“فن البداية”.. الدليل المجرّب لإنشاء مشروع جديد

“هذا هو الدليل المجرّب لأي شخص بصدد إنشاء أي مشروع جديد أو القيام بأي عمل”. بهذه الجملة افتتح جاي كاوازاكي كتابه الثمين “فن البداية”، حيث يقدم المؤلف في كتابه هذا خبرة عقدين من الزمان كخبير استراتيجي مرموق في مجال التجارة والأعمال، في شكل دليل أساسي لأي شخص بصدد البدء في أي مشروع، وعبر سطور يغلب عليها الطابع الفني الممتع لا العلمي الجاف.

جميل ياسين كاتب صحفي

و”كاوازاكي” واحد من أهم مطوري البرمجيات المساهمين في تأسيس شركة “آبل” الأمريكية الشهيرة، قبل أن يتحول إلى خبير تقني في العديد من المجالات المتعلقة بتطوير البرامج والتقنيات، كما أسس الرجل بنفسه عدة شركات، وقدم استشارات في مجال الأعمال لكبريات الشركات العالمية ومنها “جوجل”.

 

لماذا “فن البداية”؟

يجيب المؤلف: لأن لكل عمل -ببساطة- بداية, سواء أكان هذا العمل مشروعاً رياديّاً أم عملاً اجتماعيّاً أم مبادرة حكومية, وكما يقول شاعر الإنجليزية الأشهر “شكسبير” فإن: “الأفكار ملقاة على قارعة الطريق”، أي أن في إمكان أي شخص أن يجد فكرة ما، لكن العبرة في النهاية بتنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع.

والبداية الصحيحة لـ “التنفيذ” هي الشرارة التي تحول الأفكار إلى حقائق, ويعتمد نجاح هذا التنفيذ غالباً على البدايات, وما هذا الكتاب إلا شرارة لمساعدة كل شاب في تحويل أفكاره إلى واقع ملموس, وحلم مُتحقق محسوس، لتبدأ قصص النجاح من “فن البداية”.

ويهدف مؤلف الكتاب إلى مساعدة رائد الأعمال على استخدام معرفته, وحبه, وعزمه، لتحقيق إنجاز عظيم دون أن تعرقله النظريات و”التفاصيل التافهة” على حدّ تعبير “كاوازاكي” نفسه.

 

أفكار رائعة لبداية ناجحة

يبدأ المؤلف الفصل الأول من الكتاب بقائمة بأهم “خمسة أشياء يجب أن يحققها رائد الأعمال، من أجل الشروع في عمله، وهي:

أولاً: إضفاء معنًى؛ فأن تواجه سبباً يدعوك لإنشاء مشروع، هو بمثابة سعي لإضفاء معنى ما جديد إلى الحياة. ويعني المؤلف بهذا المفهوم أن ابتكار منتج أو خدمة أمر يجعل من العالم مكاناً أفضل، وعلى ذلك فإن أول مهمة لك هي تحديد كيف يمكنك إضفاء معنى إلى ما أنت بصدد القيام به.

ثانياً: ابتكار مقولة سحرية مختصرة، أي أنّ عليك نسيان ما يعرف بـ “الرؤية والرسالة”؛ فهي -وفق المؤلف- باتت مسألة مملة, وغير ذات صلة بالهدف المنشود، ولا يستطيع أحد أن يتذكرها، ناهيك عن أن يضعها موضع التنفيذ. وبدلاً من مثل هذه العبارات التقليدية, خذ المغزى الذي توصلت إليه, واستخلص منه “عبارة سحرية” مختصرة، فهذا من شأنه وضعك وفريقك بأسره على الطريق الصحيح.

ثالثاً: البدء، ابدأ دائماً بابتكار وصنع منتجك أو خدمتك أو على الأقل بنسخة تجريبية منه، فكر على المستوى العملي، أيّاً كانت الأدوات التي ستستخدمها من أجل تقديم منتجاتك أو خدماتك.

رابعاً: ادرس اقتصاديات عملك، فمهما كان مجال عمل المشروع الذي أنت بصدد إنشائه, فيجب عليك أن تتوصل إلى طريقة لكسب الأموال، فأعظم الأفكار, والتقنيات, والمنتجات, والخدمات لا تصمد دون وسيلة قوية وراسخة لكسب المال من العمل.

