ستيف جوبز.. متميّز في زمن الإبداع

قد يكون عربياً بالجينات فقط، لكنه بالتأكيد عالميٌّ بقوّة حضوره وتأثيره.. إنّه ذلك الرجل الذي ما إن تسمع بعظمة إنجازاته، حتّى تأسرك قدرته على الإبداع في زمن كاد الإبداع فيه يصبح أمراً عادياً، فلا يتميّز إلّا من استطاع التفوّق على المبدعين أنفسهم..

إعداد: آس غاله

ستيف جوبز.. أكثر من قصة نجاح، وأكبر من حجر يرمى في الماء، إنه سفينة موطنها كلّ بحار العالم، وموانئها حيث تسكن التكنولوجيا وتفرض نفسها بقوّة..

استقالة من القمة

قد يتعجب المرء حين يرى خبر استقالة مدير ما يملأ وسائل الإعلام على اختلاف أشكالها وأنواعها، إذ إنّ عشرات المديرين البارزين على مستوى العالم قدّموا استقالاتهم ولاسيّما في ظلّ الأزمة المالية العالمية التي أطاحت بأكبر الرؤوس الاقتصادية في العالم خلال السنوات القليلة الماضية.

لكن الحال هنا مختلفة، فاستقالة جوبز من منصبه كمدير تنفيذي لشركة (آبل) في شهر آب من العام 2011 هزّت العالم التقني، ولاسيّما بعد تربّعه على قمّة النجاح الذي قد يحلم به أيّ رجل أعمال!

وقد ضمّن رسالة الاستقالة الكلمات التالية: “كنت أقول دائماً بأنه لو حدث وأتى يوم لم أعد فيه أهلاً للواجبات والتوقعات التي تقع على كاهلي كمدير تنفيذي لآبل، سأكون أول من يعلمكم بذلك. مع الأسف، هذا اليوم قد حل. وامتثالاً لهذا الالتزام، ها أنا أقدم استقالتي من منصب المدير التنفيذي في آبل، وأحب أن أخدم، إن رأى المجلس ذلك ملائماً، كرئيس للمجلس، مدير وموظف لصالح آبل. وحيث ما ذهبتم في مسألة من سيعقبني، فأوصي بقوة بإتمام خططنا للخلافة والقيام بوضع تيم كوك في هذا المنصب. أؤمن بأن أكثر أيام آبل ابتكاراً وإشراقاً لا زالت أمامها، وأتطلع لمشاهدتها والمساهمة في نجاحها من منصب جديد، لقد صنعت أفضل صداقات حياتي في آبل، وأشكرهم جميعاً على كل تلك السنين الكثيرة التي كنا قادرين فيها على العمل معاً”..

عربي الجينات.. عالمي الحضور

ولد جوبز في 24 فبراير 1955 في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وهو ابن بالتبني لكلّ من بول وكلارا جوبز، أمّا والداه الحقيقيان فهما عبد الفتاح الجندلي -وهو سوري من مدينة حمص، وقد أصبح فيما بعد أستاذاً بالعلوم السياسية-، وجوانا سيمبسون الطالبة الأمريكية، والتي أصبحت فيما بعد متخصصة في أمراض النطق واللغة، حيث تزوّج الاثنان وأنجبا ستيف وأخته منى سيمبسون، الروائية المعروفة، لكن والد جوانا رفض زواج ابنته من رجل غير أمريكي، ما جعل الأبوين يعطيان ستيف لعائلة أمريكية تبنته وربته.

بعد انضمامه إلى المدرسة الثانوية استغل ستيف أيام الصيف في العمل، وقد اهتمّ بالإلكترونيات منذ صغره، فكان مولعاً بالتكنولوجيا وطرق عمل الآلات، الأمر الذي شجّعه على ابتكار شريحة إلكترونية أثناء دراسته الثانوية، كما أتيحت له فرصة التدرّب في شركة (هيوليت باركارد) حيث تعرف على المهندس الإلكتروني ستيف ووزنياك، فشكّل لقاؤهما نواة لانطلاقة جديدة في عالم التكنولوجيا والإلكترونيات.

وعلى الرغم من فشله الدراسي، حيث رسب في عامه الجامعي الأول وتوقّف عند هذا الحدّ، إلّا أنّه طوّر مهاراته في مجال التكنولوجيا والإلكترونيات، وقدّم أفكاره لشركة (أتاري) التي تعدّ الأولى في صناعة ألعاب الفيديو، الأمر الذي مكّنه من العمل فيها مصمّماً للألعاب.

لكن ما لبث جوبز أن التقى ستيف ووزنياك مرة أخرى عند انضمامه إلى نادٍ لمطوّري أجهزة الكمبيوتر الشخصية، فأخذ التعاون بينهما شكلاً أكثر تطوّراً، ليبنيا واحدة من أشهر شركات الإلكترونيات في العالم (آبل)، وكان ذلك في العام 1976.

وقد تمكّنا من تصميم أوّل نموذج للكمبيوتر الشخصي (آبل 1) بعد أن شغلت جوبز فكرة دمج لوحة المفاتيح مع جهاز الكمبيوتر، الأمر الذي شكّل ثورة في مجال الكمبيوتر، وبداية لثروة في حياة كليهما.

لم يتوقف جوبز ووزنياك عند اختراعهما الأول، بل بقي شغلهما الشاغل تطوير منتجهما لإغراق سوق التكنولوجيا الأمريكية بكمبيوتر (آبل 2) الذي يمتلك برامج عالية الجودة وتكنولوجيا متقدّمة.

