دارت.. فلم تتوقف

يقولون إنّ تاريخ البشرية شهد نقاط تحوّل كبيرة أدّت إلى ما نشهده اليوم من تطوّر وتقدّم، كان أبرزها ثلاثة أحداث عظيمة، هي: اكتشاف النار، واختراع العجلة، واختراع الطباعة.. إذ تمكّن البشر من بناء الحضارة وصناعة التاريخ بناء على هذه القفزات العملاقة، دون التقليل من شأن باقي الاختراعات والاكتشافات، لأنّ الحضارة الإنسانية نتاج عشرات آلاف السنين من التطوّر العقلي الذي استثمر البيئة والطبيعة أفضل استثمار، ليبني لنفسه مكاناً على هذه الأرض..

إعداد: آس غاله

من الصعوبة بمكان أن نتخيّل شكل حياة الإنسان البدائي قبل استقراره الأول وانتقاله من حياة الصيد والتنقّل والنوم في الكهوف، إلى حياة الزراعة والاستقرار على ضفاف الأنهار، إلّا أننا نعرف أنّ أعظم اختراعاته آنذاك كان (رمح كلوفيس) الذي تطوّر عن الأسلحة الحجرية، ليستخدمه الصيّادون في اقتناص أكبر الفرائس، وعلى رأسها الماموث.

بذرة الحضارة

وليس معلوماً إن كان اختراع هذا الرمح قد سبق اكتشاف النار أم تلاه، لكن من المؤكّد أنّ إنساناً استطاع تشغيل دماغه لتحسين سلاحه الحجري وتحويله إلى سلاح قاتل، بتقويته بجزء معدني يخترق جلد ماموث عملاق، من المؤكّد أنّه يستطيع اختراع ما يبني حضارة تعيش آلاف السنين.. وهذا ما حدث.. فقد انتقل الإنسان الأول إلى حياة الزراعة، فاستقرّ على ضفاف الأنهار، حيث نشأت بذرة الحضارات الأولى في بلاد النهرين ومصر وإفريقيا وغيرها من أحواض الأنهار في العالم القديم.

ومع التحوّل إلى الزراعة احتاج الإنسان إلى أكثر من يديه ليؤدّي مهامه، وينجز أعماله، فبدأ باستثمار معطيات البيئة من حوله، فاخترع الآلات الزراعية البدائية من فأس ومنجل ومحراث يدوي، وذلك مما توفّر له من معادن وحجارة وأخشاب.. لكنّه مع تقدّمه في عمله وتحوّله إلى إنتاج كمّيات وافرة من المحصولات الزراعية، احتاج إلى معدّات أخرى ينقل بها محاصيله، كما تطوّر استخدامه للأدوات اليومية، فاحتاج إلى أوانٍ وصحون وجرار فخارية، وهنا.. ولدت العجلة..

دارت..

حسب ما وصل إلينا من المصادر التاريخية، إنّ العجلة دارت لأول مرة في الألفية الخامسة قبل الميلاد في بلاد سومر القديمة بالعراق، حيث كان السومريون من أوائل المجموعات البشرية التي استقرّت وأنشأت حضارة على ضفاف دجلة والفرات.

وتظهر المنحوتات المكتشفة في آثار سومر، صوراً لجنود في عربات بعجلات، وهذا دليل على استخدام العجلة في مختلف مجالات الحياة، وتطوّر استعمالاتها مع تطوّر الحياة وتقدّم شعب سومر.

والعجلة لا تحتاج إلى وصف للتعريف بها، ولاسيّما في هذا العصر الذي يشهد استخداماً للعجلة بمختلف أشكالها في أدقّ تفاصيل الأدوات التي نستخدمها.. حيث تقوم بتسهيل الحركة، ومن هذا المنطلق تعتمد عليها الميكانيكا الحركية في كثير من الآلات الخفيفة والثقيلة.

وبالتأكيد لا يمكن لدرّاجة أو سيارة أو قطار أن تعمل بدون عجلات، وهذه بديهية أساسية. كما أنّ من البديهي أيضاً أن تكون ثورة المواصلات قد بنيت أساساً على العجلة، فقد استطاع ذلك الشيء الصغير المدوّر أن يختصر المسافات، ويوفّر قدراً كبيراً من الزمن.. فالرحلة التي كانت سابقاً تستغرق شهوراً سيراً على الأقدام أو على ظهور الحيوانات، باتت اليوم تتمّ خلال أيام قليلة بفضل العجلة.

وبالعودة إلى الاستخدام الأول للعجلة في عالم الزراعة، نجد أنّها قد تطوّرت لخدمة هذه المسألة تحديداً، بما شكّل قفزة أخرى مهمّة في تاريخ البشرية، وهو الانتقال إلى المكننة في الزراعة، حيث تمّ استخدام (الدولاب) أي الناعورة في رفع المياه من الأنهار لتحويلها إلى مجاري الريّ.

