كيف تضع “خطة مالية واقعية” لمشروعك؟..

“التخطيط”، بشكل عام، هو العملية المُثلى التي يتمّ من خلالها وضع النقاط الأساسية لضمان سير العمل، أو بتعبير آخر “وضع النقاط على الحروف” كما يقولون، فعبر التخطيط تُوضع -ببساطة- النقاط التي ترتكز عليها المؤسسة، من نقاط قوة أو ضعف.

د. علي عبد الله أكاديمي متخصص بعلوم الإدارة

ويمكن تعريف “التخطيط” عموماً على أنه “مرحلة دراسة للمحيط والمؤثرات المختلفة لتصور المستقبل وتحديد هدف أو مجموعة أهداف ترغب المنظمة في تحقيقها في المستقبل”، وهو بذلك يجيبنا عن أسئلة مصيرية بالنسبة للمشاريع الريادية، من قبيل ماذا يجب فعله؟ وكيف يجري فعله؟ ومتى يتم فعله؟

أما التخطيط المالي فهو “نوع من التخطيط الذي يركز على كيفية الحصول على الأموال من مصادرها المختلفة، وكيفية استثمارها وإنفاقها، بحيث يتمّ الحصول على أكبر فائدة من وراء هذا الاستثمار”. والتخطيط المالي للمشروع من الأمور بالغة الأهمية، بل ربما كان أهم الأمور على الإطلاق، فأفضل شيء يمكنك القيام به من أجل مشروعك هو أن تضع خطة ما تتضمن كيفية الوصول إلى أهدافك المالية.

والتخطيط المالي، كنشاط عملي، هو مهمة تحديد كيفية توفير الأموال اللازمة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للأعمال. وعادة ما تقوم الشركة بوضع خطة مالية عقب وضع الرؤية والأهداف على الفور.

وتُفصِّل الخطة المالية كل الأنشطة والموارد والمعدات والمواد اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وكذلك الأطر الزمنية اللازمة لتنفيذ كل هذه الأنشطة بدقة.

 

“تحليل المخاطر” أولاً

قبل القيام بوضع الخطة المالية، هناك خطوة تمهيدية ضرورية ينبغي إجراؤها حتى يقوم التخطيط المالي على أساس سليم، وتتمثل هذه الخطوة في التحليل المالي، أي تحليل المركز المالي للمنشأة، والتعرف على نقاط القوة والضعف فيها، كالطبيب الذي لا يمكنه “وصف العلاج قبل تشخيص حالة المريض أولاً”.

وتتوقف كفاءة الخطة المالية على مدى دقة التنبؤات التي تقوم عليها هذه الخطة، حيث يعتمد القائم بالتخطيط على مصادر عديدة للمعلومات، وعلى أساليب متعددة للتنبؤ، مثل النماذج الاقتصادية التي تقوم بتحليل التفاعل بين المتغيرات المختلفة، كما يتم الاعتماد أيضاً على الأساليب الإحصائية التي تقوم بتحليل السلاسل الزمنية، وعلى النماذج التسويقية التي تهدف إلى دراسة سلوك العميل.

وقد يلاقي المُخطط المالي -سواء أكان متخصصاً يُستعان به في هذا الصدد، أم كان رائد الأعمال نفسه- صعوبة في عملية التنبؤ، ترجع إلى ضرورة وضع تصورات تشمل كل الظروف المحيطة بالمشروع، مثل نسبة التضخم المتوقعة، ومعدلات نمو البيئة الاقتصادية التي يعمل في إطارها، ومدى توافر المواد الخام في المستقبل، وأسعار العملات المختلفة، وسواها من العوامل الخارجية، جنباً إلى جنب مع الظروف الداخلية للمشروع.

ولدى قيام المخطط المالي بعملية التنبؤ هذه، لا بد له من دراسة كل من الظروف المتوقعة والظروف غير المتوقعة؛ حيث إن تحليل المخاطر التي يمكن أن يواجهها المشروع عند المفاضلة بين مجالات الاستثمار البديلة يعد من صميم عمل القائم بالتنبؤ والتحليل المالي.

ولذلك، لا بد لأي منشأة، مهما كانت طبيعة نشاطها أن تعد خطة مالية تغطي فترة زمنية مستقبلية، يرى الكثيرون ضرورة ألا تقلّ عن سنة، إلّا أن طبيعة نشاط المنشأة هي التي تحدد فترة هذه الخطة، والتي قد تكون سنوية في بعض المنشآت، أو نصف أو ربع سنوية، وفي بعض المنشآت ذات الطبيعة الخاصة، قد يتحتم عليها إعداد خطة نقدية أسبوعية أو يومية أحياناً.

