الميزان.. مقياس المساواة ورمز العدالة

قرأت ذات يوم طرفة تقول إنّ امرأة أحبّت أن يهديها زوجها سيارة رياضية بمناسبة عيد ميلادها، فتركت له ملاحظة تقول: (أرغب في هدية تنطلق من رقم 1 إلى 100 خلال خمس ثوانٍ).. في اليوم الموعود حضر الزوج مع هديته الثمينة، وإذا بها (ميزان)..!

من ويكيبيديا

لن أتحدث عن الميزان كآلة أو اختراع بحاجة إلى تعريف، فهو جزء أساسي من حياتنا، ولا يمكن أن يوجد إنسان لم يتعامل معه بشكل أو بآخر، ولاسيما أن للميزان استعمالات كثيرة ومتعددة، ويبدأ تعاملنا معه منذ سنّ الطفولة، وربما منذ اللحظة الأولى للولادة، لأن الأطباء يحرصون على معرفة أوزان المواليد التي تعدّ مقياساً للصحّة في تلك اللحظة.

والميزان لا يشير إلى تلك الآلة بكفين فقط، لأن للميزان أشكالاً وأنواعاً ووظائف متعددة، فهناك ميزان الكتل الكبيرة التي تتجاوز مئات الكيلوغرامات، وميزان الخضروات والفواكه، وميزان الحرارة الذي يقيس درجات حرارة الجسد، وذلك الذي يقيس حرارة الطقس، وهناك الميزان الإلكتروني الدقيق الذي يستعمل لوزن المعادن الثمينة، وثمة موازين أكثر دقّة من غيرها تختصّ بالمقاييس الطبية لتركيب الأدوية وتحديد الجرعات..

لمحة تاريخية

لقد احتاج الإنسان منذ أن بدأ ينشئ الحضارات المستقرة، إلى استخدام أدوات الوزن والقياس في معاملاته، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالتجارة وتبادل المنتجات، وتنظيم أسلوب حياته الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي استدعى توحيد وحدات الوزن والقياس على امتداد العالم، إلّا أنّ ذلك لم يتحقق، ففي الوقت الذي تستخدم فيه نسبة كبيرة من دول العالم الحديث النظام المتري في القياس، ويعدّ الكيلوغرام وحدة الوزن الأساسية فيها، اتبعت دول قليلة النظام الإنجليزي، الذي يعتمد على وحدات القياس التالية: الميل، الياردة، القدم، البوصة، وتقاس فيها الكتلة بالباوند.

وبنظرة إلى معظم المعلومات التاريخية والكتب التي أرّخت لانطلاق علم القياس ووحداته، نجد أنّها تشير إلى أن الفراعنة كانوا السبّاقين إلى اختراع وحدات قياس وأوزان ساعدتهم على بناء الأهرامات بدقة كبيرة، فقد عرفوا مكعب الذراع ومكعب القدم.. والأوزانُ والأكيالُ كلّها منسوبة إلى وحدة الأصول المصرية، ومن الفراعنة انتقلت هذه المقاييس والوحدات إلى بقية شعوب العالم القديم، ويقال إنّ من ساهم بالدرجة الأولى في انتشارها، كان العبرانيين الذين عاشوا في مصر في عهد نبي الله يعقوب عليه السلام، وهم الذين تركوا هذه الثروة المكيالية والميزانية، ومنهم انتقلت إلى البطالسة والرومان، وكل هذه الشعوب سبقت العرب، إلّا أنّ العرب في الجاهلية استخدموا هذه المقاييس وبعد أن جاء الإسلام تمّ تثبيتها، لكنّ ذلك لم يمنع كل حضارة وكل شعب من استخدام المسميات الملائمة له وتبعاً للطابع المحليّ السائد.

ويذكر الباحث علي باشا مبارك في كتابه (الميزان في الأقيسة والأوزان) أن الأمم عندما بدأت في استخدام المقادير نسبتها للذراع، ثم نُسِيَ ذلك العهد، بمعنى أنّ الأصل هو وحدة الأطوال.

كما يقول العالم الفرنسي جيرار إنه وجد الذراع القديم عام 1213 في أسوان، وكان يقاس به ارتفاع النيل وهبوطه.

وجاء بعده مسيو جومار عام 1822م ليقول إنه وجد ذراعاً في خزانات منف، وهو مصنوع من حجر فرعوني، ثم وجد غيره من الخشب وهو موجود الآن في قصر اللوفر بفرنسا.

