لذاكرتك.. غذاء وتمارين

يتمتع بعض الأشخاص بذاكرة (حديدية)، فتراهم يروون القصص ويسردون الأحداث بأدقّ تفاصيلها، باليوم والتاريخ والساعة والدقيقة، ما يغنيهم عن كثير من العناء في حياتهم اليومية ويوفّر لهم الوقت والجهد، بينما يتخبط بعضهم الآخر بظلمات النسيان، فيعيشون فوضى الأحداث ويرهقون أنفسهم في التذكر لتخرج لهم عصارة ذاكرتهم الوقائع بشكل ضبابي… فما السّر في ذلك؟

إعداد: تهاني صالح

إنّ المسألة لا تتعلق بسرّ معين، ولا تتعدى أن تكون من إحدى الفروق البشرية الطبيعية، ومن أهم النِّعم التي منَّ الله بها علينا، فالنسيان ضرورة لراحة البال والاستقرار النفسي، وكما يقال “لولا النسيان لجنّ الإنسان”، لكن الطامّة الكبرى تقع بتحول النسيان من نعمة إلى نقمة، عندما ينسى الشخص الأساسيّات الواجب تذكّرها واستحضارها ذهنياً، ليصبح حينها النسيان سبب ضياع الإنسان..

أسباب ضعف الذاكرة

لقد شغل موضوع ضعف الذاكرة وأسبابه وطرق علاجه الأطباء والخبراء الصحيين، فأجروا دراسات كثيرة بهذا الشأن، وتوصلوا إلى أن هناك أسباباً متعددة تسبب فقدان الذاكرة الجزئي أو الكلي ابتداء من تعرض الشخص إلى حادثة مسببة لإصابة في الرأس والدماغ إلى اضطرابات عقلية ونفسية، وتظهر هذه الاضطرابات نتيجة تلف بنائيّ أو كيميائي في أجزاء من الدماغ، وتعتمد نوعية الاضطراب على الجزء المعرّض للتلف من الدماغ، ويمكن تلخيص الأسباب بما يأتي:

– الإصابة بالجلطة الدماغية.

– التعرض لحوادث تؤدي إلى الحرمان من الأكسجين، أو تسرب الدم إلى الدماغ.

– وجود أورام والتهابات في الدماغ.

– الإدمان على الكحول.

– تناول الأدوية والمخدرات لفترات طويلة.

– التعرض لمواد سامة.

– بعض الاضطرابات النفسية.

مواد غذائية لذاكرة أفضل

إنّ ذاكرتنا عبارة عن آلاف من الخلايا العصبية التي تعتمد في احتفاظها بالمعلومة ثم تذكّرها على مجموعة من الناقلات العصبية والكيميائية، لذا فهي بحاجة إلى مواد خاصة تساعدها على إتمام عملياتها الحيوية وتجديد نشاطها، كما أنها بحاجة إلى كميات وافرة من تلك الناقلات لتستطيع أن تحتفظ بالمعلومة بشكل جيّد وأن تتذكرها عند الحاجة، ومن تلك المواد المهمة لخلايا الذاكرة (حامض أوميجا3) وهو حمض دهني يدخل في تركيب خلايا المخ، أثبتت الأبحاث أن نقصه يؤدي إلى الإصابة بمرض (الزهايمر) وهو متوفر بشكل جيد في الأسماك والأطعمة البحرية وبذر الكتان ونستطيع تناوله في حبات زيت السمك، كما أنّ هناك مادة تدعى (كولين) وهي من مشتقات فيتامين (ب) وهي مادة مهمة جداً لعملية التذكر فهي تعمل كوسيط لنقل المعلومات بين خلايا الدماغ وهي موجودة في الخضار والحبوب بكثرة.

ومن الموادّ المهمّة أيضاً لخلايا الذاكرة فيتامين هـ (E) وهو موجود في الزيوت ولاسيّما زيت الزيتون وفيتامين ج (C) وهو موجود في الحمضيات والطماطم والجوافة والكيوي والفلفل بأشكاله، وهذان الفيتامينان هما مضادّان للتأكسد وهما يحافظان على خلايا الذاكرة من التلف، كذلك فإنّ تناولنا لفيتامينات (ب6) و(ب12) وعناصر (الزنك، والحديد، والفوليك أسيد) يضاعف من قدرة التذكر لدينا بشكل كبير.

ثلاثي ضروري

وإذا كانت الذاكرة تحتاج إلى جميع المواد بنسب متفاوتة فإنّها لا تستغني أبداً عن الثلاثي (الماء والأكسجين وسكر الجلوكوز)، فالماء يشكل أكثر من 80 % من أجسامنا، ونلاحظ أن الذين يقلّ شربهم للماء في الصحراء، أوّل ما يعانون منه تشوش أذهانهم ورؤيتهم لأشياء لا وجود لها، أمّا بالنسبة للأكسجين فيكفيك أن تعرف أنّ خلايا دماغك تموت كلياً إذا انقطع عنها الأكسجين لأكثر من خمس دقائق، وبالنسبة لسكر الجلوكوز هو المصدر الأساسي لطاقة الدماغ ويوجد بشكله المبسط في جميع أنواع الفواكه.

