امرح مع موظفيك.. تجنِ عسلاً

كلٌّ منّا يحلم بأن يمتلك عمله الخاص أو تكون له شركته الخاصة، منّا من تحقق له هذا الحلم ومنّا من يسعى إلى تحقيقه، لكن.. كل شخص يعلم أن الأمر لا ينتهي بافتتاح الشركة أو المصنع أو المؤسسة بل يتعداه إلى مراحل كثيرة، فهو لم يكن ليفتتح هذا المشروع من أجل التباهي به فحسب، أو ليختار له اسماً يحبه، بل أراده ويريده أن يكون مشروعاً ناجحاً، هنا يخطر في بالنا سؤال بديهي جداً: كيف نحكم على أي عمل أو مشروع بأنه يصنف في قائمة المشاريع الناجحة؟!

بقلم: يحيى السيد عمر

لعلّ الإجابة الأولى التي تتبادر إلى أذهان كثير منّا هي أن نجاح أي عمل يرتبط بالمردود المادي له، ومن يعمل في الأسواق المالية يحكم على النجاح من ارتفاع سعر السهم أو انخفاضه، لكن وباعتقادي الخاص، أن نجاح أي عمل يعتمد على الزاوية التي يرى منها صاحب المؤسسة أو الشركة النجاح، فكثير منا يسعى إلى تحقيق الربح المادي، وهناك فئة ترى أن نجاحها يكون بنجاح الرسالة التي يعملون من أجلها كنشر الثقافة والتوعية الاجتماعية وما إلى هنالك من مؤسسات يكون هدفها الأول هو الوصول إلى العقول وليس الجيوب.

قد نصل إلى مرحلة النجاح ونحكم على شركة أنها ناجحة، لكننا نضطر لأن نقف لحظة لتقييم هذا النجاح لنجد أن هناك الكثير من الفرق بين نجاح وآخر، فتعود إشارة الاستفهام لتظهر أمامنا قائلة كيف نحقق الدرجة العليا وكيف نحصل على العلامة التامة؟

هنا تتقافز أمامنا أشياء وأشياء نعتقد بأنها هي الأساسيات ونحاول أن نرتبها حسب أهميتها، فيكون المكان في المقدمة ثم الأدوات والتجهيزات ومن ثمّ الدعاية والإعلان.. ثم الموظف الجيد.

قد يقول قائل: إن الوعي الإداري لعب دوره وبين أهمية دور الموظف في دفع عجلة تقدم الشركة، وهنا مربط الفرس أو ما يحلو لي تسميته ببيت القصيد، نعم لم تعد أهمية دور الموارد البشرية الجيدة تخفى على أحد، بل هي المحرك الرئيس للعملية الإنتاجية، ولنضع خطين أحمرين تحت كلمة (إنتاجية)، فالإنتاجية هي المقياس الحقيقي والذي يجب أن نبحث عنه ونستشهد به، فكلما ارتفع مؤشر هذا المقياس كنا على يقين بأننا نسير على الطريق الصحيح، وهذا المقياس بدوره مقسم إلى أجزاء مجموعة بعضها إلى بعض، كإنتاجية الآلة والدعاية والموظف وغيرها.

وتؤكد كثير من الدراسات أن القدرات العقلية المتفاوتة من إنسان لآخر لم تعد تلعب دوراً كبيراً في إنتاجيته، بل كيفية الاستفادة من تلك القدرات كبيرة كانت أم صغيرة هي النقطة التي يجب أن نبحث عنها، وما يؤكد لنا هذه النقطة التفاوت الذي نلحظه في إنتاجية الفرد من وقت لآخر متأثراً بتغيير إداري أو مادي، فهنا كان من الأهمية بمكان أن نقوم بالحديث عن العوامل التي تؤدي إلى زيادة أو نقصان الإنتاجية لدى الموظف، ولعل ما دفعني للحديث عن هذه القضية تحديداً أمران، أولهما قراءتي لعدد من الدراسات التي أثارت اهتمامي، وطبعاً هذه الدراسات لم تنفذ في مجتمعنا العربي، أما السبب الثاني فهو ما يشاع عن شهر رمضان الكريم أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركة بأنه يؤثر على إنتاجية الموظفين ويحدّ منها.

