تكفيني سعاد واحدة

لقد أنهيت مهمتي للتو وها أنا الآن قد ألقيت جسدي على كرسي مكتبي المريح, بعد أن غادرت قاعة المحكمة بخطا واثقة متزنة, في الوقت الذي يسير الطرف الثاني من المهمة إلى غرفته, لا ليستريح فيها بل ليقضي فيها ساعاته الأخيرة..

بقلم: مصطفى جندي

يا لهذا الفرق بين كلتا الوجهتين, لكن هل يا ترى هناك فرق بالفعل, أم أن الطريق اختلفت لكن الوجهة واحدة, وكيف تكون الوجهة واحدة؟ قد يسأل سائل, فأنا القاضي أمشي بكل وقار, والهيبة تقطر من وجهي متجهاً إلى مكتبي الفخم, لأجلس وأحتسي فنجاناً من القهوة, بينما يساق المتهم مكبلاً بالأصفاد, ليلقى في زنزانته الضيقة التي تغلغلت العتمة والرطوبة في جدرانها, منتظراً اليوم الذي تشرق فيه الشمس للمرة الأخيرة في حياته.

قد يكون هذا هو الحال في نظر الجميع, لكنه يختلف من وجهة نظري أنا القاضي, فأنا اليوم قد أمرت بروح أن تزهق, إنها قضية نفسية معقدة بعض الشيء, فمنذ قليل حكمت بالإعدام على شخص ثبتت عليه التهمة بشكل قاطع, لكنه لم يعترف بتهمته, ماذا لو كان ذاك الشخص بريئاً؟ ماذا لو خفيت الحقيقة عن عينيّ وعن أعين مستشاريّ؟ وكما قال تعالى في محكم تنزيله وهو خير القائلين: {فإنها لا تعمى الأبصار, ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}..

صراع يدور في الخلد ليصل درجة يساوي فيها الموت صعوبة, صراع يرافقه صدى ما انتهى في قاعة المحكمة للتو, حيث اختلطت أصوات الزغاريد مع أصوات الصراخ, والهتافات والتكبير مع النحيب والعويل.

هذه هي حالي دائماً, أصل إلى المكتب, ألقي جسدي العجوز على الكرسي اعترافاً مني بالضعف الذي لحق عظامي, وأقذف بنظري إلى سقف الغرفة, أضع فنجان القهوة أمامي فأبحر مع رائحته بفكري, ولا أدري هل هي رائحة القهوة من تأخذني في رحلتي اليومية, أم أن عقلي يريد أن يتحرر من جدران رأسي لينطلق عبر الزمن, ليسترجع كل كلمة قيلت أو قرأت, وكل حركة أو همسة صدرت عن هذا وعن ذاك..

أبحر في فضائي الخاص, لأدخل في صراع ما بين الخير والشرّ, ما بين الحقّ والباطل, ما بين أنا المنتصر وأنا المختبئ خلف نصر زائف, أراجع ما حدث هذا اليوم وكل يوم, فهل أنا على صواب, أم أن رميتي أخطأت الهدف, فسقطت في صدر إنسان بريء؟.

تتجاوز عيناي سقف الغرفة وتنظران في البعيد البعيد, لأحصي السهام التي أطلقتها, هل كانت سهامي رميات لرامٍ متمرس, أم أنها كانت خبط عشواء, يصيب منها ما يصيب ويخطئ منها ما يخطئ؟

وبالرغم من ثقتي بنفسي وبصحة ما أقوم به إلا أني أخشى أن أفتح عيني ذات يوم لأجد أني أخطأت الحكم, وأني أطلقت مجرماً ليعيث في الأرض فساداً, وعلقت مكانه بريئاً ليتأرجح حيث لا يودّ أحد فعل ذلك.

ويمضي الوقت رويداً رويداً, وتستمر أشرعتي في الإبحار في الزمن الماضي, تبحر في ثلاثين بحراً كنت قد مررت بها, ثلاثون بحراً ما هي إلا ثلاثون سنة كنت فيها سيد المحكمة, كنت صاحب الكلمة الفصل, فكلمتي إما أن تبرِّئ, أو تسجن, أو تغرّم, أو يكون فيها نقطة النهاية لمسيرة إنسان على هذه الأرض.

