دفء الورق.. طريق الكلمات إلى القلوب

قرأت ذات مرّة رواية بعنوان (شيفرة دافنشي) عبر شبكة الإنترنت, وعلى الرغم من روعة الرواية التي أخذت صدى كبيراً في أوساط القرّاء, إلا أنني لم أشعر بشيء حميم يربطني بها, وقد نسيت كثيراً من أحداثها, وهذا الأمر أربكني لأنه يحدث معي للمرة الأولى, فحاولت أن أقارن بين الرواية المذكورة, ورواية (وليمة لأعشاب البحر) للأديب حيدر حيدر, التي قرأتها قبل ذلك بأعوام ومازلت أذكر أدق تفاصيلها.. بعد تفكير عميق أدركت السبب, فقد كانت (وليمة لأعشاب البحر) تلازمني أينما ذهبت, كنت أحملها معي إلى الجامعة, وأضمّها بين يديّ, وأضعها قرب وسادتي, وأحياناً كنت أغفو والرواية مفتوحة في يدي.. في حين لم أكن أستطيع ذلك مع الرواية الأخرى, لأنني قرأتها عبر شاشة الكمبيوتر..

إعداد: آس غالة

ثمة دفء فريد يولد مع لمسة يدك للورق.. وثمة إغواء يمارسه البياض على القلم, فيعانق الصفحات ليخط عليها أجمل الكلمات, وثمة شعور لا شبيه له يربط بينك وبين الكلمات حين تخطّها أو تقرؤها عبر الورق..

الورق.. ذلك الاختراع العظيم الذي مازلنا نحتاج إليه بقوة على الرغم من ضعف مقاومته للعوامل الطبيعية والبشرية.. ترى ما قصة ولادته وتطوره؟

 

صناعة الورق

الورق هو مادة رقيقة مسطحة تنتج من ضغط الألياف, وتكون الألياف عادة طبيعية, حيث تتكون أساساً من السيليلوز.

وقد كان الصينيون أول من صنع الورق في القرن الأول بعد ميلاد المسيح عليه السلام، وذلك اعتماداً على سيقان نبات الخيزران (البامبو) المجوفة, والخرق البالية, أو شباك الصيد, ومن لحاء الأشجار المنقوع والنباتات، والأعشاب, وقد تم التوصل إلى التغرية (حشو سطح الورق للحد من انتشار الحبر) في الصين بحلول عام 700 بعد الميلاد.

وانتقلت هذه الصناعة من الصين إلى كوريا واليابان، ثم إلى العالم العربي، حيث استُخدِمت الأسمال البالية أول مرة كمادة خام للألياف.

فكانت هذه المواد تدق، بعد أن تغسل وتفقد ألوانها، في مطاحن خاصة حتى تتحول إلى عجينة طرية, فتضاف إليها كمية من الماء حتى تصبح شبيهة بسائل الصابون، وبعد أن يصفَّى الخليط تؤخذ الألياف المتماسكة المتبقية بعناية لتنشر فوق لوح مسطح لتجففها حرارة الشمس, وبعد التجفيف يمكن صقل الورق بعد ذلك بواسطة خليط من النشا والدقيق.. ثم يجفف من جديد, فيصبح ورقاً قابلاً للاستعمال.

 

هكذا عرف المسلمون الورق

عرف المسلمون الورق عندما فتحوا سمرقند سنة 751م وطردوا منها الجيوش الصينية, حيث أسروا عدداً كبيراً من الصينيين.. كان من بينهم صنّاع الورق الذين أطلعوا العرب على أسرار هذه الصناعة، فأدخلها العباسيون إلى بغدادَ, ومن هناك انتقلت إلى الجزيرة العربية ثم إلى اليمن وسورية ومصر والمغرب العربي والأندلس التي كانت معبر هذه الصناعة إلى فرنسا وصقلية وإيطاليا ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي, وتشهد بذلك نصوص الجغرافي المغربي الشريف الإدريسي.

وفي المغرب كان الإقبال على الورق كبيراً جداً.. حتى أن بعض الوثائق المخطوطة تبرز أن مدينة فاس وحدها كانت تضم في عهد السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين مئة وأربعة معامل ورق.

أما في عهد السلطان الموحدي يعقوب المنصور وابنه محمد المنصور (القرن الثاني عشر الميلادي) فقد كانت هذه المدينة تحوي ما يناهز أربعمائة معمل لإنتاج الورق.

 

تطور صناعة الورق

عندما وصلت صناعة الورق إلى أوروبا، ظهرت بدايات الماكينات مع الاستخدام الأول لآلة السحق، وهي آلة استُخدمت من أجل الإسراع بعملية نقع الأسمال وتحويلها إلى عجينة, وبحلول عام 1495 انتشرت صناعة الورق في جميع أنحاء أوروبا, وخاصة بعد اختراع جوتنبرغ أول ماكينة طباعة, الأمر الذي ساهم في تطور صناعة الورق, لأنه عنصر أساسي في عملية الطباعة.

وكانت مادة الجيلاتين قد استخدمت كمادة تغرية أول مرة عام 1337م، وقد تم إنتاجها بصفتها غراء حيوانياً من الجلود والقرون والأظلاف, وكان الورق النهائي يغمر في محلول ساخن من مادة الجيلاتين للحصول على منتج نهائي أملس ثابت لتقوية الورق.. وجعل صبغات السطح والأحبار أقل قابلية للانتشار.

