كُنْ متفائلاً.. تَعِشْ سعيداً

“لا ينضب نبع التفاؤل أبداً في القلب الغضّ”.. هكذا قال الأديب الأمريكي الشهير مارك توين، مؤكداً أنّ التفاؤل هو رأس السعادة ومربط النجاح، وأنه تعبير صادق عن الرؤية الإيجابية للحياة.. فالمتفائل ينظر للحياة بأمل وإيجابية للحاضر والمستقبل، وكذلك للماضي حيث الدروس والعبر، لذلك قيل “كن متفائلاً.. تعش سعيداً”.

إعداد: د. جمال فرويز

وعلى الرغم من كل التحدّيات والمصاعب التي قد يواجهها الإنسان في الحياة، لابدّ أن ينتصر الأمل على اليأس، والتفاؤل على التشاؤم، والرجاء على القنوط، تماماً كانتصار الشمس على الظلام.

 

لماذا نتفاءل؟

هناك عنصران يحكمان نمط تفكير الإنسان ومواقفه، أولهما: التفاؤل، الذي يقوده إلى بحر العمل والحيوية. وثانيهما: التشاؤم الذي يجرّه إلى ظلمات اليأس والقنوط.

ويؤثّر كل من التفاؤل والتشاؤم في تشكيل سلوك الفرد وعلاقاته الاجتماعية وصحّته النفسية والجسمية، فالمتفائل يتوقع الخير والسرور والنجاح، وينجح في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، وينظر إلى الحياة بمنظار إيجابي، ويكون أكثر إشراقاً واستبشاراً بالمستقبل وبما حوله، ويتمتّع بصحة نفسية وجسمية جيدة.. بينما المتشائم يتوقع الشرّ واليأس والفشل وينظر إلى الحياة بمنظار سلبي.

وفي هذا الشأن، ينصح علماء أمريكيون الناس بأن يكونوا أكثر تفاؤلاً في حياتهم، لأنّ ذلك يجعلهم أقلّ عرضة لمخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية.

وتفسير هذه الظاهرة “النفس جسمية” قد يعزى لعوامل الحماية من السكتة التي تطيل قائمة الفوائد الصحية المرتبطة بكون المرء متفائلاً، فقد أكّدت دراسات عديدة وأثبتت أنّ الأشخاص الأكثر تفاؤلاً يتمتعون بجهاز مناعي أكثر صحة وقدرة أكبر على التئام الجروح، ومخاطر أقل للإصابة بأمراض القلب.

وذلك قد يرجع إلى حقيقة أنّ الأشخاص الأكثر تفاؤلاً وأملاً في الحياة، هم الأكثر حرصاً على صحتهم. وربما يُعزى الأمر كذلك لتأثير بيولوجي لأن الاكتئاب والإحباط، وفقاً لفريق البحث، قد يؤثران على وظائف الجسم الحيوية، وبالتالي يمكن أن يكون للتفاؤل التأثير البيولوجي نفسه، ولكن بشكل إيجابي.

ويقول العلماء إنّ كل عمليات الجسم الحيوية من أيض وامتصاص للغذاء، تعمل بكل طاقتها عندما تكون متفائلاً، ويستفيد منها الجسم وينتعش. أمّا إن كنت متشائماً فإنّ كل ما تأكله هو حشو لسدّ تقلصات معدتك، نار تحرق ولا تطبخ، أدخنتها تتصاعد فتحرق المريء فتصعد لتشوّش العقل.

ومن التفاؤل ينبع الأمل، ومن الأمل يولد العمل، ومن العمل تبعث الحياة. فالتفاؤل شعاع من السماء يهبط على قلوب الأطفال فيدفعهم إلى التحرك واللعب، وينزل على أفئدة الرجال فيدفعهم إلى الجدّ والمثابرة، ويدخل قلوب الأمهات فيحملن ويلدن ويرضعن.. إنه بذرة الحياة في كل نشاط إنساني.

ومن هنا تنبع أهمية التفاؤل في الحياة الإنسانية، لأنّ الناس يرغبون في صحبة المتفائل أكثر من صحبة المتشائم، كما أنّهم يودّون سماع الأخبار والأحاديث السارة المتفائلة أكثر من المتشائمة.

إذن، كن متفائلاً تَنْمُ ويَنْمُ كلّ ما حولك، فإنّ مثل المتفائل في قومه كمثل قطعة ثلج تبرّد ما حولها، ومثل المتشائم في قومه كجذوة نار تحرق ما حولها.