وقد قدّر الذراع الذي اكتشفه العالم جيرار بثمانية وعشرين إصبعاً، وهو عبارة عن سبع قبضات، أي أن كل أربعة أصابع تعادل قبضة.

الأوزان عند العرب والمسلمين

اختلفت الأوزان والمقاييس قليلاً عندما تداولها العرب والمسلمون، حيث إنها طبعت بطابعهم أيضاً فأطلقوا عليها تسميات: الدرهم الشرعي والدينار الشرعي وهكذا.. كما أنّ مقاديرها اختلفت كذلك.

فالدرهم والدينار في هذه المرحلة أصبحا أكثر قيمة وأهمية كونهما مقياسَي وزن الذهب والفضة، فلم يعد الدرهم والدينار صنجة وزن عادي فقط، بل حتى المثقال صار غير المثقال المتعارف عليه سابقاً.

ويذكر البلاذري في تاريخه بأن قريشاً الجاهلية كان لها أوزان، وحين جاء الإسلام لم تتغير، بمعنى أن الرسولّ الكريم أقرّها.

وقد كان العرب يزنون الفضة بالدرهم، ويزنون الذهب بالدينار، فكان الدرهم العربي 60 شعيرة، والدينار العربي 85 حبة، والمثقال العربي 24 قيراطاً، وكل ثلاثة مثاقيل عربية = مثقالاً فرعونياً.

وفي عهد الرسول تعاملوا مع الدرهم البغلي وهو 4 دوانق، وقد سمي بالدينية وسماه المقريزي بالبغلي، وذكر المناوي في كتابه (النقود والمكاييل والموازين) بأن البغلي هو الوافي الأسود، وسمي بغلياً نسبة إلى الدرهم اليهودي الذي عرف برأس البغل، وهو فارسي، ثم الدرهم الجوازي والجوراقي والوافي والطبري، إلا أن الدرهم الإسلامي هو نصف البغلي والطبري.

وقد حظيت هذه المقادير باهتمام كبير في ذلك الوقت، لأنّها استخدمت في إخراج الزكاة ولاسيّما زكاة الذهب والفضة.

وقد ساهمت المكاييل الدقيقة في تلك الحقبة الزمنية في إنجاح المعاملات التجارية بين مختلف الأمم والشعوب على امتداد الأرض، ولاسيّما بعد تطوّر وسائل المواصلات التي جعلت التجارة تزدهر، وبالتالي ازداد معها الاهتمام بالقياس والوزن، وما التطور الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي الذي نعيشه في العصر الحديث إلّا نتاج الاستعمال الصحيح لمبادئ القياسات، وديمومته مرتبطة بدقة عملية القياس وخلوّها من الأخطاء.

{وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}

وإذا كان العدل في حساب الأوزان والمقاييس مسلّمة منطقية ومن أجله تمّ اختراع الميزان، فإنّ الأمر يتخذ شكلاً أعظم حين يكون مرتبطاً بعظمة الخالق عزّ وعلا، فهو القائل في قرآنه الكريم: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد:8)، وفي كثير من السور الكريمة يدعو سبحانه وتعالى بني آدم للعدل في تعاملاتهم مع الميزان، فيقول: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} (الأنعام:152).

فالعادل اسم من أسماء الله الحسنى، والعدل صفة من صفاته، والميزان رمزه وأداته، ذكره سبحانه في القرآن الكريم مشيراً به إلى عظمة عدله: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (الرحمن: 7).

ودون شكّ، يعدّ الميزان رمزاً للعدالة لما يشير إليه من مساواة، وهي مطلب كل البشر، لذلك تكاد لا تخلو محكمة في كل بقاع الأرض من ميزان، وذلك لتذكير القضاة بمهمتهم في إحقاق الحق وإقرار العدل.

أخيراً..

حين حصل أخي على شهادة الأستذة بالمحاماة، لم أجد صعوبة في إيجاد الهدية المناسبة له، فقدمت له تحفة نحاسية على شكل ميزان، مازال يزيّن به مكتبته إلى جانب كتب القانون ومراجعه، لكنني لن أنسى ما قال لي عندما قدمت له الهدية: “باتت حياتي مليئة بالموازين، تحفتي الفنية ميزان، ودفتري عليه ميزان، ودبوس بدلتي ميزان، وأبي يقيس كل تصرفاتي بميزان..”!

ولأنني بدأت المقال بطرفة، سأنهيه بطرفة حقيقية، لي صديق اسمه عادل، من مواليد برج الميزان ويعمل قاضياً..!