كريتركام.. العالم بعدسة الحيوانات

استطاع الإنسان خلال مسيرة بحثه العلمي، ومحاولاته إدراك الطبيعة التي يعيش فيها، أن يصل إلى أقاصي الأرض وأعماق البحار والمحيطات، وأعلى القمم الجبلية، واستطاع أن يدرس أصناف الكائنات التي تعيش في محيطه الطبيعي، وبعيداً عنه، بدءاً من الحوت الأزرق أضخم الكائنات البحرية وانتهاء بأصغر الفيروسات والكائنات المجهرية.. وكل ذلك بفضل أحدث المعدّات التقنية العلمية التي ابتكرها لتسهّل عليه أبحاثه، لكنّه برغم ذلك بقي عاجزاً عن إدراك بعض المناطق الصعبة، فالطبيعة أعمق وأخطر وأقوى من أن يصل إليها إنسان..

إعداد: آس غاله

في أقاصي الأرض، حيث يغطي البياض قارّةً ومحيطاً، ويصل سمك الجليد إلى ما يقارب 1000 متر، يوجد عالَم آخر يحلم البشر باستكشافه، فهناك.. تحت سطح الجليد وفي المياه التي تنخفض حرارتها إلى ما دون ستين درجة مئوية تحت الصفر، تعيش أنواع مختلفة من الحيوانات لا نعرف عنها إلّا القليل.. وكذلك الأمر في أدغال إفريقية ومروج السافانا المخيفة، ولا تختلف الحال كثيراً في أعماق المحيطات حيث الشمس لا تعرف سبيلاً للنفاذ..

لكنّ العلماء المصابين بهوس الاستكشاف والمعرفة، لا يقبلون الهزيمة أمام الصعوبات، فشغّلوا كل طاقاتهم في سبيل هذه المعرفة..

الـمُلهِمة.. سمكة!

هذا ما فعله عالم الأحياء غريغ مارشال الذي يقوم بتصوير برامج علمية وثائقية حول مختلف أنواع الحيوانات البحرية.. فمنذ أكثر من عشرين عاماً وبينما كان مارشال الشاب يغوص على طول الشعاب المرجانية في (بيليز)، أذهلته رؤية أسماك (ريمورا) صغيرة تعلّق نفسها بأسماك القرش وتنطلق معها، هذا المشهد أطلق خيال مارشال الذي فكّر بالمناظر التي يمكن لسمكة (ريمورا) رؤيتها أثناء رحلتها مع سمكة القرش، فخطر له ربط كاميرا فيديو صغيرة مع سمكة القرش تجعله يرى العالم في عين هذه السمكة.

هذا الأمر سيمنح القرش فرصة التعبير وقول ما تريد عن نفسها بصدق وشفافية ودون تدخل من الإنسان، إنها ببساطة شيء يشبه تلفزيون الواقع لكن هذه المرة واقع الحيوانات، بكلّ تجرّد وشفافية..

لحظة الدهشة هذه أطلقت طاقات مارشال لتطوير كاميرا خاصة أحدثت ثورة في عالم الأحياء البحرية أطلق عليها (كريتركام)، استطاعت التقاط أصغر أنفاس الحيوانات التي كانت بعيدة المنال وصعبة الدراسة..

كريتركام متعددة المواهب!

لكنّ مارشال وفريقه لم يتوقّفوا عند النموذج الأول لهذا الاختراع، بل قاموا بتطويره باستمرار ليصبح أخفّ وزناً وأصغر حجماً وأكثر قوّة، إضافة إلى توسيع نطاق استخدامه لدراسة سلوك أكثر من ثلاثين نوعاً من الحيوانات البحرية، بما فيها أسماك القرش الأبيض الكبير، وحوت العنبر، والبطريق، والفقمات والسلاحف البحرية.

واجه مارشال مشكلة أثناء تصوير فيلم لتلفزيون (ناشيونال جيوغرافيك) حول الحيوانات التي تغوص إلى أعماق كبيرة، كحوت العنبر، فهي تصل إلى أعماق تتجاوز آلاف الأقدام في الماء المظلم، والضغط الهائل، فكانت المشكلة تكمن في استخدام إضاءة مناسبة لا تؤثر على سلوك الحيوانات الطبيعي، لأن أي نوع من الإنارة سيغيّر من أسلوب حياتها، فقد تفقد فرائسها أو تهرب بنفسها من الضوء، فتتصرف على غير عادتها ما يفقد المادة العلمية مصداقيتها، لأن مارشال وفريقه كانوا يهدفون إلى تصوير حياة وسلوك الحيوانات في محيطها الطبيعي ودون أي مؤثّر خارجي.

