قبّعة معالي الوزير!

معالي وزير الثقافة في دولة (عربخان) الجمهورية المستقلة, عيّن بقرار سياسي من قبل الحزب الذي فاز بالانقلاب العسكري السابع في العقد الأخير من هذا الزمن..

معالي الوزير يحمل شهادة في التجارة والاقتصاد, وهو رجل أعمال بارز, لكن حقيبة وزارة الاقتصاد ذهبت إلى حزب آخر في ظل السعي الحريص من قبل الحكومة الانقلابية الجديدة على تحقيق التوازنات السياسية والإقليمية في الدولة..

بقلم: آس غاله

(ديمقراطية العالم الثالث).. هي ما يجعل شخصاً مثل عمّار يصبح وزيراً للثقافة.. فهو يمتلك كل المقومات المطلوبة (ديمقراطياً) ليحمل تلك الحقيبة, إنه رجل أعمال له وزنه الاقتصادي, وهو صاحب علاقات واسعة مع الخارج بحكم أعماله وتجارته, وهو من مدينة مهمة في البلد لا يوجد من يمثلها في الحكومة الجديدة..

إذن.. هكذا كان.. تشرفت وزارة الثقافة بأنها صارت حقيبة في يد السيّد عمّار! وللوهلة الأولى, اعتقد هذا الأخير أنه يتسلم مفاتيح مؤسسة جديدة من مؤسساته, لأنه حين دخل مكتبه, راعه منظر الأثاث, فقد كان خشبياً ذا لون بني غامق, وهو يحبّ اللون الأحمر, فطلب تبديل الأثاث بآخَرَ ذي لون أحمر, لكن معاونه شرح له أن ذلك لا يتوافق مع مكانته كوزير, وأقنعه باستبدال الأحمر بالزيتي, اللون الثاني في القائمة المفضلة عنده..

وبعد أن استقرّ له المقام وارتاح للأثاث الجديد، ووظف سكرتيرة جديدة، ووضع في المكتبة صوره مع كبار الشخصيات العرب والأجانب الذين لقيهم سابقاً خلال رحلاته السياحية, أراد أن يثبت أنه رجل جدير بالمهمة الموكلة إليه, فدعا معاونه, الدكتور هادي, وقال له:

– فكّر بنشاط يجعل الناس يتعرفون من خلاله إلى مدى اهتمامنا بالثقافة, وأريد منك أن تدعو وسائل الإعلام كافة إلى هذا الحدث.

بدا الدكتور هادي كمن صعقه تيار كهربائي, فقد كان هذا الاقتراح غريباً جداً, أليس من واجب وزارة الثقافة أن تكون الثقافة شغلها الشاغل؟.. تمالك نفسه, وقال له:

– لا مشكلة لدينا فأنت تعرف أن مهرجان السينما السنوي سيقام بعد أسبوع, وهو الحدث الأبرز حالياً، ونحن نحضر له منذ أشهر, لقد وقّعت بنفسك على كثير من الإجراءات المطلوبة..

مسحة من البلاهة اعترت وجه معالي الوزير, فقد كان واضحاً أن عينيه لم تقتربا قيد أنملة من الأوراق التي وقع عليها منذ أن أصبحت السكرتيرة هدى تدخل إليه البريد!..

– مهرجان السينما!

قال ذلك بصوت مرتفع ليؤكد أنه “خارج التغطية” تماماً.. لكن ولحسن حظ هذه الوزارة المنكوبة, فإن الدكتور هادي وزير بلا حقيبة, فقد اعتاد أن يقوم بالعمل كلّه, ويترك الشهرة لمن يجلس على الكرسي في المكتب الذي يجاور مكتبه..

الدكتور هادي لديه قناعة غريبة.. إنه يؤمن أن هذه الوزارة ليست حقيبة, بل هي قبّعة تصلح لجميع الرؤوس, فليس مهماً حجم الرأس الذي يحمله من سيجلس على الكرسي, لأن هذه القبعة ستناسبه مادام هو من يقوم بالعمل كلّه, على الرغم من أن عدداً من الوزراء الذين سبقوا “عمّار” كانوا جديرين بمنصبهم فعلاً..

أتمّ د. هادي مع موظفي القبعة (الوزارة) كل الإجراءات اللازمة للاحتفال السنوي بمهرجان السينما الذي يستمر ثلاثة أيام..

في المهرجان لم يصدق معالي الوزير مدى الاهتمام الذي حظي به من قبل الإعلاميين, وكان أجمل ما في الأمر أنه كان قريباً جداً من الممثلات اللواتي يُكنُّ لهنّ (احتراماً) خاصاً..

ليلى صحافية مشاغبة, مثقفة جريئة, لكنها مشاغبة, ومن شغبها أنها نقّبت في تاريخ الوزير الجديد واكتشفت أنه لم يسمع بكلمة (ثقافة) قبل أن توضع قبعتها على رأسه!

اقتربت منه في الاستراحة وسألته مصطنعة البراءة:

– معالي الوزير, لو كان الأخوان لوميير على قيد الحياة اليوم, ماذا كنت ستقول لهما؟

كانت تلك المرة الثانية التي تجد فيها البلاهة طريقاً إلى وجه الوزير.. وبردّة فعل سريعة صرخ بالدكتور هادي:

– هادي.. أجب هذه الصحافية عن سؤالها فأنا أريد أن أشرب هذا العصير قبل أن يبرد.. أقصد قبل أن يسخن..

