“دراسة الجدوى الاقتصادية”.. أبجدية النجاح

تعدّ “دراسة الجدوى الاقتصادية التفصيلية” من الأبجديات والأدوات الأساسية اللازمة، التي يتطلب الأمر توافرها عند الاتجاه لإقامة مشروع استثماري معين، ففي ضوء نتائج دراسة الجدوى تلك يتمّ اتخاذ القرار الاستثماري المناسب والصائب، إما بإقامة المشروع في حالة ثبوت جدواه، أو غضّ النظر عنه في حالة عدم جدواه وفق المعايير الاقتصادية.

إعداد: كمال الدهراوي

ويبدأ أي مشروع جديد بفكرة، قد تكون جديدة في مجالها الصناعي أو الخدمي أو غيرها من المجالات الاستثمارية، وقد يكون لها مثيل في مجال الأعمال نفسها، وفي الحالتين فإن الفكرة لا تكفي وحدها لإقامة مشروع ناجح، ويقع العبء الأكبر على كيفية تنفيذ تلك الفكرة حتى لا تذهب مع الريح.

 

رؤية خبير

وتتولى إعداد دراسة جدوى لتلك الفكرة إحدى الجهات الاستشارية المتخصصة في هذا المجال، بحيث تغطي الجوانب الفنية والتسويقية والقانونية والبيئية والمالية للمشروع، وهنا ألفت الانتباه إلى أهمية رأي تلك الجهة الاستشارية، إذ قد ترى عدم جدوى من تنفيذ المشروع بالأساس، ما يجعل المستثمر يشعر بخيبة أمل إزاء فكرة المشروع.

ولكن مدى تفهم المستثمرين بطبيعة الحال لتلك النقطة، قد يقلّل من خسائرهم إلى حدّ كبير، لما لخبراء الجهات الاستشارية من رؤية مستقبلية أوضح لعملية الاستثمار.

ومن جهة أخرى، فمن الطبيعي أن يسبق إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية التفصيلية للمشروع، إجراء الدراسة الاستكشافية أو المبدئية التي تهدف إلى مراجعة وتقييم الظروف الاقتصادية العامة للدولة، لتحديد مجالات الاستثمار المناسبة والمتاحة، والحوافز والضمانات التي تمنحها هذه الدولة للمستثمرين في المجالات المختلفة، كما يتمّ أيضاً تصنيف الفرص والمجالات المتاحة للاستثمار، والتي تتطلبها السوق المحلية أو الخارجية، وإعداد وتجميع المعلومات التفصيلية عن هذه الفرص وترتيبها، وذلك تمهيداً لإعداد الميزانية المطلوبة للمشروع الذي تمّ اختياره.

وغنيٌّ عن البيان أن توافر ميزانية للشركة شاملة الجوانب المشار إليها، يعدّ من بين المستندات الأساسية والضرورية التي يطلب أي مصرف توافرها، عندما يتقدم أحد متعامليه للحصول على قروض استثمارية للمساهمة في تمويل التكاليف الاستثمارية للشركة، أو عند دعوة المصرف للمساهمة في رأسمال الشركة المالكة للمشروع.

ويتمّ من خلال الأجهزة المصرفية المختصة تقييم دراسة الجدوى المُقدمة من المتعامل، للوقوف على مدى جدوى المشروع تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب، سواء بالإقراض أو المساهمة، مع الأخذ في الحسبان سياسة المصرف الائتمانية الاستثمارية.

 

الخطوة الأولى

أول خطوة يجب أن يتمّ اتخاذها عند الإعداد لمشروع جديد هي حساب تكاليف ذلك المشروع، وعلى أساس التكاليف يتمّ وضع الميزانية، ومن الضروري عند إعداد الميزانية لأي شركة تحديد تلك التكاليف، والتي تنقسم إلى تكاليف استثمارية وتشغيلية.

وتشمل التكاليف الاستثمارية جميع المبالغ التي يتحملها المستثمر، منذ التفكير في المشروع وحتى استكماله وبدء تشغيله، حيث تتمثل بنود التكاليف الاستثمارية في الأرض والمباني والإنشاءات والمرافق والمعدات والتجهيزات وتكاليف ما قبل التشغيل، كمصروفات التأسيس والأتعاب الاستشارية والدراسات ومصروفات الافتتاح، فضلاً عن رأس المال العامل اللازم لتشغيل المشروع عند دورته الأولى، و”احتياطي طوارئ” لمواجهة أي نفقات استثمارية لم تؤخذ في الحسبان، أو مواجهة أي زيادة في الأسعار.

