حكيم الأندلس عباس بن فرناس.. أهمله العرب وتجاهله الغرب

بعد كل هذه السنين، وبعد كل تلك الساعات الطويلة التي قضيتها عالقة بين زحام العربات، وبعد كل هذا الكم من الضغط النفسي والعصبي اليومي، لا تزال نفسي وروحي تضيق ذرعاً بهذا الوضع، ولم أكن لأتعود على هذه الحالة من الاضطراب الإنساني، ولازلت كل يوم عندما استيقظ صباحاً للالتحاق بعملي أفتح زجاج النافذة وأطل على الطريق من بعيد وأمنّي النفس بأن يكون يوماً ليس كباقي الأيام هبط خلاله حل سحري من السماء وشق الطرقات فساحة ورحابة حتى أصبحت السيارات تتسابق على الطرقات كالفراشات لا كالسلاحف..

إعداد: خولة العليوي

لكن حالي كحال الشاعر حين قال:

أعلل النفس بالآمال أرقبها                ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

نعم هي الآمال ولا شيء سواها، قلت لصديقتي التي تشاركني العناء اليومي في ذلك اليوم ونحن عالقتان بين صلف الإسفلت وغرور المعدن وجبروت حرارة الشمس، ماذا لو أن تجربة عباس بن فرناس في الطيران كانت قد نجحت، هل كنا سنتخلص من هذا الازدحام المقيت؟!

وهل سيكون بإمكان كل إنسان على هذه الأرض الطيران؟ وهل ستكون ملابس الطيران هذه بمتناول كل شخص كالسيارات اليوم؟! وهل كنا سنتأخر في الوصول إلى عملنا؟ وهل سينتقل هذا الازدحام من الأرض إلى الفضاء؟

ضحكنا كثيراً في ذلك اليوم وأصبحت كل واحدة منا تتخيل الوضع الذي سيكون عليه حال البشر لو كان بمقدورهم الطيران، وفي غمرة كل هذا فاجأتني صديقتي بسؤالها: ماذا تعرفين عن عباس بن فرناس؟

أجبتها بكل ثقة: كان رائد أول محاولة للطيران قام بها الإنسان في التاريخ.

فبادرتني بالقول هذا للأسف ما يعرفه الجميع عن عباس بن فرناس وما ركزت على إبرازه جميع المناهج الدراسية، على الرغم من أنه كان عالماً وفيلسوفاً وكيميائياً وفيزيائياً وفلكياً، وبرق نجمه في الأندلس بسبب إبداعاته العديدة في مختلف المجالات العلمية والفكرية والأدبية..

من هو عباس بن فرناس؟

تابعت صديقتي حديثها:

“هو أبو القاسم عباس بن فرناس بن ورداس التاكرتي القرطبي، عاش في القرنين الثاني والثالث الهجريين في عهد الخليفة عبد الرحمن الثاني بن الحكم، لكن لم تذكر المصادر على وجه الدقة تاريخ ميلاده، وأجمع المحققون من المؤرخين على أنه توفي عام 274هـ عن عمر ناهز 80 عاماً.

نشأ عباس بن فرناس وتعلم في قرطبة منارة العلم وبلد الصناعات آنذاك، ومارس فيها نشاطه العلمي والفكري، ودرس علوم القرآن الكريم ومبادئ الشرع الحنيف في مسجد قرطبة الكبير, حيث كان يجتمع العلماء والفقهاء، وهكذا نهل العلوم والمعارف حتى تبحر في مختلف أنواع المعرفة مما أهله لخوض غمار المناظرات والمناقشات والندوات والخطب والمحاورات والمجادلات, في شتى فنون المعرفة والشعر والأدب واللغة.

كما اشتغل بعلم النحو وقواعد الإعراب وعلمه لأدباء الأندلس وشعرائها وعلماء اللغة وفك الغامض من العلوم كعلم البديع والبيان وعلوم البلاغة, واللغة التي ابتكرها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقرض ابن فرناس الشعر وأبدع فيه, ولعل من أهم قصائده قصيدة رثاء ابن الخليفة محمد بن عبد الرحمن الثاني بن الحكم المتوفى سنة 273.

