على الطريق..

لم أكن أتوقع في ذلك اليوم أن أبدأ عملي باكراً جداً, كنت وقتها أقف على الرصيف أراقب السيارات التي تمر أمامي على أمل أن أجد سيارة أجرة تقلني إلى عملي, وبما أنه كان لدي من الوقت متسع فلم يكن ذلك الانتظار ثقيلاً علي, رحت أراقب المارة باختلاف جنسياتهم وألوانهم, وما يرتدونه وكيف يسيرون, هنا قطع علي سلسلة أفكاري صوت يناديني من الخلف, التفت وإذ برجل عربي الملامح, قد تجاوز الأربعين من العمر, يحمل بيده كأساً من القهوة, سألني بلغته العربية المحببة: “(يسعدلي صباحك).. هل تنتظر سيارة أجرة؟”.. أومأت برأسي بالإيجاب, فعرض علي أن يقلني بسيارته فهو يعمل سائق أجرة, سرت معه باتجاه سيارته التي ركنها في جانب الطريق.

بقلم: مصطفى جندي على لسان أبو العبد

لم يمهلني أبو عبد الكريم كثيراً كي أمارس دور الصحفي, فكان يبادرني بالإجابة قبل أن أفكر بالسؤال, يبدو أن مهنته تتطلب ذلك, تتطلب أن يتمتع سائق سيارة الأجرة بقدرة كبيرة على تبادل الأحاديث وبطريقة تشبه تلك التي كان يتبعها الحكواتي في مقاهي دمشق وذلك لكي لا يشعر الراكب بطول الطريق, أو أن السائقين وجدوا فيها طريقة يقضون فيها على الملل الذي كان يعتريهم خلال ساعات العمل الطويلة, جلست إلى جانبه, وكأني صرت داخل مملكته, راح يلقي علي التعليمات بأن أضع حزام الأمان وأغلق الباب جيداً, أدار المحرك ومن ثم المذياع, وملأ صوت فيروز أسماعنا, وامتزج برائحة القهوة التي كان يشربها أبو عبد الكريم, فحملني هذا الجو آلاف الكيلومترات, شعرت للحظة أني في دمشق, ودون أن أنطق ببنت شفة, بدأ أبو العبد حديثه الذي أعتقد بأنه يردده على مسامع كل من يقلهم:

“بعد ثلاثة أشهر سيكون لي سبع سنوات في هذه البلد, أمضيتها خلف المقود, مسافات ومسافات قطعتها, ويشهد العداد على ذلك, خبرت الطرقات وخبرتني, صار بيننا ألفة, فقد ألفت سوادها, وهي اعتادت وقع عجلاتي, حفظت كل دروب وأزقة هذه المدينة, صداقات كثيرة بنيتها مع العديد من أصحاب المحال والمقاهي, كما تعرفت على أناس طيبين ركبوا معي, أوصلتهم حيث يريدون, كان قدومي إلى هنا من خلال إحدى الشركات التي طلبت سائقين يحملون شهادة سوق خليجية, وبما أني كنت أعمل في دولة الكويت كنت من أصحاب هذا النوع من الشهادات.

لا تعطينا الشركة راتباً إنما تأخذ نسبة من إيرادات السيارة والمبلغ المتبقي أتقاسمه وزميلي الذي يعمل في الوردية الثانية, وبحكم هذه الطريقة لا نجد وقتاً للراحة, فيجب علينا العمل بكل جد حتى نحقق المبلغ المطلوب, الجميل في مهنتنا أنك حر نفسك ليس هناك من يتحكم بك, تركب سيارتك وتسير, ولا تعرف أين ستصل اليوم أو أي طريق ستسلك ومن هم الناس الذين ستقلهم بسيارتك, فالروتين في عملي غير موجود, ونحن كالصيادين على الطريق, لا نعرف ما هي رزقتنا وكم نكسب, فقد تمر علينا أيام لا نكسب أكثر مما صرفناه ثمناً للوقود, وتمر أخرى يكرمنا الله فيها بالشيء الكثير”.

