قِطّة.. ودَبُّوس

في المؤسَّسات الخاصّة كلّ شيءٍ ممكِن، كما لو أنّ المرء يَعِيش حُلماً، فلا قوانين ثابتة تحكُم الأنظمة وتُسيِّر الأمور. وبالتأكيد هذا أمر لا ينطبق على جميع المؤسَّسات الخاصّة، لكنه دون أدنى شَكّ ينطبق على مؤسَّسة السيد (سالم).

بقلم: آس غاله

سكرتيرة السيد (سالم) فتاة جميلة ومُدلَّلة اسمها (نور)، وهي جيِّدة في عملها ولطيفة مع جميع الموظَّفين وتقدِّم لهم كلّ مساعدة ممكِنة، لكن عندها مُشكلة واحدة: قِطّتها (تالا)، فـ(نور) لا تستطيع ترْك قِطّتها الصغيرة في المنزل وحدَها؛ لذلك طلبتْ إذْن مُديرها وزُمَلائها في اصطحاب القِطّة إلى المكتب.

حَظِيت القِطّة بكلّ الدَّلال الذي تحلُم به قِطّة، فكان الجميع يلعبون معها ويحضرون لها الطعام والحليب وكُرات الصُّوف، وذَهَب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين أحضر لها دُمية على شَكْل فَأْر.

بَقِيت الحال على ما هي عليه مدّة شهريْن، ولم يعترِضْ أحد على وجود القِطَّة، حتى جاء يوم..

كانت (نور) تُحضِر قِطَّتها في صندوق بلاستيكيّ أنيق، تقفله بإحكام خَشيةَ سقوط القِطّة المدلَّلة، لكنها في ذلك الصباح، وبعد أن وَصلتْ إلى مكتبها وبينما كانت تحاول فتح الصندوق كُسِر المفتاح داخل القفل، والقِطّة المسكينة محبوسة في الداخل تموء خوفاً.. أسرعتْ (نور) في البحث عن دَبُّوس أو أيّ أداة أخرى لفتح القفل دون إيذاء القطة، لكنها وجدت أن الدبابيس نَفِدتْ.

هُرِعتْ إلى المكاتب الأخرى مُستغِيثة: يا جماعة، قِطّتي، (تالا)، محبوسة في الصندوق، أريد دَبُّوساً..

بحث الجميع في أدراجهم، قلبوا المكاتب بحثاً عن دبوس، لكنّهم لم يجدوا شيئاً، لا دبابيس.. لا أقلام جديدة.. لا مشابك ورق، ولا حتى ورق..

وجد (محمد) مجموعة أوراق مضمومة بدَبُّوس، فنزعه منها وأسرع لإنقاذ القِطّة، فلحق به الجميع إلى مكتب (نور)، وبعد رُبُع ساعة من المحاولات، أثمرت جهوده بتحرير (تالا)، فصَفَّق له الجميع مُهلِّلين، وباركوا لـ(نور) بسلامة قِطَّتها، وأخذوا يُقدِّمون لها النصائح من أجل المرات القادمة.. وفجأة…

انتبه (محمد) إلى وجود خلل ما، قال لهم:

– يا جماعة، لماذا لم نجد في المؤسسة دَبُّوساً واحداً؟!

صَمَتَ الجميع، حدَّقوا ببعضهم مُستغرِبين، بينما استأنف (محمد) كلامه:

– منذُ شهريْن شكَّلنا لجنة مُشترَيات، وكنتُ عُضواً فيها، وقد اشترَيْنا أدوات مكتبية تكفينا مُدّة عام كامل، وكانت اللائحة مُتضمِنّة كل ما يمكن أن نحتاجه، وذلك في اليوم ذاته الذي اشترَيْنا فيه آلة النسخ الجديدة.

سأله أحدهم:

– آلة النسخ موجودة، لكن أين الأدوات المكتبية التي تتحدث عنها؟!