 

كيف نتفاءل؟

يقول الشاعر العربي: (أيّها الشاكي وما بك داءُ/ كنْ جميلاً تَرَ الوجود جميلا).. وتلك النصيحة الثمينة هي أوّل درجات التفاؤل، فالشعور بالإحباط وانسداد الآفاق لا يحتاج إلى تحريض ولا تنشيط، فهو يجتاح النفس البشرية بصورة آلية نتيجة سوء الأحوال والانكسارات اليومية التي تصادف المرء هذه الأيام، لكن الذي يحتاج إلى معالجة وتوجيه هو الشعور بالتفاؤل وتحسّن الأوضاع، إذ إنّنا لن نكسب من وراء اليأس إلّا انحسار الذات وخمود النشاط وارتباك الوعي.

والإرادة فوق كل شيء في الإنسان، فأنت الذي تثبّت حالة التفاؤل أو التشاؤم في نفسك، فالحياة تعرض عليك كلاً من الأمل واليأس، وأنت تتعرض خلال حياتك في كل الأعمار والظروف لأحداث تؤدي بك إلى التفاؤل والتشاؤم، فإذا تعرضت لحالة التفاؤل فيمكنك أن تجعلها حالة ثابتة، وإذا تعرضت لحالة التشاؤم كان بمقدورك أن تمحو آثارها.

وحتى تصبح متفائلاً، فلابدّ أن تفرض السيطرة على نفسك وعلى حالاتك الانفعالية، فأنت الذي تقرّر حالة التفاؤل أو التشاؤم في نفسك. اسأل نفسك: ما هي نظرتك للمواقف اليومية والظروف التي تمرّ بك؟ هل تفكيرك فيها تفكير إيجابي أم سلبي؟

فإذا تعرّضت لحالة تفاؤل، يمكنك أن تجعلها حالة ثابتة تتذكّرها دائماً، أو تتذكّر المواقف والإنجازات الإيجابية، وإذا تعرّضت لحالة تشاؤم أو تفكير سلبي فباستطاعتك أن تمحوها وتمحو آثارها بالتفكير الإيجابي، والتفاؤل بالمستقبل المشرق، فلا تتذمر من الظروف المحيطة بك، بل حاول أن تستثمرها لصالحك، فحين نفكّر إيجابياً فإنّنا نبرمج عقلنا لينفّذ إيجابياً.

ويؤكّد علماء النفس أنّ الشخص المتفائل يفكّر بصورة خلّاقة في كلّ ما يصادفه من إحباط في الحياة، ويحاول أن يحوّل كلّ فشل إلى نجاح. وهذا السلوك يحتاج لشجاعة وقدرة على التغيير والتأقلم مع ما تأتي به الحياة.

لذلك كلّه فإنّ التفاؤل من الصفات الرئيسة لأيّ شخصية ناجحة، فهو يزرع الأمل ويعمق الثقة بالنفس ويحفز على النشاط والعمل، وهذه كلها عناصر لا غنى عنها لتحقيق النجاح في الحياة.

وفي هذا السياق، يقول المثل الإغريقي القديم “كما تفكرون تكونون”، بمعنى أن شخصية المرء انعكاس لما يتمحور في عقله وضميره. فالمرء، بذلك الثبات وقوة الإرادة في مواجهة النوازل وتميّزه بروح التفاؤل، هو الشخص الناجح الذي يتمكن من تحويل ضعفه إلى قوة، وفشله إلى نجاح، فالقوة التي يكتسبها المرء من خلال تثبيت العزم داخله والتصميم على النجاح، تقضي بالضرورة على أيّ من العقبات، من دون أن يتعرض صاحبها للتشويش الذهني والإرباك العقلي والتوتّر النفسي، كما تمنحه السيطرة الكاملة على شؤون حياته ومشاكلها.

إنّ الإنسان هو خلاصة أفكاره، ولأنّ أيّ إنجاز هو نتيجة للتصوّرات الداخليّة التي تعمل في هذا الإنسان، فإنّ التفاؤل في نهاية المطاف يساوي النجاح في الحياة، والتشاؤم يساوي الفشل.

فكُن على الدوام متفائلاً دائماً، لا تَرَ الشرّ فقط لأن هناك الخير أيضاً، لا تؤمِنْ بالظلام فحسب، لأنّ هناك النور أيضاً، لا تَخشَ العاصفة لأنَّ هناك السكينة أيضاً.