لـوركا.. حين يتوقف الغجر عن الترحال!

حين تشرق شموس الغجر, يعقدون العزم على رحيل جديد.. يحملون متاعهم البسيط: كرة زجاجية, وبعض الحطب, وأغنيات للحب والسفر.. يرحلون إلى مدارات شموسهم المتقدة خلف عيون بلون الشتاء.. يتبعون النور موشحين بألوان الطيف.. تتساقط أمطارهم على بقعة أرض صغيرة ضمّت جسداً سقط في ليلة صيف بعيد, لتنبت من دمائه باقة من شقائق النعمان..

إعداد: آس غاله

هو ليس غجرياً.. لكنه رمز لكل الغجر.. غنّى لهم قصائد الحب والحرية, ونبتت من قلمه المبدع آلاف الأجنحة المسافرة في عالمهم الذي لا يعرف سوى الترحال.. إنه فيديريكو غارسيا لوركا.. شاعرٌ ملأ الكون غناء في حياته, ليملأه بكاء في موته..

إسباني.. عربي.. غجري!

لا أحد يستطيع أن يجزم إلى أي انتماء يعود عندليب الأندلس, فمن المعروف أن والديه أسبانيان, لكن كثيراً من الأشخاص يقولون إن دماء عربية تجري في عروقه, وفي الوقت ذاته كرّس جزءاً كبيراً من أدبه للغجر الذين اتخذوه رمزاً لهم, حتى ظن كثير من الناس أن لوركا كان غجرياً برغم نفيه هذا الأمر.

ولعلّ هذه التوليفة الغريبة في حياته قد أثرت على نوعية إبداعه, فامتلك رومانسية الإسبان وشاعرية العرب وعشق الغجر للحرية..

ولد لوركا في الخامس من حزيران عام 1898 في (فونت باكيروس) القريبة من غرناطة, لوالدين ثريين, مزارعٍ يمتلك كثيراً من الأراضي, ومعلمةٍ أخذت على عاتقها تربية طفلها فيديريكو تربية خاصة, بعد أن اتضحت لها إصابته بمرض جعله يتأخر في المشي حتى سن الرابعة, كما أن فيديريكو وجد صعوبة كبيرة في النطق بادئ الأمر, وهذا جعله بعيداً عن أقرانه لصعوبة التواصل معهم, لكنه فجّر فيه طاقات إبداعية جاءت تعويضاً عن العالم الخارجي, حيث صنع لنفسه عالماً خاصاً كان بداية انطلاقته في دنيا الإبداع الأدبي.

مسرح من صنع يديه

كل ما كان يدور في خلد فيديريكو الصغير من خيالات تطوف في فضاءات ساحرة, لمـّها بين يديه الصغيرتين ليصنع منها مسرحاً للدمى التي منحها أسماء خدم العائلة وأشقائه الصغار, وكان أول شيء اشتراه بما اقتصده من النقود مسرحاً للعرائس في غرناطة، ولم يقف في وجهه عائق عدم وجود مسرحيات مطبوعة مع مسرحه الجديد, لأنه آثر كتابة مسرحياته بنفسه, ومنذ ذلك الحين تفجّر عشقه للمسرح, الذي صار الجزء الأهمّ في عمله، كما استطاع أن يدندن الألحان الشائعة قبل أن يحسن النطق، وأخذ عن الخدم المسنين الحكايا والأغاني الشعبية.. وكل ذلك ساهم في تنمية إبداعه الشعري والمسرحي.. كما أن اهتمامه بالرسم لم يقلّ عن اهتمامه بالأدب, فكان مبدعاً جامعاً يضجّ بالحياة مهما كانت الأداة الإبداعية التي تمسكها أصابعه.

إلّا أن فيديريكو لم يستطع يوماً الالتزام بالدراسة الأكاديمية, فبعد أن بدأ دراسته الجامعية في جامعة غرناطة توقف دون أن يتمها, ثم التحق فيما بعد بجامعة مدريد ولكنه لم ينجز دراسته فيها أيضاً، وذلك لأن اهتماماته كانت موجهة دائماً إلى خارج مدرجات الجامعة، فقد وجد نفسه أكثر سعادة في تبادل الأحاديث مع أصدقائه على طاولات المقاهي, والتجوال في ريف غرناطة وبساتينها القريبة, واكتشاف الثقافات والعادات والتقاليد التي تسود الأندلس, وهناك تعرّف على الغجر الذين قدّر لهم أن يكونوا الموضوع الأبرز الذي استوحى منه فيديريكو أعظم أعماله.

إبداعات من أرض الواقع

سلفادور دالي, بابلو نيرودا, ألكسندر دانييل ألبرت، لويس جونيك.. أولئك أصدقاء لوركا, وكأن القدر شاء لهؤلاء الأشخاص أن يجتمعوا ليمنحوا العالم أنواراً جديدة تشع من إبداعاتهم الخالدة..

لقد تعرف لوركا على أصدقائه أثناء تجواله بين غرناطة ومدريد, وواكب هؤلاء الأصدقاء مسيرة إبداعه التي طبع منها أول كتاب نثري بعنوان (انطباعات ومناظر) عام 1918 وهو حصيلة عديد من الرحلات في إسبانيا.

أما أول ديوان شعر له (كتاب الأشعار) فظهر عام 1921, وكان لوركا يُعرِض كثيراً عن النشر برغم محاولات أصدقائه الفوز بإحدى قصائده لنشرها في دورياتهم.