وقد أدى إنتاج الورق بالماكينة في أوائل القرن التاسع عشر إلى ظهور مجموعة كبيرة متنوعة من أشكال الورق، خصوصاً بعد استخدام عجينة الخشب الميكانيكية.

وبدأت التكنولوجيا الحديثة تقوم بدورها في تلك الصناعة، إلى أن أصبح الأمر اليوم أكبر بكثير من مجرد أوراق للطباعة وأخرى للتغليف، بل أصبح هناك أشكال وأنواع متعددة.. كلٌّ منها يؤدي دوراً مختلفاً حسب المصدر الأول لاستخراجه.

فهناك الورق المأخوذ أساساً من الأشجار الإبرية, التي توجد عادة في المناطق الشمالية الباردة من أوروبا، وهناك أوراق تشبع بألياف السيليلوز لكي تأخذ ملمس القماش ورونقه، أو لأنها تعطي مواصفات جيدة عند الطباعة عليها، ويكون مصدرها الأساسي القطن وأشجار الأرز والقصب.

وكانت أول ماكينة عملية قد صنعت عام 1789م, قد اخترعها المخترع الفرنسي نيكولاس لويس روبرت, وقد طور ماكينة روبرت الأخوان هنري ووسيلي فوردينير عام 1803م, كما حلت مشكلة صناعة الورق من مواد خام رخيصة من خلال التوصل إلى عملية تصنيع لب الورق حوالي عام 1840م، وقد تم التوصل إلى عمليات إنتاج اللب كيميائياً بعد ذلك بحوالي عشر سنين, وحالياً يصنع أكثر من 95 % من الورق من سيليلوز الخشب.

 

معايير للجودة

ولم يقتصر الأمر على طرق صناعة الورق وأنواعه، بل أصبحت هناك مواصفات أخرى أكثر دقة وتعقيداً, حيث اخترعت أجهزة خاصة لقياس لمعان سطح الورق، وجهاز لقياس قوة ومتانة شد الورق الذي يستخدم في عمليات التغليف.. ونسبة الحموضة والقلوية أيضاً.

ونظراً إلى المعدل الكبير لتلف الورق الحديث، تم بذل كثير من الجهود لتطوير ورق مستقر كيميائياً، قائم على الأنواع القلوية المقوّاة في الأساس.

وفي السنين الأخيرة، اهتمت معظم دول الغرب بإنتاج الورق القلوي, ونظراً إلى أن عمليات تصنيع الورق التي تنطوي على عمليات معالجة قديمة للأحماض, تتسبب في تلوث المجاري المائية والجو والتربة، فقد دفعت اللوائح الحكومية صناعة الورق نحو إجراء عمليات معالجة أكثر نظافة وأقل تلويثاً.

 

أنواع الورق

وللورق أنواع عديدة, أكثرها رواجاً:

  1. ورق الجرائد

وهو ورق خفيف قليل المتانة قصير العمر شديد التشرب للسوائل.

  1. ورق المجلات

وهو يشبه ورق الجرائد، إلا أنه يتميز عنه بلمعانه الواضح, ويصنع كلا النوعين من اللب المستخلص بالطريقة الكيميائية.

  1. ورق الكرتون

وهو نوعان:

أ. النوع المضلّع: ويتكون من عدة طبقات، ويستخدم لإنتاج صناديق التعبئة.

ب. النوع الرمادي: ويصنع بتجفيف عجينة اللب المستخدمة فيه بأفران خاصة، بدلاً من أسطوانات التجفيف، ويستخدم في تجليد المطبوعات المختلفة.

  1. الورق المقوّى

ويعالج اللب المستخدم في تصنيعه بمواد كيمائية مختلفة، ويطلى بطبقات من الشمع، حيث يستخدم في تغليف المواد الغذائية.

أما بالنسبة إلى الورق الذي يستخدم فيه الحبر لأغراض الكتابة أو الطباعة, فإنه يتطلب معالجة إضافية بعد التجفيف، لأنه بدون هذه المعالجة، سيمتص الورق الحبر وستظهر الخطوط مشوهة.

 

ليس صديقاً للزمن

بالتأكيد يدرك كثير من القراء الأعزاء, أن الورق لديه سلبية كبيرة, هي ضَعْف مقاومته للزمن, وهذا يجعل ما يتمّ حفظه عبر الورق مهدداً بالتلف أو الاندثار بالحرق أو الغرق..

لذلك يفضلّ الناس الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في حفظ المستندات والعلوم والمعارف, عبر الأقراص الإلكترونية, أو غيرها من الوسائل التي لا يتهدَّدُها التلف كما في الورق..

لكنّ ذلك لم يمنع العلماء والخبراء من محاولة ترميم وحفظ المخطوطات والكتب القيّمة والثمينة, وخاصة تلك التي خطّها عظماء الفلاسفة والعلماء والمخترعون عبر التاريخ, باستخدام مواد كيميائية خاصة, تطيل عمر هذه المخطوطات قدر الإمكان.

وحتى نكون عادلين, علينا أن نتذكر أن الورق الذي تخطّ عليه أجمل القصائد, وأروع الكلمات, تكتب عليه قرارات الفصل من العمل, واتفاقيات التعاون لشراء الأسلحة, وقرارات الإعدام..

لكن ذلك لا يفقد الورق أهميته, لأن ما يخطّ عليه, هو شأن من يخطّه, وما الورق سوى وسيلة لإيصال ما يكتب, وهو الوسيلة الأكثر دفئاً لإيصال الكلمات إلى القلوب..