هنا أشعل أبو العبد سيجارته, مستغلاً خبرته بالطريق ومعرفته المسبقة بأن الطريق الذي نسلكه يخلو من دوريات الشرطة في هذا الوقت, أخذ رشفة من فنجانه, وتابع حديثه:

“وكما أني خلال عملي كسائق سيارة أجرة تعرفت على أناس طيبين رائعين, تعرضت لأناس سيئين جداً وهذه هي إحدى سلبيات مهنتنا, وفي كثير من الأحيان نتعرض لشيء من الإهانة من قبل أشخاص عديمي الأخلاق, يحسبون أننا نعمل سائقين لديهم, ترى أحدهم يركب في الكرسي الخلفي دون أن يلقي التحية, يرجع ظهره إلى الوراء, ويبدأ بإلقاء الأوامر, وللسيدات في إهانتنا مذاهب, طبعاً ليس جميعهن, ترى إحداهن تدخل إلى السوق فتنفق ما تعلم ولا تعلم على أشياء تافهة لا قيمة لها, وعندما تريد أن تدفع لسائق سيارة الأجرة تحاسبه على الفلس-نحن والحمد لله لسنا بحاجة إلى حسنة منها- وعندما أخبرها بأني لا أملك نصف درهم أو ربع درهم لأرجعه لها, تنهال علي بوابل من الكلمات التي تجرحني من الداخل, ولا أستطيع الرد, فأرجع لها أكثر من حقها, وأنا على يقين بأنها عندما ستقابل زملاءها في العمل أو جاراتها سوف تبدأ بقص إنجازها البطولي بأنها لم تسمح لسائق سيارة الأجرة أن يأخذ منها ربع درهم, في الوقت الذي يكون فيه صاحب محل الألبسة أو الإكسسوارات النسائية يروي لصديقه بطريقة ساخرة كيف استطاع أن يربح من تلك الزبونة مئات الدراهم!..

وليس هذا هو الموقف الأسوأ الذي من الممكن أن يواجهني كسائق سيارة أجرة, ففي إحدى المرات بعد أن تجاوزت الساعة الثانية ليلاً استوقفني أحد الأشخاص الذي يبدو عليه من ملبسه بأنه من الطبقة التي تسمي نفسها بالراقية, وبعد أن صعد في الكرسي الخلفي, عرفت ما هي حاله من رائحة الخمر التي ملأت أنفي فأصابتني بالصداع, ولم يكن هذا هو الجانب الأسوأ في القصة, فقد أخرج من جيبه مبلغاً من المال دون أن يعرف مقداره وأعطاني إياه طالباً مني أن آخذه إلى حيث توجد بائعات الهوى وبنات الليل, وبحكم خبرتي أخذت جزءاً من المبلغ وسرت به إلى أقرب قسم للشرطة, ووضعته في المكان الذي سيلاقي فيه الكثير من المتعة والتي قد ترجع إليه رشده.

أما الأخطر في مهنتنا فهي حوادث السير, والتي لا تعرف كبيراً أو صغيراً ولا يسلم منها أحد, سواء كان خبيراً في القيادة أو مبتدئاً فيها, فغلطة صغيرة من أحدهم قد تودي بحياة الكثيرين, كما أن الشباب الطائش, والذي وضع روحه على كفه, مستهتراً بأرواح الآخرين, السبب في كثير من الحوادث, تراهم يقودون تلك السيارات الرياضية على الطرق بسرعة جنونية, متجاهلين جميع قوانين السير الصارمة التي وضعتها الحكومة مشكورة في سبيل التقليل من الحوادث.

ولا أستطيع إلا أن أتكلم عن الحادث المرعب الذي وقع على طريق أبو ظبي/ دبي, كانت حصيلته ما يتجاوز المئتي سيارة وعدد كبير من الضحايا والمصابين”..

يهز رأسه وشيء من الأسى بدا على محياه, وفي محاولة لتغيير الحديث قال:

“الحمد لله لقد قاربت الخمسين من العمر, تزوجت وأنجبت ستة أولاد, أفخر بأني ربيتهم من عرق جبيني, وأنفقت عليهم من نقود كسبتها في الحلال, هم اليوم بعيدون عني, كبروا وصاروا في سن الزواج وهم بعيدون عني, هكذا هي الحياة وهذا هو قدرنا, السنة الفائتة تزوجت ابنتي الكبيرة, فأخذت إجازة لمدة أسبوع لحضور زفافها, والشهر القادم ستزف ابنتي الثانية إلى عريسها, وسأسافر كي أحضر زفافها هي الأخرى”.

يأخذ أبو العبد سحبة أخيرة من سيجارته.. “قدري أن أعيش على الطرقات, أسعى خلف لقمة العيش, أن أكون بعيداً عن عائلتي التي لم يمكني وضعي المادي من إحضارها إلى هنا.. سبع سنوات وأنا بعيد عنهم, أحسستها سبع قرون, أوشكت أن أنسى وجه زوجتي, وأسماء أولادي, وكلما قفز إلى مخيلتي وجه ابني ذي الثلاثة أعوام من العمر والذي اعتلاه الخوف لما رآني للمرة الأولى تغرغر في عيني الدمعة, أدعو الله أن يجمعني بهم دون أن أفكر في لحظة الفراق”.