وكان الرئيس التنفيذي السابق لشركة أنتل مايك ماركولا قد لاحظ نجاح ستيف وستيف فقرر الاستثمار في آبل وأصبح رئيس مجلس إدارتها، كما جذب نجاح آبل العديد من المستثمرين الآخرين، بينما خرج ستيف ووزنياك من الصورة بعد تعرضه للإصابة في حادث طائرة، فقرر التفرغ لحياته الاجتماعية والاتجاه إلى تدريس علوم الكمبيوتر.

أمّا جوبز فاستمر باختراعاته وإبداعاته، ليطلق جهاز ماكنتوش في بداية الثمانينيات، إلّا أنّ التوقّف عن إنتاج إصدارات مرقّاة من ماكنتوش، أدّى إلى انهيار المبيعات، الأمر الذي دفع كبير الإداريين التنفيذيين في آبل إلى توقيف جوبز عن عمله وتسليمه إلى آخر، فدخل في صراع مع شركائه لاستعادة حقّه في إدارة الأمور، إلّا أنّه خسر معركته واستقال في سبتمبر عام 1985 ليؤسس شركة (نكست ستيب) التي اضطلعت بتطوير وتصنيع سلسلة من محطات عمل أجهزة الكمبيوتر المعنية بأسواق الأعمال والتعليم العالي، فكان أول كمبيوتر من إنتاجها عام 1989، والذي فشل في الوصول إلى المستهلكين بسبب ارتفاع سعره على الرغم من تفوّقه التقني، الأمر الذي قاد (نكست) إلى انهيارات متتالية أوقفتها عن العمل في العام 1993.

وبدورها انتقلت آبل من انهيار إلى انهيار، وتقلّصت حصّتها في السوق، وتتالى على إدارتها العديد من المديرين حتّى استقرّت أخيراً مع جيلبرت إميليو الذي وجد نجاة آبل في ستيف جوبز، فدعاه للانضمام إليها كمستشار في العام 1995، وهو العام الذي عادت فيه (نكست) للصعود محققة أرباحاً جيدة، كما أقام جوبز شراكة مع الرئيس السابق لمايكروسوفت بيل غيتس لتصميم برنامج (ويندوز إن تي).

وما لبثت آبل أن اشترت شركة (نكست) بمبلغ 400 مليون دولار، ليتمّ تعيين جوبز رئيساً تنفيذياً مؤقتاً لآبل عام 1997 براتب قدره دولار واحد سنوياً!

وبعد أن استعادت آبل مكانتها في السوق، وأصبح جوبز مالكاً لـ 30 مليون سهم فيها، انتقل إلى عالم أكثر متعة دون أن يفصله عن التكنولوجيا وهو عالم الكرتون، وكان قد اشترى سابقاً استديو للرسوم المتحركة من جورج لوكاس مقابل 10 ملايين دولار، وهنا ظهر إبداعه الحقيقي بعد أن تمكّن من دمج الرسوم المتحركة مع تكنولوجيا الكمبيوتر الحديثة لتفوز شركة بيكسار -التي تولّى جوبز إدارتها- بجائزة الأوسكار عام 1988 عن فيلمها القصير (توب توين) المنفذ بشكل كامل عن طريق الكمبيوتر.

وبمجرّد معرفة أسماء الأفلام التي أشرف جوبز على تنفيذها، يدرك المرء إلى أيّ مدى وصل إبداع هذا الرجل، وسافر به الخيال ليجعل من التكنولوجيا وسيلة أكثر قدرة على الترفيه ويجعل من الكرتون عالماً أكثر متعة وإبهاراً، فأفلامه هي: (Toy Story، A Bug’s Life، Toy Story2، Monsters، The Incredibles،  Finding Nemo).. وغيرها.

روح مشتعلة بالإبداع

قدّم جوبز لعشّاق الإلكترونيات ابتكاره المدهش (الآي بود)، وبرنامج (آي تونز)، وغيرها من الابتكارات، وكان يتمتع بعقلية تسويقية مدهشة، وعندما سئل ذات مرّة عن سرّ الأفكار الخيالية التي تتمتع بها آبل قال “إنّ من يعمل في الشركة ليسوا مبرمجين فقط، وإنما هناك رسامون وشعراء ومصممون ينظرون للمنتج من زوايا مختلفة لينتجوا في النهاية ما ترونه أمام أعينكم”.. وأعتقد أنّ هذه العبارة كافية لاختصار صورة النجاح الكبرى التي يمتلكها جوبز..

ترجّل ستيف جوبز عن صهوة جواده وهو في قمّة نجاحه، وشاء القدر أن يتوقّف نبض قلبه بعد ترجّله بأقلّ من شهرين، ففي الخامس من تشرين الأول 2011 توفّي عملاق التكنولوجيا، ليترك إرثاً لن يموت..

والغريب أنّ نجاحات جوبز استمرت حتّى بعد وفاته، فقد تصدّر كتاب حول سيرته الذاتية قوائم أفضل الكتب مبيعاً، قبل أن يطرح للبيع في المكتبات!

من مقولات جوبز

* اختارت شركات عديدة تصغير حجمها، وربما كانت هذه الخطوة الصحيحة لهم، أمّا نحن فاخترنا طريقاً مختلفة، قناعتنا هي أننا إذا داومنا على وضع منتجات رائعة أمام المتعاملين، فإنّهم سيستمرون في فتح محافظ نقودهم.

* التصميم ليس فقط كيف يبدو الشيء وكيف يُشعرك، التصميم هو كيف يعمل الشيء.

* أظنّ أنّنا نمرح، وأظنّ أنّ متعاملينا يحبون منتجاتنا فعلاً ونحن نحاول دائماً أن نتحسن.

* الابتكار والإبداع هما ما يميز بين القائد والتابع.