وبرغم أنه لم يتوقف عن نظم الشعر إلا أن ديوانه (أغانٍ) لم يرَ النور حتى عام 1927, وقد كان لوركا يفضل أن ينشد أشعاره، لأنه كما يذكر في مقالته عن الروح المبدعة يعتقد (أن الشعر بحاجة إلى ناقل.. إلى كائن حي), وأدرك في تلاوته هذه الأشعار قدرة شعره على التأثير أكثر من مطبوعاته.

في عام 1920 عُرض فصل من مسرحية له (رقية الفراشة المشؤومة) في مدريد، وأما أولى مغامراته المسرحية الناجحة فكانت المسرحية النثرية التاريخية (ماريانا بنيدا) التي قدمت في مدريد عام 1927، وشهد العام التالي ظهور أكثر دواوين لوركا شعبية (حكايا غجرية) الذي لاقى نجاحاً كبيراً في إسبانيا وفي جميع البلاد الناطقة بالإسبانية، إذ أنه كسر المألوف الذي اعتاده شعراء عصره في الكتابة للخاصة, فكتب أشعاره مكللاً بأمل أن يفهمه كل من يقرؤه, وربما هذا ما جعله رمزاً لدى أولئك البسطاء الذين اتخذهم إلهاماً يستمدّ منه كلماته.. فكان يقول: (أريد للصور التي أستمدها من شخصياتي أن تفهمها تلك الشخصيات نفسها)..

على عرش المسرح

ذلك الشاعر المرهف الإحساس, والذي شكّل الغجر مادة أساسية في حياته وكتاباته, أصابته منهم عدوى الترحال, فحطت قافلته في نيويورك عام 1929, وهناك أصيب بصدمة ثقافية عنيفة, بسبب ما وجده من اختلاف بين الثقافتين الأمريكية والإسبانية, فعاد إلى وطنه محمّلاً بخيبة أمله, وبمجموعة شعرية أصدرها في الوطن بعنوان (شاعر في نيويورك).

وتسلم لوركا عام 1931 جوقة مسرح باركا، وفي عام 1933 عرض مسرحيته (بوداس دي سانجز) وهي حكاية ريفية، وضع فيها كل ما عاناه خلال تلك المدّة من حياته.

ولم تمنع قلّة كتاباته المسرحية, من اعتلائه عرش المنصة الخشبية إلى جانب أفضل كتّاب المسرح في إسبانيا, فقد ترك إرثاً مسرحياً متفرداً بواقعيته وعنفه وجماليته, فكانت مسرحية (بيت برنارد ألبا) التي نشرت وعرضت بعد وفاته.

ومع تفهّم لوركا للحياة أكثر, أصبح إبداعه أكثر نضجاً, وقد أصبح يرى أن (في هذا الزمن المأساوي في العالم، يجب على الفنان أن يُضحك ويُبكي جمهوره، ويجب أن يترك الزنبق الأبيض مغموراً حتى وسطه بالوحل, وذلك لمساندة الذين يبحثون عنه).

غجري الهوى!

غجري الهوى تعلّق بالحرية حدّ المغامرة والثورة.. ترك مدريد ليعود إلى غرناطة التي كانت تغلي سياسياً, واندمج في انتفاضتها حتى واجه أخطر التهم وهي أنه (مثقف.. صنع بكتبه ما لم تصنعه المسدسات)..

ظلّ لوركا معرّضاً لمختلف أنواع الملاحقة والتعنيف والإهانة, حتى كان ليل التاسع عشر من آب عام 1936, حيث تلقّى قلبه المشبع بالحرية حدّ الثمالة رصاصة دوّى صداها متجاوزاً جغرافية المكان وحدود الزمان.. فتحوّل إلى رمز لكلّ العاشقين للحرية في العالم..

سقط جسده في (فيثنار) قريباً من غرناطة.. لكن لم يعثر عليه.. وإنما عثر على بضع زهرات من شقائق النعمان, نمت فوق قطرات دمه التي روت أرض معركته مع الظلم.. والغريب أن لوركا امتلك بكلماته كرةً زجاجية, فتنبّأ بموته الأسطوري, وقال:

(وعرفت أنني قتلت/ وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس/ فتحوا البراميل والخزائن/ سرقوا ثلاث جثثٍ ونزعوا أسنانها الذهبية/ ولكنهم لم يجدوني قط)..

وهناك.. حيث سقط شهيد الحرية.. عندليب الأندلس.. يتوقف الزمن كل عام في ليلة ما من آب.. ويتوقف معه الغجر عن الترحال.. تحطّ قوافلهم المتعبة على أرض مشبعة بالأغنيات.. تصدح بالحب والأمل وعشق الحرية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أقوال في لوركا توضع ضمن مربع

بابلو نيرودا

– “كان نابغة وفَكِهاً, كونيّاً وريفيّاً.. كان خلاصة أعمار إسبانيا وعهودها, صفوة الازدهار الشعبي, نتاجاً عربياً أندلسيّاً, ينير ويفوح من أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا..”

– “إن الذين أرادوا بإطلاقهم النار عليه أن يصيبوا قلب شعبه، لم يخطئوا الاختيار”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رينيه ويليك

“يعتبر شعر غارسيا لوركا أفضل مثال معروف لذلك التوفيق الإسباني الخاص بين ما هو شعبيّ وما هو رمزيّ, بين الأغنية الغجرية والأسطورة”