لكي تصبح مكاتبنا أجمل

يقضي معظم الناس في مكاتبهم وقتاً أطول من الوقت الذي يقضونه في بيوتهم. هذه حقيقة واقعة في عصرنا الراهن، فأغلب وقت الإنسان المعاصر يمضيه في العمل، ولهذا قيل “زيّن مكتبك وكأنه منزلك”.

وتشير الدراسات إلى أن لديكور المكتب الذي يعمل به الشخص أثراً كبيراً على إنتاجيته ومزاجه العام، فضلاً عن تأثيره على متعامليه أيضاً، فالأمر لا يقف على الإحساس بالراحة فحسب، أو الخروج بانطباع يرتبط بالمشاعر، بل إن الاتجاه العقلي لدى المتعامل الآن يتأثر أيضاً بتصميم وديكور المؤسسة.

إعداد: د. راندا درويش

التركيز.. الكلمة الفصل

بداية، وقبل البدء بتصميم وتزيين المكتب، لابدّ من تحديد طبيعة هذا المكتب بدقة ومعرفة مجال عمله ونوعية المتعاملين أو الزبائن الذين سيقصدونه، وذلك حسب الطبيعة النوعية للنشاط، ونعني به التخصص الدقيق داخل النشاط الأوسع، والذي يجعلنا نختار تصميماً وديكوراً مختلفاً عن تخصّص آخر داخل النشاط نفسه.

إنّ تصميم مكتب لعيادة طبية يختلف تماماً عن مكتب لمؤسسة تجارية أو ثقافية أو رياضية أو نحوها، من حيث نوعية مقاعد الانتظار مثلاً، فمنها بطبيعة الأمر ما هو رسمي، ومنها ما هو ذو طابع اجتماعي، فجلوس المريض لن يكون مساوياً لجلوس الباحث المثقف أو الرياضي النشط.

وقبل البدء في ذلك، يجب تحديد الفراغ الداخلي للغرفة، بحيث تتمّ مراعاة مناسبة الأثاث له عند اختياره من حيث الحجم والارتفاع والكمية. فأثاث محدود في مساحة واسعة قد لا يبعث على الراحة في النفوس، كما أن اكتظاظ الأثاث في مساحة ضيقة قد يعيق حركة العمل بشكل كبير.

ومراعاة التكامل الشكلي في نوعية الأثاث داخل المكاتب في المؤسسة الواحدة أمر بالغ الأهمية، بحيث يتناسب الطابع العام للأثاث مع بعضه بعض، فمثلاً لو تمّ اختيار الديكور لمكتب ما بتصميم تقليدي، فلا بد أن ينطبق ذلك على بقية المكاتب، وكذلك لو تمّ اختيار نمط حديث للديكور فينبغي أن يعمم ذلك على باقي مكاتب المؤسسة، إلّا إذا كانت الضرورة تقتضي غير ذلك بحسب طبيعة المؤسسة ووظيفتها.

ولاشكّ أن الكلمة الفصل في كل مكتب هي: التركيز. ولتحقيقه، يجب تفادي الأمور المعطّلة للتركيز الذهني، ومنها وضع المرايا التي قد تشوّش انعكاساتها على التفكير، وقد تجعل ذهنك وذهن ضيوفك مشتتاً.

ويجب أن تكون طاولة المكتب مصمّمة بشكل انسيابي، ومحاطة بالكثير من الضوء من أجل وضوح الرؤية، مع تلافي الزوايا، والخطوط الحادّة، والمساحات المهملة.

وعليك تفادي تخزين أشياء كثيرة، والابتعاد عن فكرة تعليق أرفف عالية فوق الرأس لأنها مضرة للتركيز أيضاً، وتكديس أغراضٍ لا حاجة لها من شأنه تشويش الأفكار. وبدلاً من ذلك، يمكنك تعليق صور مع أفراد العائلة أو الأصدقاء تحفزّك على العمل، ويُفضّل أن تكون هذه الصور قديمة لأن هذا المكتب يجب أن يكون مدفوعاً بقوة الماضي الإيجابيّة التي تعدّ رمزاً للعقلانيّة.

وتذكّر جيّداً إغناء ديكور المكتب بنباتات ذات أوراق عريضة تحفّز عمليّة خلق الطاقة، وتمتصّ الذبذبات السلبيّة الآتية من الأدوات الكهربائية كأجهزة الكمبيوتر والفاكس والهاتف، كما أنّ بعض الخبراء يرون أن النباتات تشجع روح المبادرة والإبداع.

