كي لا تتحول السيارة إلى آلة حرب

فلتضع حزام الأمان, ولتتأكد من وضعية المرايا وسلامة المكابح قبل أن ننطلق, عليك أن تلزم اليمين, وتتنبه للإشارات المرورية, وخفف السرعة فالرادار يتربص بك.. ربما يا من تقرأ هذه السطور أحببت يوماً أن تكون طبيباً أو مهندساً, ولربما أردت أن تكون طياراً يقطع بطائرته عنان السماء, ومن المحتمل أن يكون لعابك قد سال لرؤية الرداء الأسود الذي يرتديه المحامي, ولربما ولربما.. أما أن يكون حلمك أن تعمل في المجال نفسه الذي أعمل فيه فإنه حلم غريب.

بقلم: مصطفى جندي عن لسان أبو فهد

لست هنا أتهجم على مهنتي التي كانت مصدر رزقي طوال أربع وعشرين سنة, ولست بناكر لجميلها وهي التي أعانتني على تكوين أسرتي الصغيرة, ولا أحطّ من قدرها, فهي مهنة شريفة أعتزّ بها, لكن ما قصدته أنها ليست بالمهنة الحلم.

سأروي قصتي منذ البداية: “فيما مضى من الزمن كنت شاباً نشيطاً, محباً للرياضة, عاشقاً للمطالعة, أتلذذ بقراءة الشعر والاستماع له, إلا أن مجموعي الدراسي لم يؤهلني لدراسة الفرع الذي أرغب, درست في معهد الكهرباء والميكانيك, وما إن تخرجت منه حتى عقدت العزم على السفر, إذ أني لم أجد في بلدي الأم ما يشجعني على البقاء, وكان السفر, وكانت أبوظبي هي وجهتي, عملت في البداية كميكانيكي سيارات في شركة مرسيدس وهي شركة أشهر من نار على علم, إلا أني لم أكن أشعر بالراحة فيها, وذلك لسببين أولهما طول ساعات العمل والتي كانت تمتد لاثنتي عشرة ساعة كل يوم, أما السبب الثاني فكان المخاطر الصحية التي من المحتمل أن أتعرض لها بسبب مزاولتي هذه المهنة, وبدأت البحث عن عمل آخر ضمن مجال خبراتي, فكان أن عملت كمدرب لسياقة السيارات, وهي المهنة التي أزاولها إلى الوقت الذي كُتبت فيه هذه الكلمات.

ما أعجبني في العمل أنه لا يتطلب نظام دوام ثابت بل يتم بالاتفاق بيني وبين الشخص الراغب في تعلم القيادة, وما شجعني أكثر هو حبي لأن ألعب دور المعلم, ولا أقصد بالمعلم أي معلم المدرسة, بل حبي لأن أشارك الناس ما أتمتع به من خبرات وأعطيهم ما يفيد, في البداية خضعت لاختبارات عديدة من قبل إدارة المرور للتأكد من مهاراتي وإن كنت أصلح لأن أكون مدرباً للسياقة, وعندما تجاوزت كل الامتحانات ذهبت إلى إحدى مدارس تعليم القيادة وعملت معها, فأعطتني إحدى سياراتها مقابل مبلغ مالي أدفعه لها كل يوم, وبدأت العمل, لقد وجدت المتعة والراحة في عملي الجديد, فعندما تعرف أن مردودك اليومي يعتمد على الجهد الذي تبذله فإنك ستشعر براحة كبيرة, وهذا ما لا يشعر به الموظف في الأعمال الإدارية, فراتبه ثابت سواء عمل بجد أم لم يعمل, إلا في بعض الحالات التي قد ينال فيها مكافأة أو اثنتين على مدار السنة, أما أنا فأعرف أني نلت ما أستحق عن العمل الذي أديته, إلا أني وبعد أن تزوجت وأصبحت مسؤولاً عن أسرة, كان لابد لي أن أوفر مدخولاً مادياً ثابتاً, فبت أبحث عن عمل ثابت, ووجدت العمل الذي يناسبني في معهد الشارقة لتعليم السياقة.