– في الواقع، أنا في حيرة من الأمر، كان يُفترَض بنا استلام كل المطلوب بعد أُسبوع من شِراء الموادّ، لكنني سافرتُ بعد يوميْن وبقي الأمر في يد رئيس اللجنة السيد (سعيد)، والعُضْو الآخَر (مروان).

اتجهتْ كلّ الأنظار إلى (مروان) الذي امتُقِع وجهه، وكان قد ارتشف لتوّه بعضاً من فنجان الشاي أمامه، (فشَرِق) به وأخذ يسعل بقوة، والجميع صامتون يحدِّقون به مُنتظِرين تبريراً.

بعد أن توقف عن السُّعال قال لهم:

– أرأيتم.. هذا ما تجلبه لنا تلك القِطّة الغبية.

ذُهِل الموظَّفون: ماذا يقول هذا الأحمق؟!.. ما شأن القِطّة بالأدوات المكتبية؟!

تابع (مروان):

– لقد أصابتني الحساسية منها (سعل من جديد) ألا ترونني؟!.. إنني أتنفَّس بصعوبة.. أخشى أن أُصاب بالإغماء.. أحضروا لي بعض الماء.. أبعدوا هذه القِطّة عني..

بعض الموظَّفين أصيب بنوع من الصدمة بسبب الوصلة الدرامية التي أدّاها (مروان)، فقال أحدهم:

– الآن عَرَفْنا من سينال الأوسكار عن أفضل أداء!

تفاقمتْ قِصّة الدَّبُّوس.. وبدأ (محمد) يتحرّى الأمر، فقد عَلِم أن ثمّة لُعْبة خَبِيثة تدور في المؤسَّسة، وبعد أيّام من العمل الاستخباراتيّ اكتشف أن (سعيد) وهو رئيس قسم في المؤسَّسة، ومعه (مروان)، قاما بلُعْبة قَذِرة لسَرِقة المؤسَّسة، فطلبا أدوات مكتبية تكفي مدّة عام مع آلة النسخ، واتفقا مع البائع على خُطَّتهما مُستغِلّين سفر (محمد) لتنفيذها، فقد اعتقدا أن الأدوات المكتبية الموجودة حالياً في المؤسَّسة ستكفيهم لعام آخَر، وذلك بسبب خطأ من (مروان)، لأنه ظنّ أن المخزن يحتوي أدوات مكتبية فائضة من الأعوام السابقة، فقاما بدفع ثمن الأدوات المكتبية التي لم يتمّ شراؤها، لكنهما لم يدفعا للبائع وإنما دفعا ثمنها لجيوبهما، وحين جاءت آلة النسخ، كانت تغطية جيدة، لأنها استحوذت على الاهتمام، ونسِي الجميع أمر الأدوات المكتبية التي تذهب عادة إلى مخزن المؤسَّسة..

المبْلَغ المختَلَس ليس كبيراً، ولعلّهما صرفاه في رحلتهما إلى ماليزيا منذُ شهر، لكنّه يبقى مَبْلغاً مختلَسَاً.. وهو ليس من حقِّهما..

حين وضع (مروان) (سعيد) بصورة الموقف وهو يرتعش من وصول الأمر إلى المدير، وجد (سعيد) أن عليه التحرُّك بسرعة لتفادي العواقب، فقال له:

– يجب أن ينسى هؤلاء الأغبياء أمر الدبابيس، وأنا أعرف كيف أُنسِيهم.

في اليوم التالي جنّد (سعيد) عدداً من الموظَّفين المقرّبين منه، لتنفيذ خُطَّته المجنونة، ففوجئ الموظَّفون الباقون وعلى رأسهم (محمد) و(نور) بشعارات مُعلَّقة على جُدران المؤسَّسة، كلّها تدور حول موضوع واحد:

– لا للقِطَط.

– القِطَط حيوانات مُؤذِية تُسبِّب الحساسية والعُقْم.