أما التكاليف التشغيلية السنوية فأهم بنودها هي التكاليف الثابتة والتكاليف المتغيّرة، وكلا النوعين ليس له علاقة بتغيير حجم الإنتاج، أما بالنسبة للتكاليف التي لها علاقة بتغيير هذا الحجم فتكون ثابتة، طالما أن النشاط الإنتاجي مستمر، ولكن يمكن تجنبها لو أن هذا النشاط توقف، كرواتب الموظفين الذين يقومون بعملية الإشراف، وهناك أيضاً التكاليف التي تستمر حتى لو توقف الإنتاج، ولكن يمكن توفيرها لو تمّ تصفية المشروع، كرواتب من يقومون بالحراسة مثلاً.

وتأتي التكاليف المُضافة، وهي التكاليف المترتبة على قرار معين، كالقرار الخاص باستخدام آلة ما لعدد من الساعات الإضافية، بما يترتب عليه تكاليف إضافية تتمثل في الوقود اللازم لإدارة هذه الآلة، وتكاليف إهلاكها نتيجة لتشغيلها هذا العدد الإضافي من الساعات، ثم التكاليف النقدية وهي التي تتطلب إنفاقاً جارياً للغير كالأجور والرواتب المدفوعة والدفترية، مثل الإهلاك، وهي لا تتطلب إنفاقاً جارياً.

ويمكن للشركات أن تعمل على ترشيد عناصر التكلفة بتطبيق بعض السياسات التشغيلية للعاملين، وإعادة تنظيم عمليات الإنتاج والتوريد وخطط التصنيع ووقف “الهدر”، وتطوير التسويق وتحسين الرقابة على المخزون وحُسن إدارة الأموال، والتخلص من بعض الوحدات التي لم تعد تناسب الشركة في وضع مالي جديد.

وكما هو معروف فإن المحاسبة المالية لا تعطي المعلومات المتعلقة بالتكاليف، وإنما تُعنى بتسجيل وتبويب وتصنيف العمليات المالية، بُغية معرفة المركز المالي للشركة، ومعرفة ما إذا كانت هذه الشركة تحقق الأرباح أم لا.

ولهذا السبب تنبع أهمية إعداد قوائم الكُلفة للشركات، لأن هذه القوائم هي التي تزود إدارة الشركة بمثل هذه المعلومات، كذلك تنبع أهمية إعداد قوائم الكُلفة في أنها تبيّن ما اذا كانت الكُلفة في مختلف الأقسام في الشركة أو المنشأة معقولة أم لا، ومعرفة إلى أي مدى يمكن تقليل هذه التكاليف والتحكم فيها.

 

هيكل التمويل

نأتي إلى هيكل التمويل، الذي يشتمل على المصادر التي سيتم اللجوء إليها لتمويل التكاليف الاستثمارية للمشروع، حيث تنقسم تلك المصادر إلى مصادر ذاتية وهي رأس المال والاحتياطيات النقدية والأرباح المحتجزة ومُجمع الإهلاك. أما المصادر الخارجية فتتمثل في القروض المصرفية طويلة الأجل وتسهيلات الموردين والسندات والأسهم الممتازة، ومصادر التمويل قصيرة الأجل، والمصادر الأخرى قصيرة الأجل، ومن أهم القرارات التي تواجه الإدارة المالية للمنظمات هو تحديد نسبة الدائنين على الملكية العامة في هيكل التمويل.

ومن الضروري التأكيد على توافر إيرادات التشغيل السنوية، التي تمثل المبالغ التي سيحصل عليها المشروع مقابل بيع المنتج أو تأدية الخدمة، ويتمّ تقدير إيرادات التشغيل السنوية في ضوء الطاقة الإنتاجية المتوافقة مع متوسط الأسعار السارية في السوق، لبيع منتجات المشروع أو تقديم الخدمة.

ولإعداد دراسة جدوى ناجحة ومكتملة الجوانب، لابد أن يتوافر لدى من يريد تنفيذ المشروع خلفية عامة عن الوضع الاقتصادي و”الديموجرافي” للبلد الذي يعمل فيه، وذلك حتى يكون أقدر على تحديد طبيعة المنتج.

وتأتي البيانات السكانية في أولوية تلك البيانات الواجب توافرها، كعدد السكان ومعدل نموهم وتوزيعهم، وأما فيما يخصّ الوضع الاقتصادي والتشريعي العام للبلد مكان المشروع، فيجب توافر معلومات عن متوسط الدخل ودرجة النشاط التجاري والنقل والمواصلات، والوضع التنافسي للمشروعات البديلة وسلوك المستهلكين، ومدى القيود المفروضة على الأسعار المحلية، والسياسات التجارية ونظام التعريفة الجمركية على الواردات والصادرات، وهي أشياء غالباً ما تفرضها التشريعات الحكومية على المشروع.

وفي النهاية فإن النجاح يعتمد على صياغة المفاهيم، كي تتمّ إزالة كل ما ثبت فشله، كما أن الانفتاح على التجارب الناجحة المعتمدة على أسس مرنة، أمر مهم للاستفادة من تجارب الآخرين.