صفحة من يوميات طبيب شرعي

منذ أيام، استدعاني وكيل النيابة على عجل للكشف على جثة تمّ العثور عليها في أكياس من البلاستيك، مخبأة في خزانة داخل أحد البيوت. لقد بقيت هذه الجثة أكثر من ثلاثة أيام في هذا المكان، حتى بدأ التعفن يسري بها وبدأت تسيل منها السوائل وتنبعث منها الغازات الكريهة الرائحة، طبعاً هذا منظر كريه ورهيب بالنسبة للبشر كافة، ولكن ماذا أفعل حيال ذلك، وهذه طبيعي في عملي؟

بالتأكيد، عرفتم من أنا.

أنا الجسر الذي يربط بين الطب والعدالة.. ‏أنا الطبيب الشرعي، المسؤول الرسمي عن التحقيقات في وفاة الموتى الذين توفوا في ظروف غير طبيعية، ومهمتي هي تحديد سبب الوفاة، معتمداً على الصلاحيات والسلطات القانونية الممنوحة لي، فضلاً عن تحديد وقت وطريقة الوفاة بدقة، لخدمة التحقيقات وجلاء الحقيقة في الجرائم الغامضة.

وأنا أستخدم في سبيل ذلك التحقيقات والمهارات نفسها التي يستخدمها الشرطي في معظم الحالات، ذلك أن الإجابات على الغموض الحاصل في الوفاة تكون متوفرة في مكان وقوع الحادث، وحسب المشهد والتقرير الطبي، إذ يتم التحفظ على جميع الأدلة وعرضها عليّ لأصدر التقرير النهائي، من واقع الفحوصات المجردة، فأنا لا يعنيني إدانة المتهم بل ما يهمّني هو تحقيق العدالة.

 

“غسيل الأخطاء”

الطب الشرعي، أو كما يُطلَق عليه في الدول العربية الطب العدلي أو الطب القانوني، هو المنوط به كشف الجرائم للربط بين الطب والقانون، فأيّ موضوع طبي أو إيذاء جسدي يُعرض على الشرطة أو السلطات القضائية يجب أن يُحال إلينا نحن الأطباء الشرعيين، بدءاً بالإيذاء البسيط وانتهاء بالوفاة، وأي شخص يأتي إلى الشرطة ويقول إنّه تعرض للضرب أو الاعتداء يحوّل إلى الطبيب الشرعي، كما يحدث في حالات الشجار وحوادث السير وإصابات العمل، وما شابه ذلك من أشياء تحدث بشكل يومي تقريباً.

ولهذا الفرع من الطب تاريخ عريق، فقد عرفه أجدادنا منذ آلاف السنين عبر كشف الدلائل الموجودة على جثث القتلى لبيان الجاني، وإن لم يكن بالشكل المعروف في العصور الحديثة بطبيعة الحال. وفي عام 1248 ظهر أول كتاب في هذا المجال تقريباً، إنه كتاب صيني بعنوان غريب هو “غسيل الأخطاء”، يشرح كيفية التفرقة بين الموت العادي والموت غرقاً. وهذه تعدّ أول وثيقة مكتوبة حول استخدام الطب الجنائي في حلّ ألغاز الجرائم.

ومنذ عام 1910 أخذت الأدلة الجنائية تضع في الحسبان الآثار التي يخلّفها المجرمون وراءهم في مسرح الجريمة، حتى في حالة عدم وجود آثار بصمات أصابع لهم، فقد اتُخذ الشَّعر والغبار وآثار الأقدام والدهانات أو التربة أو مخلفات النباتات أو الألياف أو الزجاج، كدلائل استرشادية للتوصل إلى المجرمين، ويمكن جمع بعض الآثار من مكان الجريمة بواسطة مكنسة تشفط عيّنات نادرة من هذه المواد، وقد تكون قد علقت بأقدام المشتبه فيهم.

وهناك نوعان من الأطباء الشرعيين، هما الطبيب المقيم الذي يعمل في “المشرحة”، وفي الأغلب الأعم تفضل زميلاتي من الطبيبات الشرعيات ذلك، والطبيب الميداني الذي يعمل في مسرح الجريمة، وهو عمل الأطباء الرجال.

وطبيعة عملي كطبيب شرعي ميداني من أصعب ما يكون ودراستها أكثر صعوبة، ولا يمكن لأي إنسان أن يتواءم معها بسهولة، فهي تحتاج لخبرة وتدريب واطلاع وقراءة مستمرة، ناهيك عن التعامل مع أوساط غير طبيعية مليئة بالجرائم الغامضة، والتي ينبغي عليّ كشف غموضها في وقت قياسي.

