سليمان العيسى.. شاعر الطفولة وصديق البراءة

لطالما كان الخريف فصلي الأجمل، بورقاته الذهبية ونسائمه المنعشة، بغيومه المسافرة بشيء يشبه الهروب.. ولطالما بحثت عن الخريف في الأغاني والقصائد والأناشيد، والغريب أن الوصف الأجمل الذي مازال راسخاً في عقلي وقلبي، حملته معي منذ الصف الرابع الابتدائي: (ورقات تطفر في الدرب/ والغيمة شقراء الهدب/ والريح أناشيد/ والنهر تجاعيد/ يا غيمة يا أمّ المطر/ الأرض اشتاقت فانهمري/ والفصل خريف..).

إعداد: آس غاله

من منّا حفظ اسم شاعر في حياته قبل سليمان العيسى؟!.. من منّا مضت طفولته من دون (ماما ماما يا أنغاما) و(عمي منصور نجار) و(فلسطين داري ودرب انتصاري)..؟!

لقد منح الطفولة حبّاً خالداً، ومنحته الطفولة خلود اسمه، وذلك العشق الأسطوري لكلماته، حتّى صارت ترانيم النوم وتمتمات السعادة في الطريق.

في إحدى المقابلات الصحافية مع الشاعر الكبير العيسى، سئل عن أجمل لحظات حياته، فقال إنّه كان يسير ذات يوم في أحد شوارع دمشق، فمرّ من جانبه طفل يردّد إحدى قصائده (ورقات تطفر في الدرب) وهي لحظة لا ينساها.

لعلّ ذلك الشعور بين الشاعر والأطفال شيء متبادل ومقدّس، فقد دخل قلوبهم واستوطنها، وامتلك لقباً لم يحظَ به شاعر قبله أو بعده: (شاعر الطفولة) وما أجمله من لقب!

لمحة عن الشاعر

ولد الشاعر سليمان العيسى في قرية النعيرية بأنطاكيا في لواء اسكندرون عام 1921 لعائلة كان شغلها الشاغل الأدب واللغة العربية، ومثل جميع أقرانه، درس القرآن الكريم لدى (الكتّاب)، الأمر الذي ساهم في تقوية لغته العربية، ولأنّه كان طفلاً في حدود السادسة، كان يتوق إلى اللعب مع رفاقه، لكنّه ما إن يهمّ بالخروج من المنزل، حتى كان والده الشيخ أحمد يصرخ به، ويقول له: لن تخرج قبل أن تحفظ بيتين من الشعر، فكان يحفظ بيتين من الشعر -مضطراً- كلّما أراد اللعب.

تلقّى سليمان العيسى تعليمه في مدارس أنطاكيا وحماه ودمشق، ودرس في دار المعلّمين ببغداد، حيث التقى بزملائه من شعراء ومبدعيّ العراق، ثم انتقل إلى العمل في مدارس حلب، وبعدها أصبح موجّهاً أول للّغة العربية في وزارة التربية السورية.

شريكة العمر.. والأدب

تزوّج سليمان العيسى من الباحثة المعروفة الدكتورة ملكة أبيض، التي شاطرته عشقه للشعر واللغة، واهتمامه بالأدب الأجنبي، وقد اعترف في إحدى المقابلات التلفزيونية قائلاً: “زوجتي الدكتورة ملكة أكثر مني ثقافة واطلاعاً”.. ومثل هذا الاعتراف نادراً ما يقوم به رجل عربي، فكيف بشاعر له اسم ملأ صداه المدى؟!

ويروي الشاعر قصة تعارفه الطريفة مع زوجته، حيث كان يدرّس أخواتها في المنزل، ورأى صدفة إحدى الوسائد مطرّزاً عليها حرف (M) ولأن طالباته لا تبدأ أسماؤهن بهذا الحرف سألهن: “لمن هذه الوسادة؟” فأجبنه بأنها وسادة الأخت الكبرى التي تدرس في بروكسل.

ولسبب ما صار هذا الحرف هاجسه، وصار يتوق إلى عودة أختهنّ الكبرى، وحين عادت وجلس معها، تحوّل توقه إلى إعجاب، فتجرأ ذات مرّة خلال سهرة عائلية كان يحضرها والد الفتاة، وتحدّث معها بالفرنسية -تجنّباً للإحراج أمام الوالد- طالباً منها أن تخرج معه لاحقاً لشرب فنجان قهوة، فأجابته بهدوء وبالفرنسية: “بكلّ سرور، لا مانع عندي، لكنني أودّ إخبارك أن أبي يتحدّث الفرنسية أفضل منّي”..!

العيسى.. مترجِماً

ذلك التميّز في امتلاك اللغة الأجنبية، جمع الزوجين فيما بعد ليثمر مجهودهما عن مجموعة من الكتب المترجمة عن اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ولاسيّما في الستينيات من القرن الماضي، حيث ابتلي شاعرنا الكبير بنكبته الخاصة حين وقع الانفصال، وهو العروبي القوميّ التوّاق إلى أيّ شعرة تستطيع أن تجمع بين العرب من محيطهم إلى خليجهم، لذلك وجد في الكتابة والترجمة ملاذه الوحيد، بعد أن اعتكف في منزله.

وقد انطلقت شراكة الزوجين سليمان وملكة في عالم الترجمة بعد زيارة صديقهما الشاعر الجزائري مالك حداد لهما عام 1960، حيث أهداهما ديوانه المكتوب بالفرنسية (malheur en danger) الذي تحوّل إلى (الشقاء في خطر) بعد أن قاما بترجمته، وإصداره عن مكتبة الشروق بحلب.