في كل مهنة هناك المضحك المسلي وهناك المؤلم الموجع, وكون مهنتي تتعامل مع آلة حوّلها الكثيرون بسبب رعونتهم إلى آلة للقتل فهي محفوفة بالمخاطر, والكل يسمع بارتفاع معدلات القتلى والجرحى في حوادث السير, لم تعد القيادة كما كانت سابقاً (فناً وذوقاً وأخلاقاً) بل أضحت ميداناً لعرض العضلات والتباهي بالقدرة على كسر القوانين وخرق الأنظمة, فدوري كمعلم هو أن ألقن الطالب أخلاقيات القيادة قبل أن أعلمه كيف يتحكم بالمقود ويضغط على المكابح أو الوقود, كان لابد لي أن أكسب ثقة المتدرب, أن أشعره بالأمان, وبأن هناك من يستطيع أن يتدبر الموقف في حال حدوث خلل ما, فشعور المتدرب بالأمان يبعد عنه الخوف والقلق ويجعله أكثر قدرة على التحكم بالسيارة, وهذا ما لم أستطع أن أصل إليه مع كل المتدربين, فمثلاً أحد المواقف التي أذكرها ذلك الذي حدث معي أثناء تدريبي لإحدى السيدات في مدينة أبوظبي, كانت السيارة حينها من ذوات المقودين, أحدهما تمسك به المتدربة والآخر تحت سيطرتي أستخدمه وقت الضرورة, وأثناء سيرنا في أحد الشوارع خرجت السيارة عن سيطرتها فحاولت أن أتدارك الموقف, من خلال الانعطاف يميناً والتوقف, إلا أن حالة الخوف التي دخلت فيها تلك المتدربة جعلتها بلا شعور تمسك المقود بقوة, عجزت معها من تحريك مقودي, وكما تعلمون فالمقودان مرتبطان ببعضهما, لم يكن أمامي إلا أجزاء من الثانية كي أخرج من الموقف, ونفد الوقت مني وعندما أيقنت الفشل فوضت أمري لله, فما كان إلا أن تلقانا الجدار الفاصل بأحضانه, وأحمد الله أن الخسائر جاءت في الحديد فقط.

هناك بعض المتدربين تشعر أنهم مهيؤون بالفطرة لأن يقودوا السيارات بمهارة, وهناك بعض آخر بعيد كل البعد عن ذلك, ولعل أفضل مثل على هذا الأمر هو ذلك المتدرب الذي استنفد حصصه التدريبية الخمسين, دون أن يتعلم كيف يقود السيارة لأمتار قليلة ومن ثم إيقافها, فما كان مني إلا أن قدمت له النصح في النهاية بأن ينزع فكرة تعلم القيادة من رأسه, فرفض نصيحتي معللاً بأنه وزوجته بحاجة إلى سيارة, فكانت إجابتي له بأن أرسل زوجتك لتعلم القيادة, فهذا أفضل بكثير.

يعجبني المتدرب الذي يسأل عن كل صغيرة وكبيرة, ويتساءل عن فائدة كل معلومة أقدمها له أو طلب أطلبه منه, وهو بحاله هذه مختلف تماماً عن أحد الأشخاص من الجنسية الهندية, والذي منذ أن تعرفت إليه وبدأت تدريبه لا أزال أطلب منه أن ينظر إلى البعيد أثناء القيادة, وبعد انقضاء ما يزيد عن الأربعين حصة, خطر بباله أن يسألني سؤالاً خطيراً, وهو لماذا عليه أن ينظر إلى البعيد؟!

اليوم أفكر بأنه آن للفارس أن يترجل, وآن للطيور المهاجرة أن تعود, فقد بلغت من الغربة حد التخمة, أريد أن أقضي أيام شيخوختي في قريتي الوادعة, فلا أعرف إن كنت سأترك عملي هذا الصيف وأعود إلى بلدي, أم أني سأبقى عاماً آخر, أقدم خبراتي لعدد إضافي من المتدربين, وأعرض نفسي لمواقف جديدة.

إنها أمانة كبيرة هي التي في عنقي رغم بساطة مهنتي, فسلامة كثيرين تعتمد على إخلاصي في عملي, وإكساب المتدرب كل المهارات التي تقيه وتقي غيره شرّ الحوادث.

اليوم وبعد أربعة وعشرين عاماً من عملي في هذا المجال أفخر بسجلي الخالي من الحوادث, وأحزن على زملائي الذين كلفتهم لحظة غفلة خسائر كبيرة, قد تصل أحياناً إلى خسارة السيارة, والتي لا تعدّ خسارة كبيرة إذا ما قورنت بخسارة في الأرواح.