، ثم غرق ككل يوم بأوراقه وحساباته، وبعد حوالي ساعة ونصف من العمل، اكتشف خطأ صغيراً قد ارتكبه أحد المحاسبين، فحمل الأوراق واتجه إلى مكتب ذلك المحاسب.

كان الشاب ذو العشرين عاماً يتحدث إلى زميله حول فيلم شاهده في الليلة السابقة، ولسوء حظه، سمع وائل جزءاً من الحديث، فانفجر به صارخاً:

“هل هذا ما يشغل موظفيّ عن العمل، وتتراكم الأخطاء تلو الأخطاء؟.. هل تمضون أوقاتكم بالحديث عن الأفلام متناسين أن ثمة واجبات عليكم أداؤها؟”.

وقف الشابان صامتين، وبدا وائل كمن أكّد لنفسه حقيقة أن عليه أن يؤدي العمل بيديه، وإلا فسيجد أسماء الممثلين مكتوبة على أوراق العمل بدلاً من أسماء العملاء..

هزّ رأسه باستياء، ثم عاد إلى مكتبه وطلب إلى سكرتيرته منى تزويده بقائمة الأعمال المطلوبة من الشابين المحبين للسينما، فأحضرت له مجموعة من الحسابات والدراسات وضعتها على طاولة مكتبه وخرجت.

ما لبث وائل أن غرق في الحسابات من جديد، ولكن هذه المرة، غرق بأدق تفاصيل العمل، وهو عمل لا يتوجب عليه القيام به، لكنه رأى أن المحاسبين الشابين غير جديرين بأدائه، فما كان منه إلا أن قرر أداءه بنفسه، على الرغم من أن المؤسسة تضم خمسة عشر محاسباً، ويستطيع توكيل أي منهم بأي عمل..

بعد مدة اتصلت منى لتخبره أن أحد العملاء (المهندس وليد) يتصل ليطلب مقابلته، فأخبرها أنه مشغول جداً، وعلى العميل أن ينتظر حتى اليوم التالي..

بعد قليل احتاج وائل إلى مشبك ورق، لكنه لم يجد في أدراجه شيئاً، فطلب إلى منى بعض المشابك، لكنها لم تكن تملك سوى ثلاثة، فصرخ بها:

“هل يتوجب عليّ تذكيرك بكل كبيرة وصغيرة؟.. ألا تعلمين متى تطلبين قرطاسية جديدة؟ الآن يجب أن أنتظر لجنة المشتريات لتحضر بضع مشابك ورق.. هل يعجبك هذا الأمر؟”.

ارتبكت السكرتيرة، وقالت له:

“آسفة يا دكتور، إنها مشكلة بسيطة، أستطيع استعارة بعض المشابك من أي مكتب، أمهلني دقيقتين فقط”.

“استعارة!.. هل تعتقدين أن الاستعارة ستحلّ مشكلة ذاكرتك، وستجعلك تجيدين القيام بعملك؟”.

امتلأت عينا الفتاة بالدموع، لكنها لم تقل شيئاً، في حين خرج وائل من المؤسسة غاضباً واتجه إلى أقرب مكتبة، واشترى علبة مشابك، وقلم رصاص، ثم طرح سؤالاً غريباً جداً على البائع:

“هل عندك شوكولاتة؟”.

حدّق به البائع.. واعتقد لوهلة أن هذا الرجل المحترم يسخر منه، لكنه تعامل مع الأمر برحابة صدر، قال له:

“سيدي! هذه مكتبة! لكنني أستطيع تقديم لوح من الشوكولاتة هدية لك! فأنا أحتفظ بها هنا من أجل أحفادي”.

شعر وائل بخجل شديد، فحجم العمل الذي قام به اليوم وهو لا علاقة له به قد شوّش ذهنه عليه ذهنه، اعتذر بشدة.. وقال:

“اعذرني يا أخي، إنني مشوش الذهن، وبي حاجة إلى السكر، وقد نسيت أنني في مكتبة، شكراً لاستيعابك الموقف”.