خامساً: ضع خطة عمل، أي حدّد لنفسك ولمشروعك أهدافاً مرحلية, وافتراضات, ومهام، من خلال وضع ثلاث قوائم: (أ) قائمة بالأهداف والمنجزات المرحلية التي يجب تحقيقها؛ (ب) قائمة بالفرضيات المضمنة داخل اقتصاديات عملك؛ (جـ) مهام يتعين عليك تنفيذها لإنشاء المشروع.

وهذا من شأنه فرض الانضباط, وتثبيت مشروعك على المسار السليم عندما تسوء الأمور، وهو ما يحدث في جميع المشاريع لا محالة.

 

فن تحديد “موقع السوق”

في الفصل الثاني من الكتاب يحدثنا المؤلف عن “فن تحديد موقع السوق”, حيث يعتبر أغلب الناس أن “تحديد موقع المنتج” عمل غير طبيعي، يُفرَض عليهم من قبل بعض المسوقين الأغبياء الذين يتلقون عوناً من مستشارين جاهلين يدفعون لهم مبالغ هائلة.

لكن كاوازاكي يؤكد أن تحديد موقع المنتج في الأسواق يتجاوز كونه مجرد علم إداري خارجي, أو تمرين عملي. فعندما تتم هذه العملية بالشكل المناسب فإنها تمثل “لب” المشروع الجديد؛ إذ هي تحدد بدقة: السبب الذي دفع المؤسسين لإنشاء هذا المشروع, والسبب الذي ينبغي أن يدفع العملاء للتعامل مع المشروع, والسبب الذي يدفع الموظفين الماهرين للعمل به.

أما في الفصل الثالث فيتحدث المؤلف عن “فن العرض”، وينصح بنسيان المقولة القديمة” أنا أفكر, إذن أنا موجود”. فالعبارة الأبرز في عالم رواد الأعمال هي “أنا أعرض, إذن أنا موجود”. والعروض ليست مفيدة فقط فيما يتعلق بتدبير التمويل اللازم للمشاريع الريادية فقط، بل هي أيضاً أداة رئيسة تعينك على التوصل إلى الاتفاق على العديد من الأصعدة. والاتفاق من الممكن أن يؤتي العديد من الثمار: صفقات تشتري بها حصصاً في مشاريع أخرى, أو مخطط لتطوير منتج أو خدمة, أو إبرام صفقة ما، أو عقد شراكة جديدة, أو استقطاب عميل جديد.

وفي الفصل الرابع من الكتاب، يتحدث كاوازاكي عن “فن وضع خطة العمل” مؤكداً أن خطة العمل غالباً ما تكون محدودة النفع بالنسبة للشركة الناشئة؛ لأن رواد الأعمال قد يبنون الكثير من خططهم على الافتراضات, والرؤى, والأمور المجهولة، مؤكداً أنه بالنسبة للشركات الناشئة سواء المستقلة أم التابعة, نجد أن الأهداف المرحلية والافتراضات والمهام هي أفضل وأنفع دليل إرشادي على الإطلاق للتشغيل اليومي للمؤسسة.

وتحت عنوان” فن التمويل الذاتي”، جاء الفصل الخامس من الكتاب ليشرح كيفية “الصمود” في الأيام الأولى الحرجة قليلة التمويل التي تمر بها أي شركة ناشئة, وذلك بواسطة انتقاء النموذج الاقتصادي المثالي, وتغليب السيولة المالية, والوصول إلى السوق على الفور؛ من أجل الخروج من عنق الزجاجة.

وربما يعتقد البعض، وفق المؤلف، أن المشروع الناشئ الذي يمكن البدء به بتمويل ذاتي هو بطبيعته “مشروع تافه”، فإذا أبقيت متطلبات رأس المال متدنية, ولم تستطع أن تجمع أمولاً ضخمة للمخاطرة بها, فقد حصرت نفسك في إطار عمل محدود. وهذا ليس بصحيح. فشركات عالمية كبرى مثل “ديل” و “مايكرسوفت” و “آبل” بدأت عملها بتمويل ذاتي بناءً على نموذج عمل مستقل متواضع.

ويقول المؤلف أخيراً في هذا الصدد: “إذا حرصت على التخطيط بدقة, ستتحول هذه البداية الذاتية إلى مجرد مرحلة عابرة في تطور مشروعك. فلا ينبغي أن تكون هذه البداية أسلوب حياتك، فالفتات سرعان ما يصبح ثقيلاً على النفس بعد أن تعيش عليه لفترة من الزمن، ولكن, في الوقت الحالي, احرص على الأفكار الضخمة, والبدايات الصغيرة”.