طبيب الزهور

ليس في هذا العالم شيء أشدّ قسوة من رؤية طفل يتألم، ومنذ صغري وأنا أحب الأطفال، أحب براءتهم، أحب شقاوتهم، أحب عالمهم المليء بالبهجة.. لقد دفعني كل هذا الحبّ لأن أتخصّص في مجال طب الأطفال، وكم كنت سعيداً بهذا الاختيار الذي يجعلني بينهم كل يوم، لكنني كنت أعلم علم اليقين أنني لن أرى منهم سوى التوجع والبكاء، وياله من شيء مؤلم أن تسمع صراخ طفل يتوجع، وهو عاجز عن إرشادك إلى موضع الألم، ما أقسى أن ترى هذه الوجوه الوردية وقد مالت إلى الشحوب، وتلك العيون البريئة وقد ذبلت من وطأة المرض وكثرة البكاء!

بقلم: مصطفى الطاهر

ورغم هذه الأوجاع التي أعايشها كل يوم في عيادتي الصغيرة، وتلك الأحاسيس المتناقضة، إلا أنني كنت أصل إلى قمة سعادتي عندما أتمكن من مساعدة طفل على الشفاء، وأن أصف له الدواء القادر على طرد المرض -ذلك الضيف الثقيل- من جسده، تلك الفيروسات الجاهلة التي لا تعرف أي أجساد تخترقها، “سامحني أيها الصغير، أعرف أن طعم الدواء مُرّ، ولكن ما عساي أن أفعل؟!.. إنّ ما يرمينا على المُرّ دائماً هو الأمرّ منه”!

هكذا كنت أقول مع كتابة كل تذكرة دواء أكتبها.. ورغم أنني كنت أعرف أن ما كتبته هو العلاج الأنسب للحالة، إلا أنني لا أخفي عليكم أنني كنت أشعر ببعض الأسى، فقد كنت أعلم كم سيعاني هذا الطفل مع كل جرعة من الدواء.

ذات يوم كنت أفحص صغيراً عمره خمسة أعوام، ومن الطبيعي أنني كنت أتحاشى أن أكتب “الحُقن” كعلاج حتى لا يتألم الطفل إلا عند الضرورة القصوى، ولكن هذه المرة كان لابد من هذا العلاج الموجع، ويبدو أن مريضي كانت له معها تجربة مؤلمة، وكان والده معه، ففوجئت بالصغير يقول لي: “يا عمو أريد الأقراص فقط.. وأعطِ الحقنة لبابا لأنه يُغضب ماما”!

وهكذا تمضي حياتي، لحظات من الألم ولحظات من السعادة، وقد حققت نجاحاً منقطع النظير، جعل من عيادتي قطاراً يركبه جميع الأطفال للوصول إلى محطة الشفاء، فقد كنت متفانياً في عملي، ولم أتاجر بمهنتي، وكان ضميري هو قائدي، وكيف لا وقد علمني أساتذتي أن الطبّ أشرف المهن على الإطلاق، وعلمني والدي أن الأطفال أحباب الله، وعلمتني أمي أن “الضنا غالي”، وعلمني ديني أن إتقان العمل طريق إلى الجنة، وعلمتني تجارب الحياة أن السعادة كثيراً ما تولد من رحم الشقاء.

ولم يكن الأطفال المرضى هم مصدر شقائي بقدر ما كان بعض ذويهم، وخاصة الأمهات اللاتي كنت ألمح فيهن أمارات الجهل بتربية الأطفال، وربما لا تصدقني إذا قلت لك إن بعضهن كان سبباً مباشراً في مرض أبنائهن، والحقيقة أن تعاملي مع أولئك الأمهات جعلني أعرف سرّ هذا الارتباط الأزلي بين الجهل والمرض.

