عُمر من الأرقام!

صدق أو لا تصدق: شخص لم يكن يكره في حياته الدراسية شيئاً أكثر من مادة “الحساب”.. يصبح في نهاية الأمر محاسباً محترفاً!.. أعترف لكم الآن أنني لم أكن في صباي أحب هذه المادة، بل قد أخطئ في جمع رقمين بسيطين، غير أنني بدأت أعشق “الحساب” وأنا في المرحلة الإعدادية، وفكرت آنذاك -لأول مرة- أن أصبح محاسباً، بتأثير من أحد أقاربي الذي كان يعمل مدقق حسابات في إحدى الشركات.

هذا الرجل الفاضل رحمة الله عليه هو الذي جعلني أحب هذه المهنة الشاقة غير الممتعة، وكان يقول لي دائماً إنها مهنة عريقة وإنها عنوان على الأمانة، وليس أدل على ذلك من أنها مهنة اشتغل بها الأنبياء، فقد عمل بها النبي يوسف عليه السلام {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}، وهذه الآية تدل دلالة قاطعة على أن المحاسبة كانت معروفة منذ ما قبل الميلاد.

 

لغة الأعمال

المحاسبة كما درستها في كلية التجارة، وخبرتها من خلال عملي على مدى 15 عاماً تقريباً هي “لغة الأعمال”، وهي العلم الذي يدرس القياس والإيصال والتفسير للنشاطات المالية، وذلك بتسجيل وتبويب وتلخيص العمليات المالية من خلال قوائم تُعدّ عن فترات زمنية محدّدة.

وقد استغرقني العمل صباح هذا اليوم على القوائم المالية الخاصة بالمؤسسة التي أعمل بها، فأنا أعكف عليها منذ 10 أيام، وغالباً ما أقوم بإعداد ملخّص عنها وأراجعها مرة أخرى بمساعدة الموظفين في القسم، ومن ثم أرسل مسودة منها إلى قسم الطباعة.

إنني مسؤول عن توفير ضمانات حول المعلومات المالية التي تساعد المديرين على اتخاذ قرارات تخصيص الموارد في هذه المؤسسة الكبيرة.

وعند الظهيرة أجريت عدداً من المكالمات الهاتفية الداخلية الخاصة بالعمل مع بعض الزملاء في الأقسام الأخرى، وأول مكالمة مع رئيس الخزينة حيث ناقشت معه مدى التزام الشركة بعقد الدين، المكالمة الثانية موجهة إلى مدقق حسابات يواجه مسألة “معقدة” في إعداد عرض تقديمي حول بيان مالي، أستفسر منه فيما إذا كان بوسعه ملاقاتي في الغد لمناقشة الموضوع على انفراد. وبعد ذلك تحدثت عبر الهاتف في مسألة تخصّ الحسابات مع المدير العام، فقال إن الكلام في الهاتف لن يفي بالغرض، وطلب مني الحضور إلى مكتبه على الفور.

والحق يُقال، إنّ المدير العام رجل يؤمن بالتخصص في العمل، لكنه في الوقت نفسه يتمتع بإلمام واسع بعمل المحاسبين أحسده عليه، إنه رجل يعشق الأرقام، ويبدو أنه عمل فترة من حياته في مجال الحسابات، وإن كان لم يفصح لي عن ذلك أبداً، وكلما قابلته يمزح معي قائلاً: “أنا محاسب بالفطرة والخبرة معاً”!

بعد هذه المقابلة الممتعة، قضيت فترة ما بعد الظهيرة اليوم في مراجعة وتقييم مقدار الخطر الذي تواجهه شركة تابعة لنا. لقد كان ذلك تقييماً طويلاً. والآن هو موعد تقديم توصياتي، وها أنا أكتب معاييري التصويبية وأكمل تعليقاتي بمنتهى الدقة.

