كيف تكسب احترامك لنفسك؟

“ماذا يُفيدك إذا أنت كسبت العالم، وخسرت نفسك؟”.. تلك هي الحكمة الخالدة، فأكبر رهان يواجه الإنسان هو أن يكسب احترامه لذاته، لأن الأخلاق داخل البشر ضعيفة تهمس ولا تصرخ، ومن السهل أن يُحجب الهمس، والبيئة المرضية هي التي لا تسمع لهذا الهمس بل إنها تقمعه، فتثير الكراهية وتقضي على الطاقة الإيجابية، أما التصرف الذي يدعم البنائية والاعتدال فهو الذي يُعلي من ذلك الهمس، ليحوله إلى طاقة محركة تقود الإنسان إلى ما هو خير له وللجميع.

إعداد: أحمد عصمت

إن تلك الهمسات التي نُعلي صوتها لتبدو كصرخات هي ما نختصرها مجازاً بتعبير “احترام النفس”، والتي يستوجب وجودها شعور الإنسان براحة مع ضميره، يقدّرها ويشعر نحوها بالسموّ، ومن تبعات ذلك أن يحترم الآخرين بالضرورة، لأن علاقاته التفاعلية في محيط مجتمعه تتأثر بنظرات الإنسان لنفسه الداخلية، فكلّما حمل تقديراً وسموّاً لها، كان تعامله مع الآخرين يتّسم بتلك الصفات، أمّا إذا حدث العكس، فإنّ نظرته الدنيا لنفسه تتحول في الغالب إلى سلوك مشين لا يقبله مجتمعه.

فعندما يصاب مجتمع ما بالشلل الأخلاقي؛ فإنه بالضرورة يفقد فاعليته العقلية والاجتماعية، مع أن إمكانياته الحضارية قد تكون في نموّ وتوسّع، والأمثلة هنا ما أكثرها، فبعض المجتمعات عرفت الإباحية والانحلال الأخلاقي، الأمر الذي يعرضها بالكامل لمنعطف خطير ومخيف، فزيادة عدد جرائم الاغتصاب وجرائم القتل والشذوذ والعنف مرجعه إلى الانفلات الأخلاقي، وليس معنى كلامي هو هجوم على مجتمع بعينه ولكنه واقع نراه بأم أعيننا، وعلى النقيض، فإن ضبط سلوك الفرد من الداخل يمنع صاحبه من الإضرار بنفسه أو بمجتمعه.

إن أعظم المعارك يتمّ خوضها وحسمها داخل النفس، ففيها تصنع الانتصارات والهزائم الكبرى، وأساس النجاحات الشخصية نجاح خلقي في المقام الأول، فالأخلاق سبب للسعادة في الدنيا، وصاحب الخُلق الحسن يحب الناس ويحبونه، ويتمكن من إرضائهم فتلين له الصعاب وينجح في أعماله ووظائفه ويترقّى بسببها إلى أعلى الدرجات.

 

القوة والضعف

الموضوع هنا له علاقة وطيدة بنظرة الإنسان لنفسه، فكلما كانت تلك النظرة متدنية فإن صاحبها يركز على محاولة إثبات ذاته أو التأثير على الآخرين، فهو يميل إلى استخدامهم من أجل مصلحته الخاصة، وقد يتصرف بتعال أو باحتقار للآخرين حيث تنقصه الثقة في ذواتهم، ويشكك دائماً في قيمتهم وإمكانية تقبلهم.

فالفرد الذي لا يحترم ذاته لا يعرف مصادر قوته ولا نقاط ضعفه، ويقترن بذلك بعض من العوارض السلبية، أبرزها فقدان الثقة بالنفس وبقدراتها الحقيقية، والتردد والعجز عن اتخاذ القرار، والانسحاب من العلاقات الاجتماعية والشعور بالإحباط، ومن ثم الفشل في القيام بالأدوار البسيطة المنوطة به، ناهيك عن الشعور بالتفاهة وانعدام القيمة والتمركز حول الذات، والشعور بعدم الأمان.

ولكن الأعراض السابقة تأخذ شكلاً آخر أكثر سلبية مثل التحرش بأفراد المجتمع أو العدوانية، وتلك التصرفات تنبع من النظرة المتدنية للمجتمع وكراهية المرء لأفراده، وبالتالي عدم تقديره واحترامه لهم، وهذا ما يفسّر ظاهرة التحرش الجنسي مثلاً، أو الانحرافات السلوكية الأخرى كالإدمان على المخدرات.

إنّ تدقيق النظر في هذا الموضوع يقودنا إلى مناقشة قيم الإنسان وفكره، وهي مناقشة معقدة بطبيعتها، ولكن على الرغم من ذلك فإن هناك اتفاقاً عاماً على أنّ (احترام النفس) يتضمن أبعاداً معرفية ووجدانية وسلوكية، لأن الفرد واعٍ لذاته، لذلك فإن لديه الخيار في اختيار الشخص الذي يرغب في أن يكونه، وذلك يعتمد على كيفية رؤية الفرد لذاته.