ثلاثون سنة كانت ما أثقلها, وما أشدّ وطأتها, وهنا لن أنكر ذاك الشعور الرائع الذي اعتراني لما علمت بأني أصبحت قاضياً, لكنه شعور ما لبث أن تبدد عندما جلست فوق ذلك الكرسي الضخم, والذي وضع في مكان مرتفع أرى فيه الجميع, ما إن جلست حتى انقلب شعور السعادة إلى شعور رهبة وخوف, لقد أصبحت قاضياً, ولم أكن يوماً لأتباهى بلقب القاضي رغم ما يحمله هذا اللقب من هيبة ووقار, فخلف هذا اللقب تكمن مسؤولية عظمى, وتحت ذلك الثوب الأسود الفضفاض يقبع جسد أرهقه التفكير, وقلب يخفق كعصفور مذبوح, وما طرقات المطرقة التي كانت تتردد في القاعة إلا صدى لنبضات ذلك القلب, الذي يطلب لحظة من هدوء, يجمع بها شتات أفكاره, ينسلخ فيها عن عواطفه, ليسلم الأمر للعقل فقط, ولا شيء سوى العقل, فليس هناك من مجال للتغاضي أو المسامحة, فالأمر واضح جلي, 1 + 1= 2 لا احتمال آخر, ودليل وشاهد يوصلان إلى تثبيت التهمة أو نفيها.

تتوقف رائحة القهوة عن الانتشار في مكتبي, ففنجاني قد برد دون أن أشعر, إلا أن هذا لا يمنعني من متابعة رحلتي لأقلب صفحات قضايا كان لها في نفسي وقع خاص, قضايا بعينها أعجز عن نسيانها, فقد انطبعت أحداثها على جدران مكتبي، وعلى زجاج نظارتي وعلى يدي, كيفما التفت أراها أمامي, قضايا تأبى أن تنساني, وهذا ليس لصعوبتها أو خطورتها, بل لتفاصيل صغيرة فيها, قد تكون نظرة من طفل, أو آه تخرج من صدر عجوز لتصفعني على وجهي, لتقول لي اتّقِ الله, أبقِ الميزان عادلاً, احذر من أن تميل الكفة وينقلب الباطل حقاً والحق باطلاً.

تتسارع الأحداث في رأسي وتتطاير الأوراق والملفات والوجوه في فضاء مكتبي, لتقف أمامي تلك الحسناء, تقف أمامي بكل ما فيها من براءة, وكل ما عليها من ظلم حملته لها, تقف أمامي بدموعها ودمائها, بصرختها التي تجلجل في داخلي, إنها الصفحة السوداء في ملف سِنِيّ, إنها الخنجر الذي أستيقظ على طعم نصله يخترق جسدي كل صباح, وعلى الطعم ذاته أنام بعد أن يمارس طقوسه اليومية في تعذيبي, ثلاث عشرة سنة مرّت على إغلاق ملفّ القضية, ثلاث عشرة سنة مرّت على إصداري الحكم وتنفيذه, لتغمض سعاد عينيها للأبد, إلا أن الملف أبى أن يبقى مغلقاً, جاء اليوم الذي سطعت فيه شمس الحقيقة, لتقول لي لقد ظلمتها, لم أكن أقصد أن أظلمها, فكل ما كان بين يدي من أدلة وبراهين وإثباتات, يقول بأنها هي الجانية, وقلت إنها هي, ليأتي اليوم الذي أعرف فيه أني كنت على غير هدى, بعد سبع سنين جاء من يؤكد براءتها, من يومها وذاك الخنجر يمارس عليّ طقوس تعذيبه اليومية.

حاولت كثيراً أن أنسى هذه القضية, كما حاولت أن أكفّر عن ذنبي بنصرة المظلوم وإحقاق الحق, إلا أن الألم ما زال يعبث بداخلي, وأخشى ما أخشاه, أن يتكرّر الخطأ, ليعلق في جيدي نير آخر, فيزداد الثقل على كاهلي وأنا الذي ما عدت قادراً على تحمل المزيد, فأدعو الله أن أترك هذا الكرسي المهيب, وفي عنقي دم سعاد واحدة لا اثنتين.