غرفة المدير

الدكتور غسان مدير ناجح جداً، يحمل دكتوراه بالإدارة من السوربون، ولديه تجربة ممتازة في مجال عمله، لكنّه غامض بعض الشيء في تعامله مع الآخرين، ولم يستطع أحد من موظفيه أن يفهم الطريقة التي يعمل بها عقله، لذلك اعتبروه لغزاً صعباً لن يستطيع أحد فكّ طلاسمه.

بقلم: آس غاله

بعد عودته من فرنسا تولّى إدارة شركة والده الذي تقاعد وسافر في رحلة علاجية طويلة، وكان أوّل شيء فعله د.غسان بعد استلامه الإدارة، هو اقتطاع جزء من مكتبه الواسع، ليجعله غرفة داخلية سرّية، وغيّر ديكور المكتب وأثاثه بحيث لا يكاد أحد يلاحظ وجود الغرفة السرّية.

الغرفة السرّية في مكتب المدير كانت محرّمة على جميع الموظّفين، ولم يعرف أيّ منهم ماذا يوجد داخلها، لكنّهم لاحظوا بعض الأشياء الغريبة، فقد كان المدير كلّما واجه أزمة أو معضلة في العمل، يدخل إلى الغرفة السرّية ويبقى هناك ما يقارب النصف ساعة، ثمّ يخرج بقرار إنقاذي رائع!.

أثار الأمر ريبة الجميع، وأخذوا يضعون النظريات حول محتويات الغرفة السرّية، ولاسيّما أنّها اقتطعت ورتّبت في الفترة المسائية التي لا يوجد فيها أيّ منهم في المكتب، وبذلك لم يستطع أحد معرفة ما تمّ وضعه فيها.

قال أحد الموظفين:

– لا بدّ أنّها تحوي أجهزة اتصالات متطوّرة، يتّصل من خلالها المدير بمعارفه في فرنسا لكي يعطوه الحلول للأزمات والمعضلات التي تواجه الشركة، إنّهم بارعون في الإدارة أكثر منّا، وقد درس عندهم، ويعرفونه جيّداً.

سأله موظّف آخر:

– ولماذا لا يتّصل بهم من مكتبه؟!.. لديه أجهزة اتصال حديثة، وإنترنت وهواتف وكلّ ما يلزم هذا الأمر.

هزّ الموظّف الأوّل رأسه مستنكراً هذا القصور في التفكير، وقال:

– يا فهمان، إنّه لا يريدنا أن نكتشف أنّه يطلب العون من أصدقائه ليحلّ أزماتنا ومشكلاتنا.

– يستطيع إقفال باب المكتب، عندها لن يكتشف أحد منّا شيئاً.

– أرجوك.. الأمور واضحة، إنّه لا يريد إثارة الشكوك.

قال الموظّف الثاني ساخراً:

– أكثر من هذا؟!

اعترض موظّف آخر يطلق عليه الجميع اسم (سنفور كسلان) لأنّه يبقى طوال نهاره نصف نائم، ولا يمتلك أيّ حيوية، وقال:

– فكرتك غير منطقية، أنا أعلم ماذا يوجد في الغرفة السرّية.

– ماذا؟

– سرير.

حدّق فيه الجميع مستغربين ومنتظرين توضيحاً، فقال:

– ألا تعلمون أنّ كثيراً من الاختراعات البشرية العظيمة تمّت أثناء نوم أصحابها؟!.. لقد رأوها في أحلامهم.

استمرّ الجميع بالتحديق، ثمّ انفجروا ضاحكين، قالت له زميلته في المكتب:

– هل نتوقّع منك إذاً اختراعاً عظيماً بعد إحدى قيلولاتك في المكتب؟

– لا تسخروا من هذا الأمر، أحد علماء الرياضيات اكتشف شيئاً ما وهو نائم، ربما جدول الضرب، أو اللوغاريتمات.. لم أعد أذكر.

– حقّاً.. وأعتقد أن نابليون بونابرت أنشأ إمبراطوريته وهو نائم أيضاً!.. استيقظ يا عزيزي، لا تأتي الحلول في الأحلام.