ويؤكّد العلماء في بريطانيا أنّ شرب بضعة أكواب من الشاي يومياً يحسّن الذاكرة وينشّط الذهن، وأنّ تناول الشوكلاتة والحلويات أيضاً يحسّن الأداء العقلي ويحسّن الذاكرة إذا أخذت بكميات معقولة ومتوازنة، فلا تُفرِط في شرب المنبّهات (القهوة والشاي) لأنّ لتناولها بإفراط تداعيات غير حميدة على ذاكرتك.

كيف تقوّي ذاكرتك؟

من الأسباب الرئيسة التي تبعثر المعلومات في ذاكرتك، عدم إدراكك لأهميّة تمرينها وتقويتها، وللحفاظ على ذاكرة يقظة ومرنة يمكنك اتباع الخطوات التالية:

– النوم العميق مفيد للذاكرة

للنوم المنتظم لمسة سحرية على ذاكرتك؛ فأثناء استغراقك بالنوم العميق، يعيد دماغك تنظيم وترتيب كلّ المعلومات التي استوعبها خلال النهار. ولا بدّ أنّك اختبرت في حالات النوم المتقطّع أو الأرق كيف تتداخل المعلومات في رأسك وتلتبس عليك الأسماء والوقائع، حيث أكّد العلماء على أهمية النوم العميق في شحن الذاكرة ودعم قدراتها، وقدم باحثون بجامعة شيكاغو دليلاً يبين أنّ نشاط الدماغ أثناء النوم يعزّز من قدرات ومستويات التعلم، وأن للنوم تأثيرين اثنين على الأقلّ على التعلم، فهو يقوّي الذاكرة ويحميها من التشويش أو التآكل، وكذلك ينعش النوم الذكريات القديمة ويستعيدها.

– وجبات كاملة

تناول الوجبات المنتظمة ولا تخلّ بالهرم الغذائي، لا تعتمد فقط على الأسماك، لأنّ إحدى الدراسات الحديثة بيّنت أنّها ليست وحدها المسؤولة عن تعزيز مهام الذاكرة، بل هذه الأخيرة تحتاج للأطباق المنوّعة، كما أكّد العلماء على ضرورة تناول وجبة الإفطار يومياً، حيث إنّها من أهمّ الوجبات التي تدعم الجسم وتمنحه النشاط الجسدي والعقلي.

– التنظيم

كما تحتاج الملفّات على مكتبك للتنظيم لتسطيع العمل بشكل أفضل، تحتاج ذاكرتك للإجراء نفسه، لذا لا ترهقها. ودوّن كلّ ما تنوي إنجازه خلال النهار بشكل مرتّب على قصاصة ورق وألصقها على شاشة الكمبيوتر أمامك، ولذاكرة الجوال أو الكومبيوتر مهمّات تنبهك وتساعدك، فاعتمد عليها.

– غيباً

يمكنك تحسين قدرة ذاكرتك على التعلّم والحفظ، فعلى سبيل المثال، ردّد ثلاثة إلى أربعة أرقام هواتف وحاول الاتّصال بها دون العودة إلى ذاكرة جوالك. ولإضافة قليل من المتعة، ابحث عن كلمات أغنيتك المفضّلة وحاول حفظها عن ظهر قلب.

– حذار الإرهاق

احذر الإرهاق والإجهاد والاكتئاب، لأنّ لذلك تأثيراً سلبياً على تركيزك ووتيرة عملك. وخفف وطأة الضغوطات عنك بأساليب الاسترخاء المتاحة أمامك، كاليوغا، والتدليك أو الاستماع إلى موسيقاك المفضّلة.

– التعبير عن المشاعر

حذّر باحثون متخصّصون في أحدث الدراسات، من أنّ الأشخاص المعتادين على كبت مشاعرهم وعدم الإفصاح عنها قد يدفعون ثمناً غالياً من صحّتهم وذاكرتهم وقدراتهم الذهنية. وأوضح الباحثون أنّ العواطف والمشاعر تؤثّر في الذاكرة بطرق مختلفة، فالإنسان يتمتّع بقدرة كبيرة على تذكّر الأحداث العاطفية أكثر من غيرها، كما تؤثّر العواطف في الأشياء التي يمكن تذكّرها، فعلى سبيل المثال، المزاج السيّىء والكئيب يجعل الإنسان يتذكّر أحداث الماضي المحزنة. لذلك، لا تكبت مشاعرك حتى لا تضعف ذاكرتك.

لم تثبت حتّى الآن فعالية علاج محدد في معظم حالات فقدان الذاكرة، ولكن يشفى عدد كبير من المصابين بمرور الزمن، وقد يشفى المصاب ويتذكر المعلومات والأحداث قبل الإصابة. وفي بعض الحالات قد يفيد استخدام بعض تقنيات تأهيل الذاكرة عن طريق إجراء تمارين تقوية الذاكرة، ولكن يجدر بنا أن نحافظ على سلامة ذاكرتنا، وأن نخضعها باستمرار لتمارين التنشيط لنحميها من الضعف والنسيان المذموم.