ابتسم البائع، وأصرّ على تقديم لوح الشوكولاتة للدكتور وائل بعد أن امتنع الدكتور وائل عن قبوله وقد تملَّكه الخجل.

حين دخل وائل المؤسسة عائداً من المكتبة، استوقفه أحمد الشاب الذي يعمل في قسم العلاقات العامة، وقال له:

“دكتور وائل.. أنهيت نصّ الإعلان المطبوع الذي سننشره الأسبوع القادم، أعرف أنك تحب الاطلاع على كل شيء بنفسك، إنه هنا”.

قرأ وائل الإعلان، ثم فكر للحظة، وقال للشاب:

“شكراً لك يا أحمد، لكنه بحاجة إلى بعض التعديل، تعال معي إلى مكتبي”.

ومجدداً وجد وائل نفسه يقوم بعمل شخص آخر، بالرغم من أن الأمر لا يستحق تدخله، لكنه لا يقتنع بقدرة أي شخص آخر على أداء العمل دون الرجوع إليه..

نصف ساعة من وقته أضاعها وهو يعيد صياغة الإعلان بالرغم من أن أحمد كتب إعلاناً جيداً، وهو ذو خبرة ممتازة في العلاقات العامة.. لكنه تقبّل الأمر، فهو يدرك أن مديره يعاني مرضاً اسمه (عدم الثقة بالآخرين) ويعشق الغرق في التفاصيل حتى درجة يضيع فيها عمله الأساسي..

دخلت منى مقاطعة صياغة الإعلان وقالت له:

“دكتور.. المهندس وليد ينتظر على الهاتف ويطلب موعداً الآن”.

حدّق بها محاولاً ترتيب أفكاره، ثم سألها:

“من هو وليد؟”.

اكتسى الذهول وجهي منى وأحمد، قالت:

“المهندس وليد! مدير مصنع الأدوات الكهربائية.. إنه عميل أساسي عندنا، وثمة أشياء مهمة لتناقشها معه”.

عندئذٍ تذكّره، سألها:

“ألم يكن من المفروض أن أقابله هذا الصباح، لماذا لم يحضر؟”.

في تلك اللحظة تمنت منى لو تستطيع امتلاك الجرأة الكافية لتصرخ في وجه مديرها المصاب بداء (ألزهايمر المبكّر) ثم ترمي طلب استقالتها في وجهه وتخرج..

لكنها تمالكت نفسها وقالت له:

“اتصل هذا الصباح طالباً مقابلتك لكنك أجلتها حتى الغد بسبب انشغالك”.

كانت عينا وائل تدوران في فراغ الغرفة.. وشعر لثوانٍ أنه قد فقد توازنه.. وأخذت الأشياء تختلط في رأسه.. ثم علت أصوات الجميع واضطربت داخله، وأحسّ بأنه يوشك على السقوط..

تمالك نفسه قليلاً، أخرج لوح الشوكولاتة من جيبه وشرع بالأكل، وكان أحمد ومنى يراقبانه بصمت..

التقط وائل أنفاسه، وقد أدرك أنه أضاع عمله الحقيقي عندما غرق في تفاصيل يمكن أن يقوم بها أي شخص آخر.. قال للسكرتيرة:

“اطلبي إلى جهاد وسمير في قسم المحاسبة أن يأتيا لأخذ أوراقهما ومتابعة عملهما، وحددي للمهندس وليد موعداً بعد ساعة”.

ثم التفت إلى أحمد وقال له:

“عملك في العلاقات العامة متميز جداً، وخبرتك رائعة.. قم بعملك دون الرجوع إليّ.. لم أعد قادراً على تحمّل ضغط أكبر من هذا.. يجب أن أبدأ بمنح الثقة لبعض الأشخاص، فأنا لست مؤسسة كاملة!”.