المعالجة بالنحاس

تتوفر اليوم في كثير من صيدلياتنا وصيدليات أوروبا وكل دول العالم, وكذلك في محال بيع الأدوات الطبية, نماذج لأقراص رقيقة وأساور من نحاس, ترافقها إرشادات طبية مطبوعة وموثقة، ونقابل رجالاً ونساءً تلتف حول معاصمهم أساور النحاس، للنساء أساور منقوشة وللرجال بلا نقوش، ومنها المضفورة كالسلاسل ومنها الموسومة بزخارف أيقونية الطابع..

الدكتور عبد المؤمن قشلق

وفي الدليل الدوائي الفرنسي للطبابة المثلية (Homeoapathy) نستطيع أن نحصي عشرين نوعاً من العلاج جوهرها النحاس.

ولا يقف المرء عند تلك الصور التي قد تبدو لبعض الناس عاميَّة الطابع، فقد صار للعلاج بالنحاس أركانه المتينة في معامل البحث العلمي، ففي إحدى الجامعات الكبرى في أوروبا, تأسس مع بداية الثمانينات قسمٌ كاملٌ لدراسة إمكانيات المعالجة بالمعادن, وعلى رأسها النحاس، وهنا وهناك، نتعرف على أسماء علماء مثل يايمان ورايتسيس وإيوانينا وروماشوف وفيل كوفر، يدرسون في غرب أوروبا وشرقها, مواضيع مثل كهربية الجسم، والمستقبلات العصبية الإضافية للجلد، وغير ذلك مما يثيره موضوع النحاس، وبالتحديد استخدام شرائح النحاس الأحمر للعلاج على الجلد، بالتدليك أو الملامسة أو الوخز أو التثبيت.. إلى غير ذلك من الطرق.

طب جديد!

مع الأيام صارت تتبدى بجلاء الآثار الجانبية الضارة للحماس المبالغ فيه للتكنولوجيا.. على بيئة الأرض عموماً, وعلى الإنسان خصوصاً, بشقيها الروحي والجسدي.

وفي مجال الطب الشائع (الطب الغربي) طب ما يسمى بالحضارة الصناعية, صار مرصوداً بأسى: خطأ الوقوف عند العقاقير الكيميائية كتوجه وحيد للتعامل مع المرض، فَمِنْها من فقد الفعالية أمام الميكروبات، ومنها ما يؤدي إلى تثبيط الجهاز المناعي، وبعضها مجرَّدُ مواد مسكنة للأعراض تفيد في المدى القريب وتضر على المدى الأبعد، دون أن تقتلع المرض من جذوره، وإذا أضفنا إلى العقاقير أدوات التكنولوجيا الطبية باهظة التكاليف يتجلى أثرٌ جانبيٌّ أشد ضرراً كوصفة وحيدة للوصول إلى حالة الصحة، ألا وهو إهمال الجانب الروحي وإهمال الجانب الاقتصادي أيضاً.

ويجري الآن صعود حثيث لطب آخر، طب كلي النظرة يرى الإنسان ككونٍ مصغر يسبح في أكوان أكبر.. كون من روح وجسد، لا انفصال بينهما في حالتي المرض أو الصحة، ومن ثم لا يكون علاجه صحيحاً، إلا باحترام هذا العلاج لبيئة هذا الكون المصغر (روحاً وجسداً) واحترام بيئة الكون الأكبر من حوله.

وفي هذا السياق تبرز المعالجات بالطرق (الطبيعية) واستخدام المواد الطبيعة, وهنا يأتي الطب الآخر.. الطب الذي يسمونه في الغرب مكملاً (Complementary) أو موازياً، أو غير ذلك من تسميات تشير إلى نوع من الطب يستخدم المواد الطبيعية البكر (كالنباتات، والمعادن، والمياه)، ويستنفر الكامن من طاقات الإنسان بوسائل طبيعية أيضاً (كالتنفس، وتركيز الفكر، واليوغا)، كل هذا لرد المرض، أو تحاشيه، في سبيل الوصول إلى حالة الصحة التي هي حالة معافاة للروح والجسد معاً.

وحتى تتم قوننة وتنظيم هذا الطب، ذي المراجع الشرقية القديمة, وتقديمه للعقل الغربي فقد ولفوا له علماً هو (علم المناعة النفسي العصبي)، يدرسون فيه وسائل هذا الطب البديل بمفاهيم الطب المعاصر المتعلقة بالنفس والأعصاب والجهاز المناعي، ويقف النحاس اليوم في طابور المدروسات بإلحاح لدى هذا العلم.

نظرة تاريخية

يعود اسم النحاس في اللاتينية إلى اسم جزيرة قبرص، التي يُزعم أنَّ مولد النحاس كان بها، ولذلك أطلق عليه اسم (كوبر)، إلا أن استخدام النحاس عُرف مبكراً لسهولة حصول الإنسان عليه غير مختلط بسواه، ومن ثم صار يشكل منه أدواته, حتى ليقال إن عصر النحاس أزاح العصر الحجري في تاريخ البشرية.

أما طبياً، ففي حضارتي مصر وسوريا القديمتين كان يوصى بارتداء أساور النحاس للوقاية من لين العظام ومن الصرع، وفي الطب الصيني القديم كان يشار إلى استخدام إبرة من المعدن الأحمر، أي النحاس، للتنشيط والتحفيز، وكان الفلاسفة اليونانيون وخاصة الفيلسوف الطبيب أنبادرقليس يرتدي صندلاً من النحاس لعله هو الذي وقاه من وباء الكوليرا الذي كان شائعاً معالجته والوقاية منه بالنحاس.

كما أن أرسطوطاليس كان يعمد بعد يوم عمل شاق إلى النوم وفي راحته كرة من النحاس تمتص تعبه، وفي القرنين العاشر والحادي عشر كان الطبيب والفيلسوف المسلم ابن سينا واضع كتاب القانون الذي ظل المرجع الرئيسي لأطباء المسلمين حتى القرن التاسع عشر, والذي ظل الغربيون يستعينون به في حضارتهم لأكثر من خمسمائة عام, كان ينصح بتناول مسحوق النحاس عند كسور العظام، وكان يضع رقائق النحاس على الجروح المتقيحة حتى تبرأ، وهو ما استمر متوارثاً في ذاكرة الطب الشعبي, لهذا ظل القرويون والرعاة في أماكن عديدة من الأرض يعطون برادة النحاس لحيواناتهم المصابة بالكسور وأيضاً للحيوانات التي تصاب بالإسهال وتغير لون الفراء وتقصفه، وهو ما يُعزى إلى نقص النحاس.

كما أن شعوباً كثيرة في الشرق ما زالت تضع خلاخيل النحاس وأساوره في أقدام وأيادي الأطفال لتساعدهم عند التسنين، ويمضي الزمان بالنحاس، ويتقدم، وتنجلي حقائقه الطبية القديمة التي رأت بإمكاناتها البسيطة ما نعود إلى رؤيته الآن مستخدمين أعقد وسائل التكنولوجيا.