(كن ذا عزيمة)..!

يقول الشاعر:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * فإنّ فساد الرأي أن تتردّدا

وقد أصبح هذا البيت من الشعر مضرب مثل على مرّ العصور؛ لما له من دلالات مهمّة حين يتعلّق الأمر باتخاذ أيّ قرار.. إذ لا يكفي أن يضع الإنسان في ذهنه أو أن يقرّ بلسانه أنّه سيفعل كذا، أو أنّ قراره تجاه مسألة معينة هو كذا.

بقلم: يحيى السيد عمر

وإنّما عليه أن يقرن قوله بالفعل، وعليه أن يمضي بعزيمة نحو هدفه، مدركاً للعقبات التي ستعترض سبيله، وعارفاً لطرق تذليلها وإزالتها.

في الواقع، إنّ معظم الناس يدركون هذه المسألة، وأنا هنا لا أريد الحديث عن اتخاذ القرار وضرورة دراسته وما إلى هنالك من نقاط نعرفها جميعاً، وإنّما ما أريده هو الحديث عن القرار الذي يتّخذه الإنسان في لحظات عاطفية، كأن يكون في حالة غضب أو مفاجأة أو حزن..

قد لا ندرك خطورة هذه المسألة في لحظتها، لكننا سندركها -دون أدنى شك- حين نلمس النتائج على أرض الواقع، وتكون هذه النتائج في أغلبها فاشلة أو كارثية!

خلال اليوم الواحد وما بين استيقاظنا ونومنا، نتخذ عشرات القرارات البسيطة، التي يتخذها معظم الناس، وربّما تكون عفو الخاطر دون حاجة إلى عميق تفكير، كأن أقرّر مثلاً إن كنت سأتناول القهوة في المنزل أم في العمل، أو أيّ طريق سأسلك لأصل إلى مقرّ عملي، أو حتّى ماذا سأتناول على الغداء..

رغم بساطة هذه الأشياء، إلّا أنّها تبقى قرارات، وتشير بشكل أو بآخر إلى مدى جدّية الإنسان ومقدرته على التحكّم بحياته ومستقبله، فالأشياء الصغيرة ما هي إلّا نموذج مصغّر عن أشياء أكبر..

وفي الواقع هناك أشخاص عاجزون حتّى عن اتخاذ هذه القرارات البسيطة، فيتركون للآخرين اتخاذها عنهم، لأنّهم يخافون من تحمّل مسؤولية العواقب، مهما كانت بسيطة.

أمّا فيما يتعلّق بالقرارات المصيرية، فقد تمرّ أيام وشهور دون أن يضطر الواحد منّا لاتخاذ أحدها، وقد يأخذ قرارين أو ثلاثة من هذا النوع في اليوم الواحد، وذلك حسب المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ويزداد الأمر حساسية حين تكون مسؤولاً عن أشخاص آخرين، كأن تكون ربّ أسرة، أو مديراً أو عاملاً في مجال حسّاس تجاه الآخرين كالطبيب المعالج أو الجرّاح أو القاضي…

ونحن لا نستطيع أن ننكر أنّ الإنسان مهما كان قويّ الإرادة وحازماً، فإنّ حالات الاضطراب العاطفي تستطيع أن تسلبه تركيزه؛ لأنّه بطبيعته مجبول من العاطفة، وفي الواقع إنَّ هذا لا يشير بشكل من الأشكال إلى الضعف، بل إلى الإنسانية.

وليس صعباً أن نتجنّب الوقوع في الخطأ واتخاذ قرار سيّئ؛ لأنّنا ببساطة نستطيع تأجيل اتخاذ هذا القرار، أو على الأقلّ تدارسه مع الآخرين، وبذلك نستطيع ضمان قرار سليم وعادل.

وإذا فكّرنا ببيت الشعر سابق الذكر بطريقة معكوسة، نرى أنّ العزيمة وعدم التردّد لا يكفيان، لأنّك يجب أن تتّخذ القرار الصحيح أولاً.

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF اضغط هنا