وتنبع أهمية التخطيط المالي من خلال ما يحقّقه للمنشأة من فوائد؛ حيث إنه يتيح الفرصة للتعرف على الاحتياجات المالية المستقبلية، والاستعداد لها بشكل مسبق. كما يساعد التخطيط (المالي) إدارة المنشأة على تجنب اللجوء المفاجئ لمصادر الأموال من أجل الحصول على التمويل اللازم، وما قد يترتب على ذلك من تكلفة مرتفعة تؤدي إلى إضعاف المركز المالي للمنشأة في السوق.

والخطة المالية، بهذا المعنى، هي أداة لتخطيط التدفقات النقدية الداخلة، أي المقبوضات، وكذلك التدفقات النقدية الخارجة، أي المدفوعات، خلال فترة زمنية مستقبلية، لتوقع الأوقات التي يحتمل أن يكون بها فائض مالي إن وُجد، وقيمة هذا الفائض، ومدة الاستغناء عنه للبحث عن فرصة لتوظيفه وتحقيق عائد منها بدلاً من تركها عاطلة، وكذلك معرفة الأوقات التي يحتمل أن يكون بها عجز نقدي، وقيمة هذا العجز، للبحث عن كيفية تدبيره من المصادر المناسبة، قبل أن يُفاجأ رائد الأعمال بحدوثه فعلاً.

 

أبعاد الخطة المالية

لا بد للخطة المالية أن تتضمن بعدين أساسيين، الأول يتعلق بالتكاليف المتوقعة وبنودها الأساسية، والثاني يتعلق بالعوائد المتوقعة.

وفي هذين البعدين يتم الاعتماد على التوقعات المرتبطة بالخبرة والمعرفة بالسوق، وعلى معرفة صاحب المشروع الجديد بالمنتج أو الخدمة التي يقدمها للسوق وللعملاء المستهدفين.

ومن أجل استكمال الخطة المالية للمشروع لا بد من إعداد كشف التدفق النقدي، ويلخص هذا الكشف جميع التكاليف والنفقات المتوقعة التي يتوقع أن يتحملها المشروع خلال سنة، وعادة ما تكون هذه التكاليف قابلة لأن تُقسم على أساس شهري، فضلاً عن كشف الأرباح والخسائر، وهو تلخيص لنتائج أعمال المشروع يعبر عن الفرق بين العوائد (الدخل) والتكاليف والنفقات، وأخيراً الميزانية، وهي تلخص المركز المالي للمشروع في نقطة معينة من الزمن عادة في نهاية السنة، ويمكن إعداد ميزانية شهرية من أجل تحقيق سيطرة أفضل على أعمال المشروع.

ومن أجل تحسين إعداد الخطة المالية على أسس سليمة تساهم في نجاح المشروع، لا بد من القيام بتحليل التدفق المالي، وهو عملية تحليل حركة النقود من داخل المشروع إلى خارجه وبالعكس. والتدفق النقدي الخارج يُمثِّل التكاليف أو النفقات الضرورية لعمل المشروع، مثل سداد الإيجار، ومشتريات المواد، وأجور العاملين. في حين أن التدفق النقدي الداخل يُمثِّل الدخل أو العوائد الناتجة عن المبيعات المتحققة أو المتوقعة.

ويجب أن نعرف أن التدفق النقدي لا يمثل الربح؛ لأن الربح هو الفرق بين التدفق النقدي الداخل والتدفق النقدي الخارج. فقد يواجه المشروع مشكلة تدفق نقدي حتى عندما تكون أعماله مربحة.

ولا بد، أخيراً، من الاهتمام بعملية “متابعة التنبؤات” التي يتم بناء الخطة المالية في ضوئها، خاصة في حالة حدوث بعض الظروف غير المتوقعة. وبما أن الخطط المالية تستخدم كمعايير للحكم على الأداء في المستقبل، فإن عملية تقييم الأداء لن تصبح ذات فائدة تذكر إلا إذا أخذنا الظروف الاقتصادية المحيطة بالمشروع عند تحقق الأداء محل القياس في الحسبان فقد ينحرف الأداء عن الخطة التي سبق إقرارها نظراً لمرور السوق، مثلاً، بمرحلة مؤقتة من الكساد.