كما ساهم استخدام العجلة في صناعة الفخاريات في تطوير استخدام الفخّاريات ذاتها، فلم تعد مجرّد أدوات منزلية، وإنّما باتت تأخذ أشكالاً أكثر جمالية، وربّما استخدم بعضها للتعريف بحقبة ما مرّت على هذه الحضارة، عبر الأشكال والرسومات والرموز المرسومة عليها.

كما بات للعجلة دور كبير في الصناعات البدائية البسيطة التي ولدت فيما بعد في هذه المنطقة، ومنها طحن الحبوب وعصر الزيتون وصناعة العربات وغيرها من الصناعات التي تطوّرت مع تطوّر وازدياد حاجات البشر.

وصلت..

برغم العزلة التي كانت تعيشها المجموعات البشرية الأولى، نظراً لصعوبة التنقّل بينها لعدم وجود وسائل مواصلات، إلّا أنّ المخترعات والمكتشفات وجدت طرقها للوصول إلى الشعوب الأخرى، وذلك بعد نشوء التجارة ومحاولة الأشخاص الفضوليين التعرف على الآخر واستكشاف العالم.. وبذلك وصلت خبرات ومعارف الأمم والشعوب إلى جيرانها، فدارت العجلة باتجاه آسيا وأوروبا، ووصلت إلى الهند وباكستان في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وقد وجدت قرب الجزء الشمالي من القوقاز قبور عديدة دفن فيها أشخاص منذ العام 3700 قبل الميلاد ومعهم عربات ثنائية ورباعية العجلات.

وأقدم تصوير لما يمكن أن يكون مركبة بعجلات (في هذه الحالة عربة بأربع عجلات وقضيبين محوريين) وجد على قِدر فخارية في جنوب بولندا، ويعود إلى العام 3500 قبل الميلاد.

وفي الصين اختلفت المصادر التاريخية حول وجود العجلات واستخدامها في عربات بعجلتين وحصان، فيما بين العامين 2000 و1200 قبل الميلاد، وليس معروفاً إن كان هناك اختراع مستقل للعجلة في شرقي آسيا، أم أنها انتقلت إلى هناك عبر جبال الهيمالايا، ويعتقد بعض المؤرخين أنّ وصول العجلة إلى الصين جاء عبر الغزاة الذين قادوا العربات ثنائية العجلات.

أمّا عن وصول العجلة إلى أوروبا، فلدى بعض علماء الآثار اعتقاد بأنّ اختراع العجلة مع المحور قد تمّ في أوروبا، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية السائدة هناك، من حيث السهول ذات السطوح القاسية التي يصعب جرّ الحمولات الثقيلة عليها، وتوفّر كميات من خشب الأشجار التي استعملها حرفيون مهرة في كل مجالات الحياة، ما وفّر أفضل الظروف لاختراع عجلة للاستخدام في النقل، ويذكر هؤلاء أنّ التسلسل الزمني الأقدم المعروف من العيّنات والتمثيلات للعجلات والمركبات ذات العجلات، يبيّن أنّ هذا الاختراع قد تمّ في أوروبا، في حدود النصف الأول من الألفية الرابعة قبل الميلاد.

لكن كلّ هذا غير مثبت بالدليل القاطع، ولاسيّما أنّ من المعروف والمثبت تاريخياً أن السومريين كانوا من أوائل الشعوب التي استقرّت وأنشأت حضارة، ما استدعى بطبيعة الحال تطوّر الأدوات واختراع المزيد منها لتلبية احتياجات الناس.

عجلات للطريق

في العصر الحديث، وتحديداً في عام 1845، تمكّن الأمريكي جون دنلوب من اختراع الدواليب الهوائية، وتلاه الفرنسي إدوار ميشلان عام 1895 حيث تمكن من صنع الدواليب لسيارة سباق بين مدينتي باريس وبوردو الفرنسيتين، وفي العام 1948 أنتج ميشلان في فرنسا الدواليب القطرية راديال إنتاجاً تجارياً، ومازلنا حتّى اليوم نرى اسمي دنلوب وميشلان، في كلّ أنحاء العالم، كأشهر الماركات لصناعة الإطارات وأوسعها انتشاراً.

رمز التطوّر

تحوّلت العجلة إلى رمز للحضارة والتطوّر الذي تشهده الأمم، فقد أصبحت تستخدم ثقافياً وروحياً، للإشارة إلى دورة ما أو نمط متكرر بانتظام، مثل الشاكرا والتناسخ والين واليانغ، وغير ذلك.. كما يستخدم بعض الدول والمنظمات العجلة بأشكال مختلفة كرمز لها، وكدليل على تطوّرها.

فقد أدرك جميع البشر أنّ هذه العجلة التي دارت منذ ما يقرب السبعة آلاف عام، دارت معها عجلة الحياة كلّها، وهي ما زالت حتّى اليوم تدور..