صمت الكسلان، وانتظر أن يأتي أحد ما بمقترح جديد، فقال موظّف الحسابات:

– ربما يكون سنفور محقّاً، لكن ليس تماماً.

– وكيف ذلك؟

– ربّما يدخل المدير إلى غرفته السرّية لينام نصف ساعة، فيرتاح عقله، وبعد أن يستيقظ يجد الحلّ للمشكلات التي تواجهنا.

اقتنع بعض الموظّفين بالفكرة، لكن بعضهم الآخر وجدها سخيفة، أمّا أكثر الموظفين خبثاً، فهمس لزميله:

– أنا مع الفكرة الأولى، إنّها أجهزة اتصال حديثة، لكن ليس لحلّ معضلات الشركة.. أعتقد أنّ مديرنا عميل لإحدى وكالات الاستخبارات الأجنبية!.

نظر إليه زميله مصعوقاً، ثم قال له:

– لن تنفع نظرية المؤامرة هنا، فكرة السرير مقنعة أكثر.

في تلك اللحظة مرّت الخادمة، فنادتها إحدى الموظفات، وسألتها:

– هل تعرفين ماذا يوجد في الغرفة السرّية؟

– لا مدام، الغرفة مقفلة والمفتاح مع المدير دائماً.

كان ذلك متوقّعاً، فصمت الموظفون وتابعوا أعمالهم، وهم يفكّرون بنظريات أخرى لا تتضمن الأسرّة أو أجهزة الاتصال، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على رفع صوته بأيّ اقتراح، لأنّهم يعلمون مدى سخافة الأشياء التي خطرت لهم.

بعد مدّة، وبينما كان الجميع في غرفة الاجتماعات، يناقشون ما تمّ إنجازه خلال الربع الأول من العام، رنّ هاتف الدكتور غسّان، وبدا أنّه كان ينتظر هذه المكالمة لأنّه ترك جوّاله مفتوحاً على غير عادته في الاجتماعات، فتلقّى المكالمة وقال للمتصل بعد أن حيّاه بحرارة:

– نعم، ابقَ هناك، سأنزل حالاً للقائك.

اعتذر من الموظفين وأخبرهم أنّه سيعقد الاجتماع في وقت لاحق، ثمّ خرج مسرعاً، من غرفة الاجتماعات إلى الباب الخارجي، ناسياً مفاتيحه على الطاولة.

لحظات من الصمت المريب مرّت قبل أن يقول أكثر الموظّفين خبثاً:

– من يريد أن يعرف ماذا يوجد في الغرفة السرّية؟

ابتسم الجميع وهزّوا رؤوسهم موافقين، فقد كانوا يفكّرون بالأمر نفسه.

حمل الخبيث المفاتيح وهرع باتجاه مكتب المدير، دخل الجميع وراءه، ثمّ اتجهوا إلى الغرفة السرّية، وسادت لحظات من الترقّب والإثارة، وارتفع الأدرينالين لدى معظمهم، لأنّهم يدركون أنّ ما يفعلونه خطأ، لكنّ رغبتهم بمعرفة محتويات الغرفة فاقت التصوّر.

فتح الخبيث الباب، ثم أضاء الغرفة، والجميع يحدّقون في اتجاه واحد، ثم.. صدموا بما رأوا.. لقد كان في الغرفة طاولة كبيرة عليها مجسّم منطقة ريفية يعبرها قطار كهربائي..

كانوا صامتين ويحدّقون في القطار، حين وصل المدير فجأة، فقد تذكّر مفاتيحه وعاد ليأخذها، كسر صمتهم بقوله:

– حين أشغّل هذا القطار أستطيع التفكير بصفاء، فهديره يلغي كلّ الأصوات الأخرى، إنّني أمتلك هذا القطار منذ طفولتي وقد ساعدني على تجاوز الكثير من الأزمات.. لكنّه يبقى سرّاً خاصّاً بي، وليس من اللائق أن تتطفّلوا على أسرار الآخرين.

لملم الموظفون خيباتهم ونظرياتهم، وعادوا إلى أعمالهم خجلين، إلّا مدير التسويق، فقد التفت إلى المدير وسأله:

– هل أستطيع دخول هذه الغرفة؟.. إنني في حاجة ماسّة إلى فكرة تسويقية فعالة!