لكن الفريق المجتهد استطاع حلّ هذه المشكلة باستخدام (ديودات) ضوئية متراصّة تصدر ضوءاً من الأشعة تحت الحمراء القريبة، حيث تستطيع الكاميرا رؤية الضوء، بينما لا يستطيع الحيوان ذلك، وبذلك يمكنها تصوير ما يراه الحوت مثلاً لمسافة مترين إلى ثلاثة أمتار دون أن تغيّر من سلوكه.

توضع هذه الديودات داخل أسطوانة صغيرة على شكل طوربيد، ويتيح صغر حجمها مساحة كافية لوضع أجهزة أخرى داخل الأسطوانة، وهذا ما فعله مارشال وفريقه، فأضافوا إلى الكاميرا الرقمية أدوات تسجيل الصوت والزمن والعمق ومدّة الغوص، والاتجاه ودرجة الحرارة والسرعة..

كلّ ذلك في علبة واحدة صغيرة تعلّق على ظهور الحيوانات البحرية أو على زعانفها، حسب حجم الحيوان، من أجل إيصال الحقيقة العلمية المجرّدة من وجهة نظر صاحبها.

لكن كيف يستطيع العلماء استعادة كاميرتهم وفيلمهم الثمين بعد انتهاء مدّة التصوير؟

ثمّة أداة توقيت داخل الأسطوانة تقوم بتحرير كريتركام لتجعلها تطفو إلى السطح، فتبثّ إشارات إرسال يقوم العلماء بالتقاطها ثمّ استعادة كاميرتهم..

لقد استطاعت كريتركام التقاط لحظات من حياة تلك الكائنات البحرية ما كنّا لنحلم برؤيتها، فمشهد سمكة القرش التي تحمل كريتركام على زعنفتها الظهرية وهي تطارد فرائسها يخطف الأنفاس، بينما يدهش المرء وهو يرى حيتان العنبر تتعاون لاصطياد فرائسها بنفخ الفقاقيع ودفع (غدائها) إلى السطح لالتهامه فيما بعد.. كما ترسم كريتركام طريق البطريق وهو يطارد بعض الأسماك غائصاً قليلاً وصاعداً قليلاً..

إلّا أن صعوبات أخرى واجهت فريق العلماء أثناء التصوير، فقد كانت بطارية الكاميرا تكفي لتصوير فيلم مدّته ساعتان لا أكثر، بينما احتاج العلماء إلى وقت أطول من هذا بكثير، لاسيّما مع الحيوانات التي تحتاج الصعود إلى السطح، في الوقت الذي يريد العلماء تصويرها في بيئتها المائية.

استطاع فريق العلماء حلّ المشكلة وتطويل مدّة التصوير إلى ستّ ساعات وأحياناً إلى ثمانية، وذلك بتطوير الكاميرا لتقوم بالتصوير مدّة معيّنة والتوقّف مدّة أخرى، ما يتيح وقتاً أطول مع الحيوان الذي يحملها، عن طريق توفير طاقة البطارية.

كريتركام بـرّية

رغم أن مارشال وفريقه طوّروا كريتركام لتصوير الحيوانات في عالم البحار والمحيطات، فعرفت بأنها كاميرا الأعماق المائية، إلّا أنهم لم يستطيعوا مقاومة سحر ما تنقله إليهم من إدهاش لم يصل إليه إنسان من قبل.. وتلك المعلومات الغنية التي تمّ جمعها، جعلتهم يطوّرون كريتركام لتصبح كاميرا برّية، فسافروا إلى إفريقيّة وبدؤوا بتجريبها على الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب، تحضيراً لاستخدامها على الحيوانات والضواري البريّة، كالأسود والضباع والذئاب، كي يكون الدخول إلى جحورها المظلمة وعوالمها الوحشية متاحاً دون خوف من هجوم قاتل..

بالتأكيد خضعت كريتركام إلى كثير من التعديلات لتكون مناسبة لمهمّتها الجديدة، وقد واجهتها مشاكل أخرى لم تواجهها في الماء، كاتّساخ عدسة الكاميرا مثلاً، وصعوبة تركيبها على حيوان ضارٍ، وكذلك استعادتها، إلّا أن هذه المشكلات تمّ حلّها ببعض التعديلات البسيطة التي قام بها الفريق العلمي المثابر, حتّى أصبحت كريتركام اليوم الأداة الأكثر إدهاشاً في دراسة عالم الحيوان، بل والأكثر دقّة وموضوعية أيضاً..

استطاع غريغ مارشال أن يحبس أنفاسنا ويرينا عوالم مخفية تمّ تصويرها بعين مَنْ يعيشها لا مَنْ يراقبها, ما جعل ساعة البثّ عبر (ناشيونال جيوغرافيك) تحت عنوان (مغامرات كريتركام)، ساعة من المتعة والفائدة الحقيقيتين، وعالَماً جديراً بالمشاهدة..

المراجع

www.nationalgeographic.com

www.scientificamerican.com