إنّ الجزء المفضل في وظيفتي بالنسبة لي هو توفر الفرصة لمراجعة الوحدات كافة كلّ على حدة، لتدقيقها ومعرفة مقدار الأخطار العامة التي تواجهها المؤسسة في الفترة المقبلة.

ينبغي عليّ الآن وقد انتهيت من عملي مناقشة دراستي، حيث أجتمع مع المدير المالي ونائب المدير للشؤون المالية لمناقشة التفاصيل. وآمل ألّا يأخذ هذا الاجتماع وقت طويلاً، فأنا مرهق للغاية.

 

مهنة بلا أسرار

أول نصيحة أقدمها عن طيب خاطر إلى المحاسبين الجدد في المؤسسة، هي أن المحاسبة من وجهة نظري علم له قواعد وأصول ومبادئ وفروض ومحددات عامة، يعتمد عليها المحاسب في إدارته للنظام المحاسبي، وهي كذلك فن يحتاج إلى مهارة وقدرات خاصة من المحاسب، ويتمثل ذلك في كيفية تطبيق هذه المبادئ والأصول والفروض المحاسبية.

أضيف: لهذا يجب على المحاسب الناجح أن يسعى دائماً إلى تطوير قدراته ومهاراته المحاسبية، من خلال الوسائل المتاحة والأساليب المتوفرة، وأن يكون مرناً يواكب التطورات والمتغيرات التي تهمه كمحاسب، ويسخّر ذلك كلّه في خدمة العمل المحاسبي بما يتلاءم ويتماشى مع طبيعة عمله يوماً بعد يوم.

ومهنة المحاسبة ليس بها أسرار ولا مستحيل، ولكن عيبها أن الفرص الممتازة فيها نادرة للغاية، بل أندر من الماس. وعادة، يبدو المحاسب للناس في الأغلب الأعم شخصاً بلا طموح، كل أمنياته في الترقي أن يصبح بعد عمر طويل “كبير مُدققي حسابات”!.

والواقع أن المحاسبة كغيرها من المهن، مثل الطب والهندسة وسواهما، مهنة لها دورها ومكانتها وأهميتها في المجتمعات المتطورة، فقد أفردت لها الجامعات دراسات متخصصة لتدريس أصولها وقواعدها، وتأسست لها جمعيات مهنية محلية ودولية تعقد الامتحانات التأهيلية لعضويتها، فأنا مثلاً عضو بارز في “جمعية المحاسبين الدولية” ومقرّها الأساسي في لندن، والحصول على عضوية جمعية كهذه ليس بالأمر السهل.

إنّ مهنة المحاسبة وإن كانت تشبه غيرها من المهن الأخرى من حيث أهمية الدور الذي تقوم به في المجتمع، إلّا أنّها تختلف عنها من حيث أصولها وقواعدها، فالمحاسبة علم اصطلاحي، غرضه قياس الوضع المالي ونتائج العمليات لنشاط اقتصادي. ولعلّ أوجز تعبير عن طبيعة المحاسبة هو ما يرد في تقرير مراجع الحسابات في عبارة “ما إذا كانت البيانات المالية تظهر بصورة عادلة وضع المؤسسة المالي ونتائج أعمالها وفقاً للأصول المحاسبية المتعارف عليها”، والصورة العادلة في عُرف المحاسبين والمراجعين، لا يمكن الحكم عليها بشكل مطلق بل في إطار “الأصول المحاسبية المتعارف عليها”.

وفي نهاية المطاف، لابدّ أن أعترف بأن المحاسب شخص يقضي عمره بين الأرقام، وهذا بلا شك عيب آخر، فلا وجود أبداً لاحتمالات الخطأ في التعامل مع الأرقام، خاصة بالنسبة للمحاسب المالي مثلي.

وعلى الرغم من ذلك كلّه، فإنّني أحبّ مهنتي وأحاول أن أُبدع فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأستعين في سبيل ذلك بكل أدوات التكنولوجيا الجديدة، فمن لا يستطيع أن يتطور مع الزمن لابدّ أن يعود إلى الوراء.