الهندسة الجـينية.. البحث عن الكمال في عالمٍ متداعٍ

قلّما نجد حولنا ما يمكن الاقتناع به دون أن نقول: (لو أنّ).. لأنّ كلّ الأشياء تعاني نقصاً ما، في الشكل أو في المضمون أو في الوظيفة، فالكمال حلم لا يمكن تحقيقه، إلّا أنّ ذلك لم يمنع العلماء من السعي للاقتراب منه قدر الإمكان، كي يقلّ استخدام تعابير (لو أنّ هذه الفاكهة أكثر حلاوة) أو (لو أنّ هذه البقرة أكثر إدراراً للحليب) أو حتّى (لو أنّ هذه الفتاة بعينين خضراوين)..!

إعداد: آس غاله

وفي سعي الإنسان إلى الكمال، استخدم كلّ ما يمتلك من طاقات علمية، وتكنولوجيا متطوّرة، حتّى إنّه تجاوز المقبول دينياً أو أخلاقياً في بعض الحالات لكي يثبت قدرته على تحسين بعض الأنواع.

وأهمّ ما توصّل إليه العلم في هذا الإطار، هو (الهندسة الجينية أو الوراثية) التي فتحت الأبواب أمام الحلّ لمعضلات كثيرة يعاني منها البشر، إذ استخدمت في محاولة عزل الجينات المسببة للأمراض الوراثية، لحماية الأجيال التالية من الإصابة بها، وكذلك في إنتاج أعضاء بشرية لاستخدامها في عمليات الازدراع.

كما استخدمت في تحسين المنتجات الزراعية لتكون أفضل شكلاً ونوعاً، ولتكون أكثر فائدة، حيث أنتجت بعض المحاصيل محتويةً على نسب أكبر من الفيتامينات لتمنح للشعوب التي تعاني من المجاعات.

ما هي الهندسة الجينية؟

الهندسة الوراثية أو الجينية (Genetic Engineering) هي علم يهتمّ بدراسة التركيب الوراثي للمخلوقات الحية، من نبات وحيوان وإنسان، بهدف معرفة القوانين التي تتحكم بالصفات الوراثية لهذه المخلوقات، لكي يتمّ التدخّل في تلك الصفات تدخّلاً إيجابياً، وتعديلها أو إصلاح العيوب التي تطرأ عليها.

وتشمل الهندسة الوراثية مجموع التقنيات والمناولات التي تسمح بنقل مورثة من نوع إلى آخر، لتحسين المردودية في عدّة مجالات، من أهمها الميدان الصيدلي ـ الطبي، والزراعي والصناعي.

وقد بدأ علماء البيولوجيا الجزيئية الأمريكيون منذ ثمانينيات القرن الماضي، مشروعاً طموحاً أطلقوا عليه اسم مشروع الجينوم البشري (Human Genome Project) لدراسة الصبغيات البشرية، ومعرفة خصائص كل منها، وتحديد المورّثات المتعلقة ببعض الأمراض، وما لبث أن التحق بالمشروع علماء أوروبيون ويابانيون.

ودأب العلماء على دراسة الشيفرة الوراثية (Genetic Code) للكشف عن أسرارها في كلّ من الإنسان والحيوان والنبات، وساعدتهم النتائج التي توصّلوا إليها، على تغيير الصفات الوراثية بهدف تجنّب الإصابة بالأمراض الوراثية، أو التشوّهات الخلقية.

كما استخدموا هذا العلم في إنتاج أعضاء بديلة لاستخدامها في زراعة الأعضاء، وذلك بأن يُنتج العضوُ المطلوب انطلاقاً من خليّة حيّة تؤخذ من جسم المريض نفسه فتزرع في مزارع خاصة أو في جسم أحد الحيوانات، ثم تحرَّض على التكاثر من أجل تشكيل العضو المطلوب الذي سيُزرع في جسم المريض، وهذه الطريقة أكثر نجاحاً من زراعة عضو مأخوذ من شخص آخر، لأنّ جسم المريض قد يرفض العضو الجديد ويؤدّي به الأمر إلى مشاكل صحّية جديدة، تطيح بعملية الازدراع كلّها.