– سياسة القِطَط.. سياسة التمييز العُنصُريّ.

– القِطَط تنشر الفوضى في المكاتب.

– حارِبوا القِطَط المدلَّلة.

– عاقِبوا أصحاب القِطَط.

قرأ (محمد) الشِّعارات مَذهولاً بغَباء كاتبها، ثم قال لـ(نور):

– كلّ تلك الشعارات فَهِمتُها، ما عدا صِلة القِطَط بسياسة التمييز العُنصُريّ!!

أطرَقتْ (نور) في حُزْن وقالتْ:

– إنهم يقصِدون تمييزي عن الآخَرين؛ لأنّ المدير سَمَح لي باصطحاب (تالا) إلى المكتب..

اقترب الموظَّفون الطَّيِّبون من (نور) وأخذوا يواسونها، فقالت لها صديقتها (هبة):

– لا تحزني، إذا لم يسمحوا لك باصطحابها يمكنك تركها عند أمي في البيت إلى أن تنتهي فترة دوامك.

اعترَضَ موظَّف آخَر قائلاً:

– ولماذا لا يسمحون لها؟!.. نحن لنا مطالبنا أيضاً، نريد أن تبقى القِطّة..

شعرَتْ (نور) بسعادة غامرة لمؤازرة أصدقائها لها، واجتمع مُعظَم الموظَّفين في مكتبها مُعلِنين مُساندتهم لها في قضية القِطّة، في الوقت الذي اجتمع أصحاب (سعيد) مُندِّدين (بالسياسة القِطَطية) ومُطالِبين بحقوقهم المدَنِية ضِدّ تعسُّف النظام القِطَطيّ الديكتاتوريّ..

عَلَت الأصوات من الجِهتيْن، واحتدَمَ النقاش، وكلَّفَ أحد الموظَّفين نفسه عناء البحث عبر شبكة الإنترنت ليَعرِض على زُملائه وثائق من جمعية الرِّفْق بالحيوان مُستشهِداً بما تقوم به بريجيت باردو وغيرها من مشاهير العالم، في محاولة لحماية الحيوانات والحدّ من تعذيبها..

أمّا موظَّفو الطَّرَف الآخَر من النزاع، فقد استطاعوا الحصول على معلومات مُهمّة حول الأضرار الصِّحِّية التي تُسبِّبها القِطَط..

حين دخل المدير إلى المؤسَّسة وجد الفوضى تعمّ المكان، والموظَّفين مُنقسِمين إلى حِزْبيْن: (حِزْب القِطّة)، و(حِزْب اللاقِطّة)..!

ذُهِلَ من هذه الحال التي وصل إليها موظَّفوه الذين نَسَوا أنّ ثَمّة أعمالاً تنتظر من يُنجِزها.. وقَفَ بينهم غير مُصدِّق، وغير قادر حتى على السؤال.. لأنّ الأصوات كلّها كانت ترتفع مُنادِية بشعارات غَبِيّة من الطَّرَفيْن، لكنه استطاع أن يفهم كلمة واحدة: (القِطّة)..

وَسْط كل تلك الجَلَبة، كان (سعيد) يحتفل بانتصاره الخبيث مُنفرِداً، و(نور) تذْرِف الدموع خوفاً مما ستؤول إليه حال قِطّتها، و(مروان) يُشجِّع الموظَّفين على مزيد من الاحتجاج.. والموظَّفون مُنقادون في اتجاهيْن: اتجاه التأييد واتجاه المعارضة.. والمدير في حالة صَدمة!

وحدَه (محمد) كان يَصرُخ بأعلى صوته:

– يا جماعة.. انسُوا القِطّة.. ماذا عن الدبابيس؟!.. ماذا حلّ بالأدوات المكتبية؟!

لكنّ أحداً لم يسمعه.. وغاب صوته في ضباب المعركة، دون أمل في انجلائه لظهور الحقيقة على المدى القريب!!