ابتسم د. هادي, وقال له:

– معالي الوزير, أعتقد أن الآنسة ليلى تحب أن تسمع الإجابة منك, فأنت راعي هذا الاحتفال, ولا تنسَ أن تكريم الأخوين لوميير هو واحد من أهداف إقامة هذا المهرجان..

أسقط في يد الوزير, لكن ذكاءه الإداري أنقذه, فقال لها:

– عزيزتي, ما رأيك أن تستمتعي بوقتك هذا اليوم؟.. اشربي بعض القهوة, أنتم الصحافيين تحبونها كثيراً, وخذي رقم د. هادي وبريده الإلكتروني لترسلي إليه كل الأسئلة التي تريدينها, وأنا سأجيب عنها فيما بعد.

ابتسمت ليلى التي أدركت مأساة وزارة الثقافة الجديدة, واكتفت بالنظر في عيني الدكتور هادي الذي شعر بالحرج وكأنه هو من سلّم هذه الوزارة إلى هذا الشخص!

كثرة المهرجانات الثقافية غدت معضلة في حياة معالي الوزير, فما كاد يخرج من مهرجان السينما سليماً معافى حتى ابتلي بمهرجان الشعر, وهنا كانت الطامة الكبرى..

استدعى الدكتور هادي, كان يمشي في مكتبه جيئة وذهاباً عندما دخل هادي, قال له:

– اسمع.. هذه المهرجانات لا تعجبني, أي نوع أنتم من البشر؟ عشاق المهرجانات؟.. من الذي يقرر هذا الأمر؟

– إنها سياسة الوزارة يا معالي الوزير, لدينا برنامج سنوي ثابت, وقد دعونا الضيوف منذ شهور, أستغرب أنك لم تحضر المهرجانات سابقاً!

– هذا لا يهم, الآن عليك أن تكتب كلمة الافتتاح التي سألقيها في مهرجان الشعر.. يا للشعر.. إنني لا أطيقه, لطالما عددتُ الشعراء أشخاصاً يتمتعون بفائض من وقت الفراغ, وأنهم لا يعملون شيئاً سوى الاستلقاء على رمال الشاطئ, والتمتع بتسمير البشرة.

لسبب أو لآخر شعر د. هادي أن هذا الكلام وخزه في الصميم, وهو من المهتمين بالشعر العربي والعالمي جداً, فقال للوزير:

– أعتقد أنك تخلط بين الشعراء ومطربات الجيل الجديد, فأنا لا أعتقد أن محمود درويش أو مظفر النواب أو الجواهري كانوا يوماً مهتمين بتسمير البشرة!

لم يهتم الوزير بتعليق هادي, واكتفى بأن طلب إليه كلمة الافتتاح مرة أخرى..

في اليوم الموعود, وقف الوزير على المنبر, ألقى الكلمة التي كتبها الدكتور هادي مشكّلة, لكنه أخطأ في القراءة, وكأنه كان يستمتع بوضع قواعد جديدة للغة العربية, ومن سوء حظ الوزير أن المجلة التي تعمل فيها ليلى, قد أسلمت إليها الصفحة الثقافية, فكانت حاضرة منذ اللحظة الأولى لافتتاح المهرجان.

لم يكن الوزير قد كلّف نفسه عناء الاطلاع على أسماء الشعراء الذين سيحضرون المهرجان, واكتفى بحضور الافتتاح متذرعاً باضطراره إلى حضور اجتماع مجلس الوزراء في الموعد ذاته.

المهرجان الذي يعدّ من أبرز المهرجانات التي تقيمها جمهورية (عربخان) استقبل أبرز الشعراء العرب, فكانت الأمسية الأولى تضمّ الشاعر السوري أدونيس ضمن من ألقوا قصائدهم, لكنّ الوزير لم يحضر الأمسية, لذا لم يمتلك أدنى فكرة عمّا حدث فيها..

في اليوم التالي ألـحّ د. هادي على الوزير أن يحضر الأمسية الثانية, حفظاً لماء وجه الوزارة التي ترعى المهرجان, وحرصاً منه على وضع وزير الثقافة في دائرة الثقافة..

حضر الوزير, وكاد يصاب بنوبة قلبية حين رأى ليلى تقترب منه.. لكنه تمالك أعصابه, وقال لهادي بصوت منخفض:

– حاول أن تبعد هذه المزعجة عني..

لكن ليلى كانت قد وصلت إليه, سلمت عليه وقالت:

– معالي الوزير, أعرف أن ظرفك لم يسمح لك بحضور الأمسية الأولى, لكن ذلك لا يمنع من سؤالك عن رأيك بالرمزية عند أدونيس..

مزعجة جداً هذه الـ ليلى! ومزعجة أكثر منها تلك البلاهة التي تجد طريقها دائماً إلى وجه الوزير, لكنها هذه المرة وجدت طريقاً آخر أوصلها إلى لسانه, فقال لها:

– من هو أدونيس؟

في تلك اللحظة, سقطت القبعة عن رأس معالي الوزير, ويبدو أنه لم ينتبه فداسها بقدمه وتلوثت, ثم ما لبثت أن تمزقت..

عندئذٍ تدخل د. هادي, وقال للوزير:

– إنه واحد آخر من أولئك الذين يحبون تسمير بشرتهم على الشاطئ..