زيت مبارك من شجرة مباركة

ولدت شجرة الزيتون المباركة لتكون أكثر من مجرّد شجرة، إذ في كلّ جزء منها فائدة ومنفعة، وهي بقدر ما تُعطَى من الاهتمام تُعطِي من الجـَنَى. ويعدّ زيت الزيتون المستخلص من ثمارها غذاء ودواء، وقد عرف البشر فوائده منذ آلاف السنين، فطوّروا العديد من أنواع المعاصر لعصر الزيتون، وانتشرت في مواطن الزيتون في الشرق الأوسط ودول حوض البحر المتوسط.

فريق مجلة الأفكار الذكية

يعتقد أنّ أقدم مكان شهد زراعة الزيتون، هو قرية (هضيب الريح) في منطقة رم جنوبي الأردن، إذ استطاع العلماء تحليل الرماد المتبقي في مواقد القرية فوجدوا أن تاريخها يعود إلى العصر النحاسي، أي حوالي العام 5400 قبل الميلاد. كما تشير الدلائل الأثرية إلى زراعة الزيتون في مملكة إيبلا السورية، حيث وجد العديد من الرُقُم تذكر زراعة الزيتون في إيبلا، التي كانت تقدّم زيته كهدايا للملوك وللأبطال الرياضيين.

ومن المعروف اليوم أنّ إسبانيا تأتي في المركز الأوّل عالمياً من حيث عدد الأشجار والمساحة المزروعة بها والإنتاج. حيث يوجد فيها أكثر من 215 مليون شجرة على مساحة قدرها 2 مليون هكتار أي ما يعادل 27 % من المساحة المزروعة بالزيتون في العالم.

وقد بلغ الإنتاج العالمي من زيت الزيتون عام 2002 (2.6 مليون طن متري)، أسهمت إسبانيا بنسبة 40- 45 % منها، تلتها تونس بنسبة 7 %.

وتعدّ إلى جانب هاتين الدولتين إيطاليا واليونان وسوريا والأردن وتركيا أوائل الدول في إنتاج واستهلاك زيت الزيتون على المستوى العالمي، إذ تذكر الإحصاءات وجود أكثر من 750 مليون شجرة زيتون في العالم، 95 % منها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأكثر الإنتاج العالمي يأتي من جنوب أوروبا والمغرب والمشرق العربيين.

غـذاء ودواء

منذ أعوام رأيت فيلماً حول أسرة يونانية تعيش في الولايات المتحدة، تكافح للحفاظ على جذورها وتقاليدها، والطريف في الفيلم هو شخصيّة العمّة اليونانية التقليدية، حيث كان أبرز ملامحها أنّها تستخدم زيت الزيتون النقيّ في كلّ شيء، في الطعام وفي العلاج وحتّى مع الخبز.

وكان التركيز على زيت الزيتون في الفيلم إشارة إلى كونه عنصراً مرتبطاً بالتراث اليوناني، ولم يغفل الفيلم ذكر فوائده على لسان العمّة الحريصة على الغذاء الصحّيّ.

وفي الواقع، كانت العمّة محقّة في حرصها على زيت الزيتون وتشجيع أقربائها على استخدامه، لأنّه غذاء رائع غنيّ بالفيتامينات والدهون المفيدة، وقادر على الوقاية من العديد من الأمراض الخطيرة.

وتحتلّ اليونان المركز الأول في نصيب استهلاك الفرد من زيت الزيتون عالمياً، حيث يتجاوز 26 ليتراً في السنة، أمّا في إسبانيا وإيطاليا فيبلغ نصيب الفرد 14 ليتراً، وفي تونس وسوريا والبرتغال والأردن يصل إلى حوالي 8 ليترات، بينما في أوروبا الشمالية وأمريكا الشمالية فتعدّ نسبة استهلاكه ضئيلة وتقلّ عن ليتر واحد في السنة.

واستخدامات زيت الزيتون لا تقتصر على الجانب الغذائي، وإنّما يستخدم في صناعة الصابون والمستحضرات الخاصة بعلاج الأمراض الجلدية، نظراً لتأثيره العلاجي على العديد من هذه الأمراض.

وقد استخدم قديماً لإشعال المصابيح وأغراض الإنارة، وهو ما زال حتّى اليوم يستخدم في بعض الطقوس الدينية، لدى مختلف المذاهب، لكونه ذكر في الكتب المقدّسة وفي سير الأنبياء والقدّيسين كمادة ذات فوائد عظيمة.

الشجرة المباركة

قد تعيش شجرة الزيتون آلاف السنين، مانحة عطاءها وخيرها لأجيال متعاقبة، وقد اكتشفت أشجار زيتون عمّرت أكثر من إمبراطوريات قويّة ولدت ونمت واندثرت، ومازالت الزيتونة شاهدة على تاريخها، فقد قدّر عمر إحدى أشجار الزيتون العتيقة في فلسطين بما يقرب من 5500 عام، وشهدت زيتونة أخرى قرب القدس ميلاد المسيح عليه السلام، وفي إيطاليا بلغت زيتونة 3000 عام!.

ولنا أن نتصوّر كم من الفوائد تستطيع أشجار الزيتون تقديمها طوال عمرها المديد، إذ إنّ كلّ جزء من شجرة الزيتون يمكن الاستفادة منه، فالثمر يؤكل بعد التخليل ويعدّ من المواد الغذائية الشهيّة والغنيّة، وهو طبق رئيس لدى سكان حوض المتوسط. كما يتمّ عصر الزيتون لاستخلاص الزيت الذي سنذكر فوائده لاحقاً.

