شبابنا عز الماضي.. فأين هم اليوم؟

فيما كنت أطالع الشبكة العنكبوتية وقعت عيناي على قصيدة للشاعر بشر بن عونة العبدي يروي من خلالها كيف تغلب على ذلك الضرغام الذي سالت على مخالبه دماء كل من واجهه, والذي اعترضه وهو في طريقه لإحضار ألف ناقة من نوق خُزَاعَة كمهر لابنة عمه، فيقول الشاعر فيما قال:

بقلم: يحيى السيد عمر

أفاطم لو شهدت ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشراً

إذاً لرأيت ليــثاً زار ليثاً هزبراً أغلباً لاقى هزبرا

يدلّ بمخلب وبحدّ ناب وبالّلحظات تحسبـــهنّ جمراً

وفي يمناي ماضي الحدّ أبقى بمضربه قراع الموت أثرا

وأطلقت المهنّــد من يميني فقدّ له من الأضلاع عشراً

فخرّ مجدّلاً بدمٍ كأني هدمت به بناء مشمخــرّا

فلا تجزع؛ فقد لاقيت حرّاً يحاذر أن يعاب؛ فمتّ حرّاً

فإن تكُ قد قتلت فلـيس عاراً فقد لاقيت ذا طرفين حرّا

 

قد لا تكون هذه الأبيات الأروع في الشعر العربي, وقد لا تصل إلى ما وصلت إليه المعلقات من قوة في المعاني والتعبير, وأنا هنا لم أوردها لأقدم مثالاً عن الشعر الجاهلي, لكن ما لفت انتباهي فيها هو الشجاعة البالغة التي أبداها شاعرنا بشر بن عوانة العبدي؛ حيث يعكس شاعرنا القيم التي كانت سائدة في ذلك الزمن, ووسائل التعبير عن الأفكار والمشاعر.. فقد كانت الشجاعة في ذلك الزمن إحدى وسائل التعبير عن الذات, كما كان حال الكرم وإغاثة الملهوف صفات تعكس الثقافة الدارجة حينها.

ولم تختلف تلك الوسائل كثيراً في بدايات الدولة الإسلامية إلا أنها تحسنت وتطورت وباتت تتمتع بمظهر أكثر تحضّراً.

ثم تأتي الحضارة الأموية التي جعلت من العلم أحد أهم مقاييس تقييم الفرد, فانتشرت العلوم بأنواعها كافة, وكانت هذه المرحلة التي بدأ فيه العرب بتصدير أفكارهم وعلومهم إلى أمم العالم المعروف حينها, وليصبح العلم أقوى وسائل التعبير, ولتأخذ الفلسفة وعلم الاجتماع مجدهما, واستمر الحال كما هو في عهد الدولة العباسية, ليبدأ في الانحطاط في زمن المماليك, ويتوقف الإنتاج العلمي العربي نهائياً في زمن السلطنة العثمانية, ويخبو شعاع الفكر في أمتنا العربية.

وبحلول القرن العشرين تنطلق شرارة الثورة العربية معلنة ولادة مرحلة جديدة للفكر العربي, ولتعود الثقافة لتطفو على السطح على شكل أفكار ثورية تدعو للتحرر, وهنا أخذت الفئة الشابة على عاتقها نشر هذا الفكر, فأصبح الشباب هم الفئة الأكثر تأثيراً في الحركة الفكرية في ذلك الوقت, وليسيروا مع التيارات السياسية والفكرية كل حسب مبادئه واعتقاداته.

بالتأكيد لست مِمَّن عاصروا أحداث أوائل ومنتصف القرن الماضي, ولم أكن ممن عايشوا أبطال تلك المرحلة, لكني لا أنكر إعجابي بهم, وبقوة إرادتهم, ولا أخفي انبهاري بشجاعتهم, ولا تزال عيناي ترقصان طرباً لقراءة قصيدة نجيب الريس التي يقول في مطلعها:

يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلام                   ليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى

إلى هنا قد يتراءى لقارئي أني أدعو إلى الثورة, أو أنني أميل إلى النضال, وهذا قد يكون صحيحاً لكن ليس بالمعنى الحرفي أو الأكثر شيوعاً, فأنا فعلاً أدعو إلى أن تعود الثورة, لكن ليست ثورة الانقلابات بل ثورة القلم, وأدعو إلى النضال لكن ليس بالسلاح بل بالفكرة والكلمة.

هذا كان استعراضاً بسيطاً للمراحل التي مرت بها وسائل التعبير في مجتمعنا العربي, وللطرق التي تم بها عكس الثقافة السائدة في كل مرحلة من مراحل تاريخنا العربي.

نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين, عصر الإنترنت, عصر المعلوماتية والاتصالات, عصر الكلمة التي تصل كل بقاع الأرض, عصر تعرفنا فيه على تقاليد الشعوب كافة, ومن المفروغ منه أن زمن الأفكار الثورية قد ولّى في هذه الأيام, وأتى زمن الفكرة العلمية, وانتهت الثورات الجهادية, لتحل محلها الثورة التقنية, لكن ما يثير تساؤلي أين مكان هذه الثورات من وطننا العربي؟.. ألا يجب أن تحل هذه الثورات التقنية محل السياسية وهو الذي شهد العشرات منها إن لم يكن المئات في القرن الماضي؟!.. ألسنا نحن أحفاد قادة الأمس فلماذا لا نكون نحن قادة ثورات اليوم؟

قد يقول قائل: “إن الوطن العربي يشهد ثورة في المجال التقني والعلمي من خلال استخدامه لأحدث ما توصل إليه العلم من اختراعات”.

وهنا يمكننا الإشارة بأننا -العرب- من أكثر الشعوب استيراداً للحضارة, دون أن يكون لنا أدنى محاولة لتصدير الحضارة, وأصبحنا من المستهلكين لها بعدما كنا من المنتجين, بتنا نستورد الأفكار دون التدقيق فيها, دون الفصل بين الجيد والرديء, دون أن نجري أي عملية فلترة لها, ولا يخفى عن عين الناظر وأذن السامع ما ألحقته الثقافات الغربية من أذىً في عقول شبابنا وهم الأمل, فعندما يحل جهاز الهاتف النقال مكان الكتاب, والسيجارة مكان القلم, ويصل الشعر لدى الشباب إلى الكتفين والبنطال يلامس الركبة تستطيع أن تتصور حجم الكارثة, عندما يغدو مايكل جاكسون أهم من المتنبي, ومادونا أطهر من رابعة العدوية, وبيكهام أروع من خالد بن الوليد يمكنك أن تتخيل حجم الكارثة.

ويكون حجم الكارثة أكبر عندما نرى الأسرة فرحة بالمظهر الجديد لأبنائها, ونرى مؤسساتنا التعليمية تشجع على هذه الظاهرة من مبدأ حرية التعبير والتفكير, وبأن الشباب ومن خلال هذه التصرفات يعبرون عن رفضهم للواقع ويشيرون إلى حبهم للتغيير, وهم بذلك يواكبون التفكير الحديث ويكونون أقرب إلى العالم المنفتح, ولا أظن ذلك إلا من الأخطاء الكبيرة.

وليس هذا فحسب, فمنذ مدة شاهدت برنامجاً حوارياً عرض على إحدى القنوات العربية ذات الشعبية الكبيرة, والتي توصف بأنها أنموذج للإعلام العربي الهادف, قامت فيه مقدِّمة البرنامج باستقبال فئة من الشباب العربي والذين لم يبلغوا من العمر العشرين, اجتمع هؤلاء الفتية ليشكلوا فرقة موسيقية, آلاتهم فيها غربية, لباسهم غربي, حتى موسيقاهم وطريقة وقفتهم غربية, وتأتي المقدمة لتتحفنا بالقول إنهم فئة من الشباب استطاعوا أن يعبروا عن آرائهم من خلال موسيقاهم, فبدلاً من أن يدافع إعلامنا عن هويتنا يقوم باستبدالها بثقافات بعيدة كل البعد عن قيمنا وأخلاقنا.

فهل عَدِم شبابنا وسائل التعبير حتى لجؤوا للتعبير عن أنفسهم من خلال قُرْط في الأذن وطريقة سير مترنحة؟!.. هل بات الرسم والشعر والكتابة أدوات غير ذات نفع, أم أنها لم تعد تواكب العصر وما يستجد به من تطورات؟!..

أمتنا ما زال فيها الخير الكثير, فهي خير أمة أخرجت للناس, لكن شبابنا بحاجة إلى نوع من التوعية, نصحِّح به مسارهم, ونستثمر الطاقات الكبيرة التي أعطوها.

فعلينا نحن كجهات إعلامية وتربوية أن نلعب دورنا المنوط بنا, لكي لا يأتينا رجل الغد يقول: هذا ما جناه مجتمعي عليَّ..

بارك الله في شبابنا وأدامهم ذخراً لأمتنا, وجعلهم سبباً في عودة العز العربي..

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF اضغط هنا