وقد نال الديوان المستوحى من نضال الثوّار الجزائريين ضدّ الاحتلال الفرنسي إعجاب القرّاء واهتمامهم، الأمر الذي شجّع الزوجين على ترجمة المزيد من أعمال الأدباء العرب المكتوبة بالفرنسية، فترجما رواية (نجمة) لكاتب ياسين وصدرت عن دار الاتحاد ببيروت عام 1962، كما قام الزوجان بترجمة عدد من مسرحيات كاتب ياسين وصدرت ضمن منشورات وزارة الثقافة في دمشق عام 1965، ومنها مسرحية (الأجداد يزدادون ضراوة) ومسرحية (الجثة المطوقة) التي مثّلتها فرقة مسرحية جزائرية على مسرح الحمراء في دمشق أواخر الستينيات.

ولم يقتصر شاعرنا الكبير في ترجماته على تعاونه مع شريكة عمره ودربه، وإنّما تعاون في منتصف الستينيات مع ناديا الياس أستاذة الأدب الإنجليزي في حلب، فترجما معاً (مئة قصيدة من روائع الشعر الحديث) وصدر عن منشورات وزارة الثقافة عام 1966.

ثمّ ترجما (حارس الشيلم) للكاتب الأمريكي ج.د. سالنجر، إلّا أن وزارة الثقافة السورية اعتذرت عن نشر الرواية لأسباب رقابية، فقاما بترجمة (تسع قصص) للكاتب نفسه وصدرت عام 1966.

واستمرّ سليمان العيسى في عمله بالترجمة، وانتقل إلى ترجمة كتب الأطفال فصدر له (قصص بهيجة) بالاشتراك مع بهيج بدين، ومئة قصة بعنوان (كل يوم حكاية) ومئة قصة بعنوان (لكل قصة لعبة) بالاشتراك مع صلاح مقداد.

كما وجد سليمان العيسى وملكة أبيض الجو الملائم لترجمة كتب الأطفال عن الفرنسية والإنجليزية بعد انتقالهما إلى مدينة تعز اليمنية عام 1989، وكانا قد زارا كثيراً من المكتبات لهذا الغرض في البلاد العربية وأمريكا وكندا، واختارا مجموعة من الكتب صدرت تحت عنوان (روائع من أدب القارات الخمس للأطفال)، وقد انتهيا إلى ترجمة خمس مجموعات أصدرتها دار الفكر في دمشق، حيث حملت كلّ مجموعة عنواناً منفرداً مثل (الحديقة المعلقة) و(قصص يحبّها الجميع) أضاف العيسى إلى كلّ منها نشيداًَ ملائماً لفكرة المجموعة من تأليفه الخاص، ثمّ ما لبث أن جمع هذه الأناشيد في ديوان أسماه (أغاني الحكايات) وكان قد صدر له سابقاً ديوان آخر للأطفال بعنوان (ديوان الأطفال)، إضافة إلى عشرات الدوواين الأخرى ومسرحيات الأطفال ومنها: مع الفجر، شاعر بين الجدران، أعاصير في السلاسل، ثائر من غفار، رمال عطشى، قصائد عربية، الدم والنجوم الخضر، أمواج بلا شاطئ، رسائل مؤرقة، أزهار الضياع، كلمات مقاتلة، أغنيات صغيرة، أغنية في جزيرة السندباد، أغان بريشة البرق، إنسان، المستقبل، النهر، مسرحيات غنائية للأطفال، أناشيد للصغار، الصيف والطلائع، القطار الأخضر، غنوا أيها الصغار، المتنبي والأطفال، الديوان الضاحك، غنوا يا أطفال، دفتر النثر، الكتابة أرق، الفراشة، وسافرت في الغيمة، نشيد الحجارة، كلمات للألم، ثمالات 1و2، أحلام شجرة التوت، فتى غفار، صلاة أرض الثورة.. وقد نال شاعرنا كثيراً من الجوائز والتقديرات على إبداعه.

العيسى.. مترجَماً

مثلما ترجم للآخرين أدبهم، اهتمّ الآخرون بترجمة أدبه، فقامت الشاعرة الإنجليزية برندا ووكر بترجمة باقة من شعره عام 1984، تحت عنوان (الفراشة وقصائد أخرى) (The butterfly and other poems).

كما قام الشاعر الفرنسي أتاناز دو تراسي بترجمة مجموعة أخرى إلى الفرنسية صدرت بعنوان (رائحة الأرض) (ODEUR DE LA TERRE).

وبقدر ما أحبّ الفرح وضحكات الأطفال، آلمته محطات الخذلان والضعف التي مرّ بها العالم العربي، فهو من يقول: (كوارثُنا التي “تَهْمي”/ عرفناها.. بلوناها.. تُضافُ إلى/ مصائبنا/ التي تنهالُ من قِدَمِ/ صديقُكَ في الثمانينات.. -تُدْعى عادةً بوابةَ الهرم-/ أواصل رحلتي.. شبّابتي بيدي../ أغنّي.. والطفولةُ بسمةٌ/ زهراءُ ملْءَ فمي/ وأدعو للغناءِ معي../ وللحُلُم المجنّح/ من يحاكمني على حُلمُي؟).

سليمان العيسى ليس مجرّد شاعر.. إنّه سفينة إحساس لم تبحث يوماً عن ميناء، إلّا أنّ قلوب الأطفال والكبار كانت وستبقى موانئ مفتوحة له، تغني معه للطفولة والفرح..

هوامش:

– مقال للكاتب راتب سكر/ سليمان العيسى.. مترجِماً

– مقال للكاتب أمين إسبر/ ثمانون عاماً.. والبراءة