شرطي المرور

لم أكن أستطيع أن أخفي إعجابي بها, فقد كانت تسلب مني الأنفاس, ويسيل لرؤيتها في فمي اللعاب, كنت أتخيلها تلامس جسدي, أحس بنعومتها, بدفئها, أتخيلها تحيط بي, تجعلني أشعر بأني من أصحاب الشأن, يرتفع بها رأسي فوق النجوم, وتحط النسور على كتفي, أسير بين الناس, يحترمني كبيرهم, ويجري من أمامي الصغار ما أن يروني, يشيرون إلي ويتهامسون, أضحك في سري وكأني أسمعهم يقولون اختبئوا جاءت الشرطة..

بقلم: مصطفى جندي على لسان الشرطي أحمد

لطالما كانت تلك البذة الأنيقة تعني لي الكثير, فهي كانت تمثل بالنسبة لي القوة والهيبة والسلطة, أردت أن أرتديها لأضع المسدس على جنبي, أحارب به المجرمين, وألقي القبض على الجناة واللصوص كما في أفلام التشويق والإثارة, مرت السنون وحصلت على الشهادة الثانوية, والتحقت بسلك الشرطة وارتديت الزي الرسمي الخاص بهم, إلا أنه لم يكن هناك من نجوم يعلوها رأسي, ولا من نسور تحط على كتفي, فلم أرتق لأكون برتبة ضابط إذ أني لم أتمكن من الالتحاق بكلية الشرطة, فالكلية تحتاج إلى شهادة جامعية, وهذا ما لم أتمكن من الحصول عليه, فرضيت بالبذة فقط دونما رتب, وكما هو معروف لست أنا أو أحد من أقراني من يختار المجال الذي سيعمل فيه ضمن سلك الشرطة, بل ستأتي النتائج وفق ما تتطلبه الحاجة العامة, وما هو متوفر من شواغر, وبالنسبة لي فقد جاء فرزي في قسم شرطة المرور, قسم قد يرى فيه الكثيرون مصدراً جيداً للدخل الإضافي وهذا ما لم أره أنا, حتى أن كثيرين هنؤوني على منصبي الجديد, ودعوا لي أن يتمها الله علي بأن أصبح في فئة الدراجين, أي رجال الشرطة الذي يعملون على الدراجات النارية, فالشرطي الدراج أكثر إدراراً للدخل الإضافي وأنتم تدركون ما أقصد بالدخل الإضافي, وهذه هي المعادلة التي لم أفهمها, كيف يدعون لي لأعمل ما لا يرضي الله سبحانه؟!

يبدو أن المفاهيم قد انقلبت في يومنا هذا, وبما أني لست هنا في مقام أقيم فيه الناس, وليس لدي من الصلاحية ما يمكنني من إصلاح المجتمع, فلن أتعمق في هذا الأمر كثيراً, وسأتابع ما كنت قد بدأته من حديث عن نفسي, وبالفعل لبست بذتي, كانت أنيقة جداً, أو أنها بدت لي كذلك, اعتمرت قبعتي وأمسكت العصا بيدي التي كساها قفاز أبيض أنيق, وبدأت بتنظيم حركة السير في واحدة من العقد المرورية المزدحمة, سألت نفسي سؤالاً: كيف لي أن أعتاد هذا الزحام وهذه الضجة, وأنا ابن قرية وادعة قد تمر أيام لا تلتقي فيها سيارتان على طريق واحد؟!

كان الأمر في البداية في غاية الصعوبة, وبالأخص إن كنت تتعامل مع سائقين لكل منهم قانونه الخاص, الذي وضعه بناء على احتياجاته, والوقت الذي يملكه.

ما هي إلا لحظات حتى رأيت المخالفات بجميع أشكالها تقريباً, اجتياز الإشارة الحمراء, والتجاوز الخطر, والوقوف في الأماكن الممنوعة, وغيرها وغيرها الكثير, هناك مخالفات من الممكن أن تغض الطرف عنها وهذا ليس لبساطتها, بل لوجود الأخطر منها بكثير, وهل هناك أخطر من تجاوز الإشارة الحمراء, وهذا ما لم أكن لأسمح به, وفعلاً ما أن رأيت من تجاوزها حتى أوقفته, طالباً منه إجازة السوق وأوراق السيارة, وهنا اكتشفت أن الدخل الإضافي يبدأ باكراً, لأني وجدت ضمن أوراق السيارة ورقة إضافية من فئة المئة, وقد رافق رؤيتي إياها ابتسامة عريضة من السائق, هنا بدأ الدم يغلي في عروقي, رميت ما قدمه لي في وجهه, وبدأت أحرر مخالفة مرورية بحقه, نوع من الوجوم علا وجهه, فقليلة هي المرات التي قد ترفض فيه هكذا هدية!