أمّا الأخشاب فتعدّ من الأنواع الجيّدة لصناعة المفروشات والتحف ولأغراض التدفئة، ولاسيّما أنّها ذات رائحة طيبة، كما تستخدم الأوراق في صناعة مستحضرات صيدلية مضادّة للفيروسات والطفيليّات، وصناعة مضادّات حيوية، وحتّى البذور يمكن استخدامها في صناعة المسابح والتذكارات، كما تستخدم بعض الأجزاء المتبقية من عصر الزيتون في صناعة أفضل أنواع الصابون وأكثره جودة.

فوائد لا تحصى

تحتوي كل ملعقة كبيرة من زيت الزيتون (13.5غ) بحسب وزارة الزراعة الأميركية على (119 سعراً حرارياً، و13.50 من الدهون، و1.86 من الدهون المشبعة، و0 من كلّ من الكربوهيدرات والألياف والسكر والبروتين والكوليسترول).

ويعدّ زيت الزيتون سهل الهضم مقارنة مع غيره من الدهون النباتية والحيوانية، وذلك لأنّ زيت الزيتون سهل الامتصاص، على العكس من الدهون الأخرى التي تحتاج إلى عدّة عمليات هضمية قبل امتصاصها.

ويعدّ غذاء مفيداً للأطفال لاحتوائه على نسب كبيرة من فيتامين (د) الضروري للعظام، والمهمّ في الوقاية من مرض الكساح، إضافة إلى احتوائه على موادّ تساهم في تقوية الأعصاب، وأخرى مضادّة للأكسدة.

ويمتاز باحتوائه على نسب عالية من من الحامض الدهني الأحادي عدم الإشباع (حامض الأوليك) الذي له فوائد عظيمة فى الطبّ الوقائي، إضافة إلى التركيبة المتوازنة من الأحماض الدهنية العديدة عدم الإشباع، الأمر الذي خفّض نسبة الإصابة بأمراض الأوعية الدموية لدى شعوب حوض المتوسّط التي تستهلك زيت الزيتون بكثرة.

كما يحتوي على العديد من الفيتامينات ولاسيّما فيتامين E وفيتامين A، وعلى البيتاستيرول الذي يمنع الامتصاص المعوي للكوليسترول، وكذلك يحتوي على السيكلوارثنول الذي ينشّط الإفراز البرازي للكوليسترول من خلال زيادة إفراز العصارة الصفراوية.

ويستخدم زيت الزيتون في علاج الحساسية المتكرّرة والعديد من الأمراض الجلدية كالصدفية، إضافة إلى معالجة مشاكل الجهاز الهضمي، ويعمل كمليّن خفيف، ويعالج الكولون ويطرد الديدان.

كما يعالج تورّم العقد الليمفاوية والوهن وتورّم المفاصل وآلامها، وضعف الشهية، ومشكلات الجيوب الأنفية المنتفخة، والجهاز التنفسي ولاسيّما الربو. وكذلك التهاب المفاصل، والتهاب الكبد.

وكان الإغريق يستخدمون زيت الزيتون لتنظيف الجروح وتسريع التئامها، فهو مضادّ للبكتريا والفطريات والطفيليات والفيروسات، كما كانوا يتناولونه لعلاج النقرس وتخفيض السكر وضغط الدم، وتقوية جهاز المناعة. وهو يقي من الإصابة بسرطان الثدي، وسرطان الجلد القتامي.

وتناول زيت الزيتون باستمرار يساهم في إبعاد شبح الشيخوخة عن الإنسان، نظراً لاحتوائه على الكثير من الأحماض الضرورية للجسم، الأمر الذي يساعد على مقاومة الشيخوخة، ويسهم في زيادة نسبة الذكاء لدى الأشخاص الذين يتناولونه باستمرار. وزيت الزيتون يوفّر القدرة على إعاقة وتعطيل نموّ الخلايا السرطانية.

ويعمل على إزالة المواد الدهنية من الجسم سواء في الدم أو الألياف العضلية، فهو يعمل على طرد الكوليسترول الضّار من جسم الإنسان. كما أنّ الأشخاص الذين يتناولونه بشكل دائم ضمن غذائهم يتمتّعون بضغط دم طبيعي، ويقون أنفسهم من ارتفاع الضغط.

وصفات صيدلية

يمكن إعداد وصفات فعّالة جدّاً لحلّ المشاكل الجلدية باستخدام زيت الزيتون، منها:

– تمزج كمّيتان متساويتان من زيت الزيتون والجلسرين مع بضع قطرات من عصير الليمون، ويدهن بها الجلد مع التدليك، لتنعيم البشرة وإزالة الخشونة وتشقّقات اليدين والقدمين.

– يستعمل زيت الزيتون لتدليك فروة الرأس وذلك لإزالة القشرة وتقوية الشعر ومنع تساقطه، وتمليسه وزيادة لمعانه وغزارته.

– يوضع زيت الزيتون على فروة الرأس لعدّة ساعات لقتل القمل.

– لعلاج الحروق السطحية البسيطة، يستخدم مزيج من بياض بيضة واحدة مع ملعقتين من زيت الزيتون ويدهن المزيج دهاناً موضعياً بدون تدليك.

وفي الواقع، لا تتسع المساحة لذكر جميع فوائد زيت الزيتون واستخداماته، لكن يكفي أن نقول إنّ من الحكمة أن نأخذ بنصائح العمّة اليونانية في استخدام زيت الزيتون بشكل دائم، فهو زيت مقدّس من شجرة مباركة.