 

قبح الشهوة

لا جدال أن اختيار الفرد للطريق الذي يسير فيه يكون نابعاً من عقله، ولكن الكثيرين لا يتحركون بناء على توجيهات عقولهم، وإنما بدافع من سيطرة الشهوانية على نفوسهم، فتكون تصرفاتهم دون وعي، وبانقيادهم لإلحاحهم الغريزي يجعلون نفوسهم في موطن استجابة، ويتوقف عمل العقل إذا كان أسير تلك الغرائز الفطرية، ويكون صاحب الغرائز في هذه الحالة مستجيباً لها مستسلماً لأوامرها.

إنّ عدم اهتمام بعض الناس بالكرامة الشخصية هو أبرز العوامل للوقوع في فخّ الانقياد وراء الشهوات، في حين أنّ احترام الإنسان لنفسه ولشخصيته يقف حاجزاً ورادعاً عن طغيان الشهوة، ولهذا السبب نجد أنّ الأشخاص الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية لا يستسلمون لطغيان الشهوة بسهولة، ولا يقعون ضحية الأهواء والنوازع الرخيصة وخاصةً التحلّل الجنسي أو غريزة الغذاء وإشباع البطن، لأن مكانتهم الاجتماعية وسمعتهم تقف سدّاً قوياً أمام ذلك، وعليه فإنّ من يستسلم لنداء الشهوات ويرضخ لتحدّياتها هم فقط الأشخاص الّذين يعيشون في ظلّ شخصية ضعيفة، وهذا ما يوصلنا إلى نتيجة مؤداها أن هؤلاء “غير محترمين”.

والإنسان من بين سائر الحيوانات ذو فكر وتمييز، وإذا غاب العقل أخذت الشهوات مكانة قوية لديه، وإذا حدث ذلك فإن المجتمع لن يسلم من أذاه، أمّا إذا استحكم العقل، فإن الشهوات تتراجع في مكانتها، وسيفكر الفرد في كل تصرف قبل أن يفعله، وسيكبح جماح نفسه الشهوانية، وبذلك فإنّه يقدم لنفسه احتراماً يقع خيره عليه، وعلى المجتمع بالتبعية.

 

رياضة نفسية

إن الخُلق هو حال النفس، وقد يكون في بعض الناس غريزة وطبعاً، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة النفسية، فمثلاً الكرم، قد يوجد عند كثير من الناس من دون رياضة، والشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة قد يولد الإنسان بها.

وتنقسم النفس عموماً إلى الشهوانية، والغضبية، والمفكرة، أمّا الشهوانية فقد تكلمت عنها وهي للإنسان وسائر الحيوانات، لذلك وجب على الإنسان مقاومتها وقهرها، ليكون ضابطاً لنفسه، عفيفاً في شهواته، محتشماً من الفواحش والمحظورات، ومحمود الخلق في جميع ما يتعلق باللذات، ليكون في النهاية مالكاً لها يستعملها في حاجاته التي لا غنى عنها، ويكفيها عمّا لا حاجة به إليه من الشهوات الرديئة.

والنفس الغضبية شبيهة بتلك الشهوانية، حيث يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات أيضاً، وهي التي بها يكون الغضب والجرأة ومحبة الغلبة، غير أن هذه النفس أقوى من الشهوانية وأضرّ لصاحبها إذا ملكته وانقاد لها، فالإنسان إذا انقاد لها زاد غضبه واشتدّ حقده وعدم حلمه، وذهب وقاره وقويت جرأته، وتسرّع عند الغضب إلى الانتقام وزاد في سبّ الآخرين، وأسرف في عقوبتهم، لذلك يجب على الشخص أن يسوس نفسه الغضبى ويؤدبها ويقمعها، فإذا ذلّلها كان صاحبها حليماً ووقوراً.

وأمّا النفس المفكّرة فإن الإنسان يتميز بها عن الحيوانات، وهي التي بها يكون الفكر والتمييز والفهم وهي التي بها أيضاً شرف الإنسان، وكلّما استحكم العقل داخل الفرد كلّما زاد تقدير الفرد لنفسه، لأنه يستطيع من خلالها أن يعرف المحاسن من القبائح، وبها يمكن للإنسان أن يهذب قوّتَيه الأخريين الشهوانية والغضبية، ويضبطهما ويكفّهما، وبها يفكر في عواقب الأمور فيبادر باستدراكها من أولها.

ولصاحب النفس المفكرة فضائل يعمّ خيرها عليه وعلى المجتمع بالكامل، إذ تقترن بها فضائل أخرى، مثل العفة، القناعة، الحلم، الوقار، الحياء، الودّ، الرحمة، الوفاء، الأمانة، كتمان السّرّ، التواضع، سلامة النية، السخاء، الشجاعة، المنافسة الشريفة، والصبر.. وتلك الصفات لا تتأتى إلا بالرياضة النفسية، التي يحول الشخص من خلالها نفسه المفكرة إلى نفس خيرة فاضلة قاهرة للنفسين الباقيتين، ويواجه بها شرّ نفسه المفكرة التي قد تقوده إلى خبائث أعظم في شرّها من النفس الشهوانية والغضبية، وبتحكم الشخص في هاتين النفسين يكون احترم ذاته واحترم مجتمعه.