لا أنسى ذلك اليوم الذي جاءت فيه إلى عيادتي سيدة أنيقة كان يبدو على مظهرها أنها على قدر من التعليم، وكان معها طفل يعاني من تأخر في المشي، وبعد الكشف عليه تبين لي أنه يعاني من لين في العظام بسبب نقص الكالسيوم، فدار بيني وبين السيدة حديث حول الأسلوب الغذائي الذي اتبعته مع طفلها، وكانت صدمتي شديدة عندما علمت أن الطفل اعتمد منذ ولادته على اللبن الاصطناعي، ولم يرضع من أمه مرة واحدة. وحين سألتها عن سبب ذلك قالت إنّها تعمل في مركز مرموق يأخذ معظم وقتها، وأن الرضاعة الطبيعية تؤثر على قوام  المرأة وتحيل جسدها إلى أطلال، وأنها مادامت قادرة على شراء أفضل الألبان فلا بأس في ذلك.

حاولت جاهداً أن أكظم غيظي وغضبي، وبدأت أفهمها أنه لا شيء يعوض عن الرضاعة الطبيعية على الإطلاق، خاصة وأن لها فوائد نفسية، وأنها عامل مهم في تشكيل وجدان الطفل، وقلت لها إن طفلها أهم من قوامها، وأنها كامرأة خُلقت لتربية الأطفال.. وما كادت تسمع كلماتي هذه حتى انفجرت تتهمني بالرجعية!

ثم دخلت معي في سجال حول حقوق المرأة والمساواة.. وأطلقت كثيراً من الشعارات المعادية للرجل، وكأنها تقف في حديقة “هايد بارك” الشهيرة، لقد فسرت السيدة كلامي على أنه اتهام لها بأنها لا تحب طفلها، أو أزعم أنني أحبه أكثر منها.

والحقيقة أنني لم أكن أقصد ذلك، فكلنا نحب أطفالنا، ولكن أحياناً نعجز عن ترجمة هذا الحب، وفي أوقات كثيرة نقوم بترجمته بأسلوب خاطئ، فالأم التي تضرب طفلها بعنف على خطأ ارتكبه هي امرأة تحب طفلها لكنها ترجمت هذا الحب بشكل خاطئ، لقد غاب عن هذه السيدة أن اللبن الذي صنعه البشر، لن تكون فائدته مثل اللبن الذي أجراه الله في عروق الأم وأوصاها به عامين كاملين، وأن القيمة التي تمثّلها الأمهات في حياتنا، تنبع من تضحياتهن.. “آه ما أعظمك يا أمي وما أعظم تضحياتك”.. هكذا قلت لنفسي بعد سماعي حديث تلك السيدة الغريبة.

بدأت أكتب “الوصفة” وطلبت من السيدة الحضور بعد أسبوع، وعندما انصرفت أحسست أن حديثي معها كان حملاً ثقيلاً.. حقاً إن التعليم شيء والثقافة شيء آخر، هكذا أثبتت لي هذه السيدة، وأكدت ذلك أكثر عندما عادت بعد أسبوع والغضب يكسو وجهها لتصرخ في وجهي أن ابنها يتناول العلاج طوال الأسبوع لكنه لم يمشِ.. ووصل غضبها إلى درجة أنها وصفتني بأني “طبيب فاشل”.. وأني لا أجيد سوى إلقاء الخطب والمواعظ، وأنها سوف تذهب إلى طبيب حقيقي، كما لو كنت أنا طبيباً مزيفاً!

– “يا سيدتي لو ذهبت إلى منظمة الصحة العالمية فلن يستطيع ابنك أن يمشي في أسبوع”.

هكذا رددت على السيدة بمنتهى الهدوء، وأضفت: “إننا مجرد أسباب، إنما الشفاء من عند الله، أنا فقط بدأت العلاج ونحتاج إلى مزيد من الوقت.. لن أحاسبك على كلماتك الجارحة لأنني أقدّر قلقك على طفلك.. اطمئني يا سيدتي ليس هناك ما يدعو إلى القلق، فقط اصبري والنتيجة ستكون كل خير إن شاء الله”، غير أن المرأة أخرجت “الوصفة” من حقيبتها ثم مزقتها، وخرجت تتمتم بكلمات غير مفهومة.

لا بأس، لقد صنعتُ عالمي الخاص، وأنا سعيد بحلوه ومرّه، فما أجمل أن يكون عالمك من الأطفال، وصدق جورج برنارد شو عندما قال: “الحياة شعلة تذوي لكنها تتجدد مرة أخرى.. كلما ولد طفل”، أما حياتي أنا فقد كانت شعلة تتجدد كلما شُفي طفل.