والطب الشرعي‏‏، يا سادتي، مهنة طاردة مقارنة بغيره من التخصصات الطبية‏،‏ ليس لأنّ الطبيب من أمثالي يحتاج للتجرد من المشاعر وهو يتعامل مع الجثث فحسب‏، وإنما لأن سقف المهنة والعمل والطموح محدود، إذ لا يمارس الطبيب الشرعي عملاً آخر إضافياً، وراتبه محدود إذا ما قورن بكثير من زملائه في التخصصات الطبية، على الرغم من أن المهنة دقيقة جداً،‏ وكم من القضايا التي كان فيها تقرير الطبيب الشرعي ذراعاً للعدالة‏، ودليلاً على وجود أبطال مجهولين.

وأنا حذر جداً في عملي، لأنني أعلم تمام العلم أن تقريري تتوقف عليه براءة شخص أو وصوله إلى حبل المشنقة، وكتابة التقرير تقسم إلى جزأين‏،‏ الأول يعتمد على إثبات حالة المتوفى وفحص “الحرز” المضبوط في مكان الوفاة، وهذا الجزء لا يختلف عليه اثنان، أما الجزء الثاني فهو رؤيتي أو بلغتنا نحن الأطباء “مناظرتي” للحالة، وبناء عليه فإن نسبة الخطأ في كتابة تقاريرنا تكاد تكون معدومة‏.‏

 

حوار مع جثة!

في بداية التحاقي بهذا العمل، بعد تخرجي في كلية الطب ثم حصولي على درجتي الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص، كنت أخشى منظر الجثث بشدة، وتنتابني الكوابيس ليلاً عندما أرى جثمان شخص مقتول أثناء عملي، وخاصة جثث الأطفال التي كانت تسبب لي ألماً نفسياً شديداً.

وبعد فترة بدأت في التعوّد على الجثث شيئاً فشيئاً، بحكم طبيعة البشر، حتى أنني كنت أتخيل في بعض الأحيان أنني أُدير حواراً مع جثة أتعرف من خلاله على قاتلها!

وغالباً ما أبدأ عملي بوصف المظهر الخارجي للجثة، مثل الملامح الجسدية الخارجية والنوع العرقي للجسد، فضلاً عن أي ملابس كان يرتديها الميت عند وفاته والتي تكون قد تضررت وبشكل واضح بفعل أي سلاح استعمل لقتل صاحب الجثة.

وبعد نزع ثياب الميت بكل انتباه وتقطيعها إذا كان ذلك ضرورياً، يتمّ فحص الوضع الخارجي للجثة بإمعان، وهنا يكون لون الجثة مهماً خلال التشريح أو قبله، لأن هذا اللون قد يشير إلى احتمال حصول تسمّم ربما أدى إلى الوفاة، خاصة بفعل أول أكسيد الكربون، وهنا يجب عليّ أن أصف أي كدمات أو جراح في الجثة.

وظهور البقع الداكنة إشارة مفيدة بأن الجثة قد نُقلت إلى موقع مختلف بعد عدة ساعات من الوفاة، وفي بعض الأحيان قد يظنّ بعض أفراد الشرطة أن تلك البقع هي كدمات بحيث يفترضون أن الضحية قد خضعت للضرب المبرح قبل الوفاة، رغم أنني سرعان ما أتمكن من تحديد الطبيعة الحقيقية لأي بقع يغاير لونها لون بقية الجسد.

وخلال تشريح الجثة أقوم مع مساعديّ بأخذ عينات من مختلف سوائل الجسد، بما فيها الدم والبول والسائل المحيط بالدماغ، على أساس أن التغيّرات التي تحصل في التكوين الكيميائي لهذه السوائل يمكن أن توفّر لنا إشارة إلى ساعة حصول الوفاة، ولكن ليس هناك من طريقة لأخذ الأحوال الجسدية والنفسية التي قد تؤثر في معدل حصول هذه التغيرات في الحسبان.

إذن، حتى ولو لم يكن هناك “حوار” بالمعنى المألوف مع جثث الموتى، فإنّ هناك كما ذكرت لكم في السطور السابقة دلالات تشبه الحوار بين الجثة والطبيب الشرعي، يكاد الجثمان من خلالها أن ينطق ليقول: “هذا هو قاتلي”!