 

“عمليات تجميل” موسمية

المكاتب في حاجة إلى “عمليات تجميل” موسمية، كل بضع سنوات للحفاظ على نظرة حديثة وجديدة على الدوام، ومن المهم أن يقوم الشخص بتغيير ديكور مكتبه بين الفترة والأخرى، إذ إنّ تجديد ألوان وأثاث المكتب يؤثر بشكل كبير على نفسية مستخدمه، ويعطيه شعوراً بحدوث تغيير إيجابي ما في المكان، كما أنه يحول دون الشعور بالملل من ارتياد مكان بعينه طوال الوقت.

ويقولون إنّ الشخصية الإبداعية تكره الروتين، وترغب في الإتيان بالجديد باستمرار. وعلى صعيد تغيير ديكور المكتب، فإن المقصود هنا هو الديكور الشكلي الدال على المظهر وليس الجوهري المتعلق بالأجهزة والمعدات، إلّا إذا اقتضت الحاجة إلى تغييره لقدمه وعدم صلاحيته للاستعمال، أو أن وجوده أصبح يعيق العمل بكفاءة واقتدار.

إنّ مثل هذا التغيير قادر على تغيير الروتين الذي اعتاد أن يراه الموظفون كل يوم، وهو كفيل أيضاً أن يبعث في نفوسهم التفاؤل والأمل نحو التقدم إلى الأمام. إن هذه العملية إشارة إلى أن القائمين على المؤسسة لا يحبون السكون إلّا على المبادئ الراسخة، أمّا ما سوى ذلك فإنّ التغيير مآله، لأن ذلك سيدفع الموظفين على التفكير دوماً في آليات التغيير المستمر، سواء في أساليب العمل، أو طرق تحقيق الأهداف، وغيرها من مجالات التغيير.

وللألوان في المكتب تأثير كبير على نفسية الشخص ومزاجه وسلوكه. ويؤكد بعض الباحثين أنّ السبب الرئيس في تغيير المزاج نابع أساساً من طبيعة الألوان الموجودة في البيئة المحيطة به، وأنّ تحديد الألوان وتنسيقها بين مكونات المكتب المختلفة يعدّ القضية الأهم في تصميمه.

إنّ اختيار اللون الأحمر -مثلاً- يلفت الانتباه بشكل كبير، ويعطي انطباعاً بالحيوية والطاقة وإحساساً بالنشاط والقوة، بالإضافة إلى أنّ الأحمر يمكن أن يؤثر على الأداء في أماكن العمل ويرفع من معدلاته، ومن المعتقد على نطاق واسع أن لون المكتب الأحمر يكون أكثر تحفيزاً ويشي بالقوة.

وبالمقابل، يضفي اللون الأزرق السماوي على الموقع هالة من الهدوء والسكينة والطمأنينة، كونه يمثل لون السماء والبحر الذي يناسب المساحات الواسعة والمستخدمة للتأمل والتفكر والتخطيط بعيد المدى.

أما اللون الأخضر فإنه لون الحياة الذي يوحي بالجمال والنماء، ولون الطبيعة في أبهى حللها. وأما البني فإنه رمز الطبيعة والأرض أيضاً، وبالتالي فإن استخدامه في الأثاث يضفي مظهراً رائعاً على المكتب، كونه يدل على الرسمية والاتزان. وأما اللون الأبيض فهو أكثرها وضوحاً، وهو لون النقاء والوقار ويمكن استخدامه كخلفية للكثير من الألوان كالأزرق أو الأخضر أو البرتقالي أو غيرها لتشكل لوحة فنية رائعة.

وتجب مراعاة اختيار الألوان التي تلائم كراسي الانتظار والطاولات، ولإضافة المزيد من البهجة إلى غرفة الانتظار، يمكن طلاء الجدران بالألوان الزاهية أو استخدام ورق حائط برسومات طبيعية. ومن المعلوم أنّ لون الطلاء يؤثر على الشعور بالمساحة، فالألوان الغامقة تجعل الغرفة تبدو أصغر مما هي عليه، أما الألوان الفاتحة والزاهية فهي تساعد على إضفاء شعور بالرحابة والاتساع على أرجاء المكتب.