ويأمل العلماء أن يساهم العلاج الجيني في حلّ مشكلات العائلات التي تعاني خللاً جينيّاً يورث أبناءها أمراضاً خطيرة، أبرزها التلاسيميا والناعور وفقر الدم المنجلي والتليّف الكيسي.

محاصيل محسّنة

في ظلّ تنامي الأزمات الغذائية، وضعف الموارد الزراعية في كثير من بلدان العالم النامي، فكّر العلماء ببدائل جديدة، تخفّف معاناة البشر الذين يعيشون في تلك المناطق، فأنتجوا نباتات مقاومة للآفات الزراعية، ومحاصيل معدّلة وراثياً تمتاز بزيادة نسب الفيتامينات فيها، وأبرز هذه المحاصيل (الأرز الذهبي) الذي لا يختلف عن الأرز العادي بلونه فحسب، وإنّما في مكوّناته الغذائية، وقد برز الحديث عنه في العام 2000 وأنتجت منه سلالة ثانية محسَّنة في العام 2005، بهدف استخدامه في المناطق التي يعاني سكانها من نقص فيتامين (أ)، إلّا أنّ هذا المشروع الحيوي الذي لقي الكثير من ردود الفعل الإيجابية بين أوساط العلماء، جوبه بمعارضة شديدة من حماة البيئة ومناهضي العولمة. لكنّ أصحاب المشروع استمرّوا على كفاحهم في سبيل نشره بين محتاجيه ولأغراض إنسانية وخيرية، لا ربحية، على اعتبار أنّه من أفضل ما تمّ إنتاجه عبر الهندسة الوراثية.

وتعدّ المحاصيل الزراعية المحسّنة جينياً حلّاً جذريّاً لمشاكل المنتجات الزراعية من حيث مقاومة الأوبئة والتلف، وكمّية المحاصيل ونسب العناصر الغذائية وغيرها.

نتائج غير محسوبة

قد يؤدّي التلاعب بالجينات إلى نتائج خطيرة لم يحسب حسابها سابقاً، وليس خافياً على أحد ما أدّت إليه المزاوجة بين أجناس مختلفة من الكائنات من نتائج كارثية، وهذه المزاوجة هي وجه مبسّط من أوجه التلاعب بالجينات.

فعلى سبيل المثال (النحل القاتل) الذي يعدّ من الحشرات سيئة السمعة، ما هو إلّا نتيجة عبث رجل اسمه (وريك كور) قام في العام 1956 بتهجين النحل الإفريقي مع السلالات الأوروبية الموجودة في البرازيل، آملاً بأن ينتج سلالة قادرة على تحمّل حرّ البرازيل كالنحل الإفريقي، مع الحفاظ على الصفات الجيدة للنحل الأوروبي، لكنّ نتائج هذا التهجين كانت (قاتلة)، لأنّ السلالة الناشئة كانت بالفعل قادرة على تحمّل الحرارة، إلّا أنّها تحمل أضعاف الصفات العدوانية لدى السلالتين، وما لبث الأمر أن خرج عن السيطرة، فتزاوج النحل الذي سمّي (النحل القاتل) مع الأجناس الأخرى الموجودة في ساوباولو، وبدأ بالانتشار في كلّ أرجاء أمريكا الجنوبية، ليصل فيما بعد إلى العديد من الولايات الأمريكية الشمالية.