أول طائر آدمي

كان ابن فرناس رائد محاولة تطبيق العلم على العمل وكان يربط بين مختلف العلوم، ويحسن الاستفادة والإفادة من جمعه بين تلك العلوم, فقد قادته دراسة الكيمياء إلى اختراع صناعة الزجاج من الحجارة والرمل، وإلى البراعة في علم الصيدلة، ودرس الطب وعمد إلى قراءة خصائص الأمراض وأعراضها وتشخيصها واهتم بطرق الوقاية منها.

كما سهلت عليه علوم الفيزياء التي درس خلالها ثقل الأجسام ومقاومة الهواء لها، وتأثير ضغط الهواء أثناء تحليقها في الفضاء، القيام بتجربة الطيران الأولى في التاريخ، حين كسا نفسه بالريش الذي اتخذه من سرقي الحرير (شقق الحرير الأبيض) لمتانته وقوته ليتناسب مع ثقل جسمه، وصنع له جناحين من الحرير أيضاً يحملان جسمه إذا ما حركهما في الفضاء، وبعد أن أعد العدة أعلن على الملأ من بني قومه أنه يريد أن يطير في الفضاء، وأن طيرانه سيكون من الرصافة في ظاهر مدينة قرطبة، فاجتمع الناس هناك لمشاهدة هذا العمل الفريد والطائر الآدمي الذي سيحلق في فضاء قرطبة.

وصعد ابن فرناس بريشه الحريري فوق مرتفع وقفز في الجو محاولاً الطيران بواسطة جناحيه، وبالفعل حلق في الفضاء لمسافة غير قصيرة، وعندما أراد الهبوط تأذى في ظهره، لأنه لم يكن يعلم أهمية الذيل للجسم أثناء هبوطه إلى الأرض.

عدة علماء في واحد!

جاء عباس بن فرناس بما أدهش العالم في علوم الطبيعة وعلوم الفلك, فكان مخترعاً بارعاً وعالماً بالرياضيات، وتسجل له العديد من المخترعات المتميزة والمهمة, كالميقاتة، التي تعد النواة الأولى لصناعة الساعة، وكان هو أول من صنعها لمعرفة الأوقات.

وهناك المنقالة وهي آلة لحساب الزمن فقد اشتهر ابن فرناس بصناعة الآلات الهندسية والعلمية الدقيقة كالمنقالة، ويوجد نموذج لها في المسجد الكبير بمدينة طنجة في المغرب.

ومن مخترعاته كذلك آلة سميت ذات الحلق وهي تشبه الاسطرلاب إلى حد كبير، وتعمل على رصد حركة الكواكب وأفلاكها ومداراتها، كما أنها ترصد حركة الشمس والقمر والنجوم ومطالعها ومنازلها، وتسجل باسمه كذلك القبة السماوية والتي تطورت في أيامنا هذه، فكان عباس بن فرناس أول من رسمها في منزله على هيئة السماء بنجومها وغيومها وبروقها ورعودها والشمس والقمر والكواكب ومداراتها، وجعل في أعلى هذه اللوحة البديعة نجوماً وغيوماً تبدو كأنها حقيقة، وكان يطيب للناس في زمانه زيارة منزله لمشاهدة هذه اللوحة العجيبة.

لقد برع عباس بن فرناس في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وذاع صيته في أنحاء الأندلس حتى أطلق عليه الناس لقب “حكيم الأندلس” ومن المعروف أن المسلمين كانوا يطلقون لقب الحكمة على من يمارس صنعة الكيمياء والطب ويبرع فيهما.

هذا باختصار شديد ما يمكن أن أذكره عن هذا العالم الجليل الذي لم ينصفه العرب وتجاهل إنجازاته الغرب, فقد أهمل العرب مختلف إبداعاته وذكروا له فقط محاولة الطيران الأولى مع بعض التحفظات تجاهها، كما تجاهله الغرب ولم يذكروا اسمه في تاريخ تطور الطيران عبر التاريخ”.

بهذه الكلمات أنهت صديقتي حديثها عن عباس بن فرناس، وكنا في هذه الأثناء قد وصلنا مكان عملنا، وللمرة الأولى لم أشعر بطول الطريق وضغط الازدحام، وقررنا منذ ذلك اليوم أن نقضي طريقنا إلى العمل كل يوم بالحديث عن أبرز المبدعين في التاريخ الإنساني، فيمضي وقتنا الضائع بما هو مفيد ونافع.