في الحقيقة من المحتمل أن يكون للصيام بعض الأثر على الإنتاجية لكن ما ينتشر من أقاويل في المكاتب أو عبر أروقتها هو ما يضخم تلك الإشاعات إلى درجة يقتنع بها موظفونا، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى التأثير على الموظف مباشرة وعلى أدائه، فترى موظفنا في أوقات العمل الصباحية لا يمتلك القدرة على رفع رأسه من التعب ولكن وبقدرة قادر يمتلك قوة تمكنه من لعب مباراة في كرة القدم بعد انتهاء ساعات العمل وقبل وقت الإفطار، وقد لا يكون للكلام والأخبار التي تنتشر انتشار النار في الهشيم الأثر السلبي دائماً، فقد أثبتت دراسة أمريكية أجريت في مدينتي بوسطن وشيكاغو أن النميمة بين الموظفين تساعد وتعمل على تقوية علاقات الصداقة بينهم ما يؤدي في كثير من الأوقات إلى زيادة إنتاجيتهم وسرعتهم في أداء ما هو موكل إليهم من أعمال.

فالنميمة كما أثبتت الدراسة ليست بالضرورة أن تكون عبارة عن معلومات ضارة، فالموظفون يتحدثون عن الترقيات في العمل وعن حالات الحمل والمناسبات وغيرها من مواضيع إيجابية بالقدر ذاته الذي يتحدثون فيه عن أخطاء زملائهم في العمل، فالنميمة تشكل مصدراً للمعلومات من الممكن أن يساهم في المضي قدماً.. كما أن النميمة تدفع المتهربين من العمل إلى القيام بواجباتهم واللحاق بالمستوى الذي وصل إليه زملاؤهم.

لم أقصد من خلال ذكري هذه الدراسة أن أشجع على النميمة بأي شكل من أشكالها، ما عاذ الله، بل أردت الإشارة إلى أن بالإمكان الاستفادة من هذه الصفة السيئة والتي لا يخفى على أحد درجة انتشارها في دوائرنا ومؤسساتنا، وذلك من خلال بثّ بعض المعلومات الجيدة عن مكافآت أو ترقيات وغيرها من أخبار تطرب لها أذن موظفنا العزيز، وهذه المعلومات كفيلة بأن تحقق ذاتها بما تتركه من أثر رائع يدفع الموظف للعمل بشكل يجعله أهلاً للحصول على المكافأة والترقية المرتقبة.

هذا إذا كنا نبحث عن الأسباب التي تدعو إلى زيادة إنتاجية الموظف، أما إذا ما أردنا البحث في الأسباب التي تؤدي إلى نقصان إنتاجيته فهي تماماً عكس الأسباب التي تؤدي إلى الزيادة، كضعف الدخل المادي أو التأخر في توزيع المستحقات المالية وغيرها، لكن هناك سبب لا يخفى على كثير من المديرين وهو الشبكة العالمية (الإنترنت)، كأني الآن أراك يا قارئي الموظف العزيز وقد قطبت حاجبيك مستنكراً إثارتي هذه النقطة، لكن معذرة منك، فالحق يقال، فقد لوحظ في الآونة الأخيرة رواج الشركات المنتجة لبرامج الرقابة على الإنترنت وخصوصاً بعد إجراء مسح أكد أن 75 % من مديري الشركات المستخدمة للإنترنت أكدوا أن عملية المراقبة على الإنترنت في المكاتب أصبحت ضرورية، وعلى سبيل المثال إذا قضى ألف موظف في شركة متوسطة ساعة يومياً على شبكة الإنترنت فسيكلف هذا الأمر الشركة خمسة وثلاثين مليون دولار سنوياً، وذلك بحسب دراسة منفصلة أجريت في الولايات المتحدة.

وبالرغم من اعتقادي بصحة هذه الدراسة فإنني وبصدق أقولها ليس حرمان الموظف من الإنترنت أو من وسائل الترفيه هو الحل الناجع لزيادة إنتاجيته، بل على العكس فقد يؤدي حرمانه من هكذا مميزات إلى وجود ردة فعل تنعكس سلباً على عمله، وباعتقادي أن معرفة قدرات الموظف جيداً وتوكيله بالأعمال التي يحب القيام بها هي نقطة البداية في النجاح، وتوفير بعض وسائل الرفاهية سيساهم بكل تأكيد فيه، ولعل أفضل مثال يمكننا الآن ذكره هو شركة غوغل، فلا يخفى عليك عزيزي مدى النجاح الذي وصلت إليه هذه الشركة وذلك ليس من خلال ضغط أو محاصرة بل من خلال ترفيه وترويح عن النفس، وأظن أن الوقت قد حان عزيزي المدير لأن تغير بعضاً من سياساتك وتفرغ قسماً صغيراً من بناء شركتك تجعله للمرح.

 

مصدر المقال

لتحميل المقال بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط التالي:

تحميل