وقد تسفر الهندسة الوراثية عن توليد سلالات جديدة من المخلوقات الحيّة، يمكن أن تُشكِّل خطراً على التوازن الحيوي في الأرض، أو قد تكون سبباً في انتقال أمراض خطيرة إلى الإنسان إذا ما زُرعت فيه أعضاء حيوانية معدَّلة وراثياً. وفي هذا الإطار صوَّت المجلس الأوروبي للشؤون الطبية بالإجماع في شهر فبراير من عام 1999م على تحريم ووقف تجارب واختبارات زراعة أعضاء الحيوانات المعدَّلة وراثياً في الإنسان، بعد نشر العديد من التقارير العلمية التي تفيد بأن الأنسجة الحيوانية لبعض الحيوانات تحتوي على فيروسات مندمجة مع المادة الوراثية، ما أثار مخاوف العلماء من انتقال هذه العوامل إلى الإنسان.

كما يوجد تخوّف من خروج جين ما عن السيطرة، ليؤثّر بطريقة مختلفة عمّا هو متوقّع، فيسبّب تشوّهاً ما أو مرضاً خطيراً.

وقد تكون النتائج المماثلة إلهاماً لمهووسي الحروب غير التقليدية، فلنا أن نتصوّر أيّ أذى يمكن أن يسبّبوه لأعدائهم إن أتيحت لهم فرصة التلاعب بجينات أحد الأجيال، فقد يستطيعون ابتلاء الناس بالعقم، أو بأمراض الدم أو بالتشوّهات الشكلية، لكي يورثوها لأبنائهم وأحفادهم..

وليس خافياً حلم هؤلاء بصناعة (الجندي الخارق) عبر “تحسين” صفاته البشرية -من منظور الحرب-، ليكون أقوى من الجندي العاديّ بعدّة أضعاف، وبدون رحمة أو رأفة، فيما يشبه عملية استئصال للضمير، كي لا يتردّد في قتل عدوّه، وربّما يكون هذا قابلاً للتحقيق، فيما إذا اكتشف العلماء الجينات المتحكّمة بهذه الجوانب!.

إلّا أنّ الخوف من هكذا نتائج، لم يمنع العلماء من الاستمرار في أبحاثهم وسعيهم باتجاه إنتاج سلالات بصفات شبه كاملة، وتلافي أيّ خطر مستقبلي. لكنّ الجدل حول مشروعية وقانونية الهندسة الوراثية، سيبقى قائماً بين علماء البيولوجيا من جهة، والمتحفّظين دينيّاً أو بيئيّاً أو حتّى سياسياً من جهة أخرى.

مقاربة هوليودية

كعادتها، لا تترك هوليود مجالاً دون أن تتطرق إليه، وقد برز الإيحاء أو الحديث صراحة عن الهندسة الجينية في العديد من الأفلام الأمريكية، منها على سبيل المثال فيلم (Creature) الذي يروي قصة التلاعب بجينات سمكة قرش ودمجها مع جينات بشرية، لتكون النتيجة مخلوقاً برمائياً عدوانياً مرعباً، يحمل أعنف صفات القرش وأسوأ صفات البشر.

أمّا في فيلم (The Island) فيتمّ استنساخ مجموعة من البشر ووضعهم في منشأة مغلقة، لكي يتمّ استخدام أعضائهم فيما بعد لمعالجة الأمراض التي يعاني منها الأشخاص الحقيقيون الذين تمّ استنساخهم، وذلك لأنّ النسخ البشرية الحديثة، لا تعاني أيّ مرض أو نقص، وتحمل الجينات وزمر الدم والصفات ذاتها التي يحملها المستنسَخون.

وسواء في هوليود أو على أرض الواقع، مازال البشر يحلمون بأن يصلوا إلى تقنيّات طبّية علمية، تمكّنهم من تحديد لون بشرة أبنائهم الموعودين، ولون العيون والشعر، وشكل التركيبة العظمية، وطول القامة وحجم الشفاه، وربّما تزويدهم بآذان موسيقية، أو بموهبة فنّية ما، لكي يصبح كلّ البشر جميلين وبلا عيوب، وبذلك سيكون الجميع سعداء، ما عدا أطبّاء التجميل!.