بدأ يرجوني في محاولة لثنيي عن ما بدأت, لكنه لم يفلح, أخذ ورقة المخالفة قائلاً: أنتم تكونون شرفاء في البداية, لكنكم لا تلبثون أن تتغيروا.. كان لكلماته وقع عميق في نفسي, هل من الممكن أن أتغير, هل لنمط الحياة السريع والمتطلب في المدينة أن يبدل اعتقاداتي, ويعدل في مبادئي؟!.. أرجو عدم حصول ذلك.

لم تكن المخالفات المرورية هي أصعب ما في العمل إلا أنها في كثير من الأحيان تؤدي إلى الأصعب والأقسى, فهي السبب في دماء تسيل على قارعة الطريق نتيجة لحادث مروري, ضريبة غالية تلك التي يدفعها الأبرياء في أغلب الأحيان جراء طيش واستهتار بعض الناس, حوادث كثيرة هي التي شاهدتها, إلا أن واحداً منها لا يغادر مخيلتي وهذا ليس لأنه الأعنف والأكثر إزهاقاً للأرواح بل لأنه الأغرب, فبينما كنت في أحد المحلات الصغيرة أبتاع لنفسي كوباً من العصير, وكنت حينها خارج أوقات الدوام الرسمي, وإذ بصوت جلبة صادر عن أحد الحواجز الشبكية المحيطة بأرض يقام بها مبنى جديد, لكي تتضح لكم الصورة في البداية لا بد لي بداية من وصف منطقة الحدث, هي بلدة تقع على سفح جبل قريب من دمشق, تصطف البيوت فوق بعضها كما في خلية النحل لكن دونما انتظام, وعلى الشارع الرئيس كان هناك مشروع استلزم الحفر لعمق يقارب الاثني عشر متراً لبدء البناء, وتصادف أن تكون تلك الحفرة الكبيرة مقابلة لأحد الشوارع الفرعية, بالعودة للوراء خرجت من المحل لأطلع على سبب الضوضاء, إلا أني لم أر سوى قليل من الغبار وسور يهتز, ما هي إلا ثوان وبدأ الناس يتجمعون, ذهبت لأستطلع الأمر, وإذ بحافلة من المقاس الكبير مستقرة في قعر الحفرة, لم أكن في تلك اللحظة ولهول المنظر لأدرك السبب الذي أتى بحافلة إلى مثل ذلك المكان, وبعد التقصي عن الأمر تبين أن سائق الحافلة كان قد أوقف حافلته أمام البيت ودخل لتناول طعام الإفطار, فما كان من طفليه إلا أن ركبا الحافلة وبدأا يعبثان بها ومن ضمن ما عبثا به هو فرامل اليد, مما أدى إلى سير الحافلة التي كانت متوقفة على منحدر, أحد الطفلين قفز من الحافلة ونجا أمّا الآخر فعلق بداخلها, لتتجه الحافلة مباشرة إلى الحفرة قاطعة الشارع الرئيس, وصادمة رجلين كانا -لحظّهما العاثر- يشاهدان العمل في المشروع, دافعة إياهما قبلها إلى الحفرة, لتسقط على رؤوس عدد من عمال البناء البسطاء, وأسفر الحادث عن مقتل أربعة من العمال والرجلين والطفل بالإضافة إلى عدد من الجرحى هم من عمال البناء.

قد يكون مشهداً دراماتيكياً, لكنه حصل وشاهدته, حادث كان ضريبة إهمال سائق فقد الشعور بالمسؤولية.

هذا عملي وقد اعتدت عليه ممزوجاً بالضجيج والازدحام والمخالفات والحوادث, بل صرت أستشعر الموسيقا في أصوات السيارات, والإيقاع في هدير محركاتها, صرت أشعر بأهميتي إذا ما ساعدت شيخاً أو طفلاً في الوصول إلى مبتغاه, صرت أفخر بي عندما أكون السبب في إنقاذ جريح من بين أشلاء سيارة متحطمة, وفي النهاية أقول لمن يقود سيارته, اتّقِ المخالفة تتّقِ شر الحوادث وشر عقوبتي.